إذا كنت أحد أولئك الذين يعيشون في المدن، فأنت تستمتع بالعديد من الأشياء المرتبطة بالحياة في المدينة، مثل السير إلى الأماكن الجذابة، والمقاهي والمطاعم المحلية، وحضور المناسبات الثقافية، ومقابلة أشخاص من خلفيات متنوعة. لكن على الرغم من أن العيش في مدينة يمكن أن يكون مثيرًا، فإن هناك بعض الجوانب السلبية.

منذ سنوات طويلة، استطاع العلماء التعرف إلى الآثار الضارة للحياة الحضرية على الصحة البدنية، بما في ذلك ارتفاع معدلات أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي. هذا أمر معتاد وسمعنا عنه كثيرًا. لكن الجديد في الموضوع هو ما كشف عنه الباحثون عن أن الحياة في المدن الكبيرة يمكن أن يكون لها أيضًا تأثيرات ضارة في الصحة النفسية والعقلية للبشر.

يأتي هذا في وقت تقول فيه الإحصائيات إن أكثر من نصف سكان العالم (4.2 مليار نسمة) يعيشون في المدن. ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد، ليصبح حوالي 68% من سكان العالم يعيشون في المناطق الحضرية بحلول عام 2050. ومن بين أبرز المدن الكبرى في العالم التي تعرف بأنها مناطق حضرية يزيد عدد سكانها عن 10 مليون نسمة، مدينة طوكيو اليابانية، التي تعد الأكبر من حيث عدد السكان البالغين 37 مليون مواطن. تليها في المرتبة الثانية مدينة دلهي الهندية التي يعيش فيها 29 مليون نسمة، ثم شانغهاي الصينية بإجمالي 26 مليون نسمة.

«اكتئاب.. قلق.. ذهان»: الحياة في المدن والصحة العقلية

في هذه التجمعات الكبيرة التي تضمها المدن، يزيد خطر الإصابة بمرض الاكتئاب بنسبة 20% عند سكان المدن، عن أولئك الذين يعيشون خارج المدينة. لاحظ أن الاكتئاب هو الاضطراب العقلي الأكثر شيوعًا في العالم، والذي يتميز بانخفاض الحالة المزاجية والشعور بالعجز. وفي الوقت نفسه، يزيد خطر الإصابة بالذهان بنسبة 77% في سكان المناطق الحضرية عن سكان الريف. والذهان هو اضطراب نفسي شديد يرتبط بالهلوسة والأوهام وجنون العظمة والفكر غير المنظم.

Embed from Getty Images

(رغم أن العيش في المدن له مميزاته، لكنه يحمل كثيرًا من السلبيات)

أيضًا، يزداد خطر الإصابة باضطراب القلق العام بنسبة 21% في سكان المناطق الحضرية مقارنة بسكان الريف. واضطراب القلق العام هو حالة ذهنية تتميز بالشعور بالقلق، والشعور بالخطر أو الذعر الوشيك. وتذكر دراسات بشكل حاسم أنه كلما قضيت وقتًا أطول في بيئة حضرية أثناء فترة الطفولة والمراهقة، زاد خطر إصابتك بمرض عقلي في مرحلة البلوغ. وهو ما يعني وجود علاقة سببية واضحة بين الحياة في المدن وبين الأمراض العقلية.

ووجدت دراسة نشرت عام 2017، أن معدلات الإصابة بمشكلات الصحة العقلية الأخرى مثل اضطرابات ما بعد الصدمة، والعجز عن السيطرة على الغضب كانت أعلى بين أولئك الذين يعيشون في المناطق الحضرية. وينطبق الشيء نفسه على الاضطرابات النفسية الأكثر خطورة، مثل الفصام والبارانويا.

تدهور الصحة العقلية في المدن.. ما الذي يحدث داخل الدماغ؟

الأرقام التي ذكرناها في بداية التقرير تتعلق بدراسات مسحية أجريت على مدى سنوات. لتأتي الدراسات المتعلقة بعلوم الدماغ لتؤكدها وتفسر الأسباب. في دراسة مهمة عام 2011، أجراها الباحثون بقياس عملية التنشيط العصبي أثناء المهام المسببة للإجهاد. وكما هو متوقع، أظهر جميع المشاركين زيادة في نشاط الخلايا العصبية داخل الجهاز الحوفي، وهو شبكة من المناطق في الدماغ التي تلعب دورًا رئيسيًّا في تنظيم المشاعر اليومية لدينا.

ما وجده الباحثون كان مذهلًا. ففي داخل هذه الشبكة، ارتبط مدى التنشيط العصبي في منطقة اللوزة الدماغية (وهي بمثابة مركز القتال أو الفرار أمام المواقف الصعبة) بحجم المدينة التي كان يقيم فيها الفرد وقت التجربة. كما أن التنشيط العصبي للقشرة الحزامية الأمامية المحيطة (وهي منطقة مرتبطة بمعالجة الضغوط الاجتماعية) يرتبط مع الفترة التي عاشها المشارك في الدراسة في المدينة أثناء طفولته.

الأمر الأكثر إثارة هو أن دراسات أخرى أظهرت تغيرات مماثلة في الأشخاص الذين لديهم مخاطر وراثية عالية للإصابة بالاضطرابات النفسية. وهذا يدعم فكرة أن الحياة الحضرية تسبب تغيرات داخل شبكة من المناطق المتورطة في تطور المرض العقلي.

حياة المدن.. إرهاق وإجهاد مستمر

وفقًا للأطباء النفسيين، فإن الحياة الحضرية تعطي الدماغ مجهودًا إضافيًّا، مما يغير من طريقة تعاملنا مع الإجهاد. يمكن أن يؤدي التحفيز المستمر لحياة المدينة إلى دفع الجسم إلى حالة مرهقة، تعرف باسم استجابة «القتال أو الطيران». هذه الحالة يمكن أن تجعلنا أكثر عرضة لمخاوف الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، والقلق، وتعاطي المخدرات.

ويمكن للمعيشة في المدينة أيضًا أن تؤثر سلبًا في نظامك المناعي النفسي، والذي يمكن أن يجعلك عرضة للخطر بشكل أكبر لمن لديهم تاريخ عائلي من المرض العقلي. يمكن لهذا الإجهاد البيئي زيادة خطر الإصابة بالحالات النفسية، مثل القلق والاكتئاب، أو الاضطراب الثنائي القطب.

وعلى الرغم من أن الحياة الحضرية قد تؤدي إلى مشكلات على المستوى العاطفي، فإن نظرات الخزي والعار تمنع الشباب من الحديث عن نضالاتهم ومعاناتهم في هذا الشأن. وطبقًا لدراسات حديثة فإن هذا الأمر هو ما يفسر لماذا يشعر هؤلاء بالوحدة أكثر من الأجيال الأكبر سنًّا. والأكثر من ذلك، هو أن الشباب، وخاصة جيل الألفية، غالبًا ما يشعرون بالإرهاق العقلي والبدني، مما يمكن أن يضيع بهجة الحياة عندهم.

كيف تؤثر بيئة المدن في صحتنا العقلية؟

تقدم الدراسات الوبائية والعصبية مجتمعة أدلة متقاربة على أن الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الحضرية هم بالفعل أكثر عرضة لمشكلات الصحة العقلية. فما العوامل المحددة داخل البيئة الحضرية التي تزيد من خطر تطوير مثل هذه المشكلات بشكل محدد؟ الدراسات السابقة حددت بالفعل عددًا كبيرًا من العوامل.

تبرز بعض هذه المشكلات المحتملة في طبيعة البيئة المبنية في المدن، مثل تقليل الوصول إلى المساحات الخضراء، وارتفاع مستويات الضوضاء، وتلوث الهواء. فيما تتعلق العوامل الأخرى بالبيئة الاجتماعية، مثل الشعور بالوحدة، والجرائم المتصورة والفعلية، وعدم المساواة الاجتماعية.

لكن هذه الدراسات استندت إلى مجموعة العوامل الملتقطة لكل مشارك في وقت معين، وبالتالي لم تتمكن من التقاط البيئات المتعددة والمتنوعة التي يعيشها معظم الناس على مدار اليوم. لكن بعض الدراسات الجديدة تستخدم تقنيات الهواتف الذكية لجمع قياسات متعددة مع استمرار الناس في حياتهم اليومية. هناك مشروع يسمى (Urban Mind)، على سبيل المثال، يتعلق باستخدام تطبيق الهاتف الذكي لقياس تجربة الحياة الحضرية أو الريفية في الوقت الحقيقي.

جانب مشرق لكن بشروط..

في المقابل، من المهم أن ندرك أن تلك العوامل داخل البيئة الحضرية التي تزيد من خطر الإصابة بمرض عقلي، ليست جوانب جوهرية أو حتمية للحياة الحضرية. بدلًا من ذلك، فهي نتيجة سوء التخطيط والتصميم والإدارة، ويمكن عكسها والتخلص منها. وهو ما يعني إمكانية وجود جانب مشرق لتأثير الحياة الحضرية في صحتنا إذا خطط لها تخطيطًا صحيحًا.

فبينما تركز الأبحاث الحالية على الآثار السلبية للحياة الحضرية في الصحة العقلية، وتأطير التحضر المتسارع الذي يحدث في جميع أنحاء العالم كتحدٍ للبشرية، فإن هذا تبسيط مفرط لما يعنيه العيش في مدينة لعدة أسباب. فالحياة الحضرية هي ظاهرة معقدة ومتناقضة يصعب تحديدها، مع قليل من القواسم المشتركة بين سكان الضواحي المحرومة من الخدمات وبين المدينة المليئة بالحدائق. من هنا، تقل نسبة الإصابة بالاكتئاب داخل المناطق الحضرية عندما يحصل الناس على مساكن عالية الجودة ومساحات خضراء.

علوم

منذ سنتين
أكثر مما تتصور.. ما الذي يحدث لعقلك حين تجلس أمام مناظر طبيعية خلابة؟

نلاحظ أيضًا أن الصحة العقلية تعتمد على كل من الطبيعة والتنشئة. على سبيل المثال، تشير الدراسات التي تبحث في كيفية تأثير البيئة في جيناتنا، إلى أن تأثير الحياة الحضرية يعتمد على تركيبتنا الوراثية الموجودة مسبقًا. وبالنسبة للكثير من الناس، يمكن أن توفر الحياة الحضرية فوائد كبيرة للصحة النفسية من خلال زيادة فرص التعليم، والتوظيف، والتنشئة الاجتماعية، والحصول على الرعاية المتخصصة. ويمكن أن يكون الانتقال إلى مدينة هو الخطوة الأولى نحو تحقيق إمكانات الفرد الكاملة، وشرطًا ضروريًّا للوصول إلى المجتمعات ذات الاهتمامات والقيم المماثلة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد