2,439

لا زال الغموض يسيطر على الكثير من الأمراض النفسية والعقلية، وعادةً ما يثار الرعب بداخلنا إذا مررنا في أحد الشوراع بجوار مجذوب أو مريض عقليًّا ينام على الأرصفة، نظرًا لعدم قدرتنا على توقع تصرفات الشخص «المجنون»، هذا الغموض المحيط بالأمراض النفسية، استغله الكثير من المخرجين لصالح أعمالهم الفنية، وجسدوا الأمراض النفسية تجسيدًا مرعبًا، وربما فيلم Psycho للمخرج ألفريد هيتشكوك هو المثال الأشهر على تلك النوعية من الأفلام.

في هذا التقرير نقدم لك 8 أمراض نفسية جسّدتها السينما تجسيدًا مرعبًا.

windigo psychosis -1.. صمت الحملان!

أكل لحوم البشر فكرة مخيفة لأي شخص عاقل، ولكنها فكرة مغرية جدًا لأي شخص يعاني مرض windigo psychosis، لأنه يجد رغبة مُلحة بداخله لأكل اللحم البشري، وأطلق على هذا المرض Windigo نسبة إلى أحد الوحوش في الأساطير الأوروبية القديمة، وكان هذا الوحش مزيجًا مخيفًا من الإنسان والحيوان، ويشتهي لحوم البشر ويصطادهم من أجل غذائه اليومي.

وقد انتشر آكلو لحوم البشر في العديد من بقاع العالم حتى يومنا هذا، تاركين في أذهاننا أفكارًا مخيفة ومرعبة تمكّنت منّا منذ صغرنا، وربما تلك الأفكار كانت ستتوقَّف عن تغذية نفسها بنفسها إن لم نسمع عن آكلي لحوم البشر مرة أخرى، ولكن صنّاع الأفلام السينمائية لم يقدروا على مقاومة إغراء الفكرة، ولذلك خرج إلى شاشات العرض الكثير من الأفلام التي جسدت المرض النفسي windigo psychosis أو آكلي لحوم البشر تجسيدًا مرعبًا، ومن أهمها فيلم The Silence of the Lambs والذي قام ببطولته النجم الأمريكي أنتوتني هوبكنز، وحاز الفيلم في وقتها على خمس جوائز أوسكار، وحقق جماهيرية عالمية.

استند الفيلم على قصة حقيقية، تحكي عن حياة رجل ثري وذكي ولكنه لا يشتهي في اللحوم سوى اللحم البشري؛ كان له تأثيرًا مرعبًا وأضفى على الفيلم حالة من السوداوية والسادية، ولكنه نجح في الوصول إلى خيال المشاهدين الجامح، وهو أمر شجع العديد من صناع الأفلام والدراما أن ينتجوا أعمالًا درامية وسينماية متعددة لتلك القصة الفريدة.

2- اضطراب تعدد الشخصيات.. كم شخصية يمكن للمريض التعايش معها؟!

مرض اضطراب تعدد الشخصيات يختلف عن الـ«شيزوفرنيا» أو الفصام، وهذا لأن المريض الذي يعاني منه، يتأرجح وعيه بين أكثر من شخصية وليس شخصيتين فقط كما يعاني مريض الفصام، وفي اضطراب تعدد الشخصيات يكون هناك شخصيتان رئيسيتان تسيطران على أكبر مساحة من حياة ووعي المريض، بجانب عدد من الشخصيات الثانوية والتي تستحوذ على المريض من آن لآخر حسب الظروف المحيطة به، وتكون الأعراض المصاحبة للمرض هي نسيان المعلومات الأساسية عن الحياة  الشخصية، أو الانفصال عن الواقع أثناء تواجده مع أصدقائه أو عائلته، وكأنه ذهب حرفيًّا إلى مكان آخر بوعيه، ولم يعد يشعر بوجوده في اللحظة الآنية، وعادة لا يقدم المريض على أي تصرفات عدوانية تجاة الآخرين.

فيلم Spilt تدور أحداثه عن شاب مريض بـاضطراب تعدد الشخصيات، ولكن الفيلم جسد المرض تجسيدًا مخيفًا.

تدور أحداث الفيلم حول شاب يعيش بداخله ما يزيد على 20 شخصية من بينهم سيدات وأطفال ورجال، واحدة من الشخصيات تعود لرجل شرير يختطف الفتيات، بينما يستعدُّ المريض لخروج الشخصية الجديدة والنهائية من جسده، وهي شخصية أطلق عليها المريض «الوحش» لما يمتكله من قدرات خارقة مثل تسلق الجدران، والقوة العضلية غير الآدمية، وهذا التطور الذي أضافه الفيلم هو تطور خيالي للمرض من أجل إضافة أجواء مخيفة على شخصية البطل، والذي يتحول بالفعل في نهاية الفيلم إلى شخصيته الأخيرة والأقوى والتي تسيطر على باقي الشخصيات، وهي شخصية «الوحش» القاتل.

 3- فقدان الذاكرة النفسي.. هل ما تتذكره عن نفسك حقيقي؟!

هذا النوع من فقدان الذاكرة يطلق عليه النفسي، لأنه يصيب المريض بسبب صدمة نفسية شديدة الوطأة، بينما تظل خلايا مخه سليمة عضويًّا، وأهم أعراضه نسيان المريض لمعلومات مهمة عن نفسه وهويته دون أن يدرك هذا النقصان الذي أصابه في ذاكرته، مما يسبب التوتر في علاقاته العاطفية والاجتماعية ووظيفته، والفترات الزمنية التي ينساها المريض قد تكون طويلة طالما تضمنت الحدث الذي أصابه بالصدمة النفسية حتى وإن كان عقله مضطرًا لقص سنوات طويلة من ذاكرته، ولكن العقل لا يتخلص من تلك الذكريات، إنما يحتفظ بها في نقطة مظلمة عميقة في عقله الباطن.

فيلم Shutter Island بنيت قصته على فكرة مخيفة نفسيًّا، وهو طرح سؤال قد يمس كل مشاهد: «هل ما تتذكره عن نفسك حقيقي؟ وهل كل ما يحدث من حولك هو حياتك الحقيقية؟»، «هل أنت مجرم وقاتل.. أم إنسان مسالم كما ترى نفسك؟».

في بداية الفيلم نتعرف على المحقق الذي يزور إحدى المصحات العقلية للمرضى النفسيين ذوي التصرفات الإجرامية، للتحقيق في إحدى قضايا الهروب من المصحة، ولكنه في الواقع يبحث عن المريض رقم 67، والذي تسبب في مقتل زوجته عندما أحرق البناية التي يعيشون فيها، وتدور أحداث الفيلم على جزيرة مهجورة ومعزولة عن العالم الخارجي، بسبب سوء الأحوال الجوية، حيث المحقق وزميله سجناء  وسط مجموعة من المرضى العقليين والمجرمين، وفي نهاية الفيلم يطرح صناعه على استحياء نظرية تفسر غموض رحلة البحث الفاشلة عن المجرم الخطير، وهو أن المحقق نفسه هو المريض رقم 67، وكل من حوله أطباء حتى شريكه المحقق، وتلك التجربة حبكوها لمواجهة المريض بحقيقته وللاعتراف بجرائمه البشعة التي ارتكبها، ولكنه لا يتذكرها لإصابته بـفقدان الذاكرة النفسي.

فهل قمت في حياتك بجرم خطير ونسيته تمامًا وتعيش الآن في عالم غير حقيقي؟! الإخراج الفني للفيلم لا يقاس به مدى صحة المعلومات الطبية عن هذا المرض، ولذلك رأي علم النفس في التجسيد السينمائي لهذا المرض؛ أنه جامح من أجل تلبية المتطلبات الدرامية.

4- فقدان الذاكرة الجوبي.. ما الذي نسيته ويتربص بك في بيتك؟

فقدان الذاكرة الجوبي أو Lacunar amnesia، يختلف هذا النوع من فقدان الذاكرة عن فقدان الذاكرة النفسي، بأنه يمحو حدث واحد من ذاكرة المريض، حتى تزول الآثار النفسية والعصبية لهذا الحدث الصادم أو الأليم، بينما تستمر حياته كاملة على وتيرة مستقرة حتى يحدث أي عامل محفز لتلك الصدمة العصبية المخزنة في العقل الباطن من المريض، وقتها يبدأ العقل بإرسال إشارات للمريض يذكره بتلك الحادثة.

فيلم الرعب What lies beneath استغل تلك الفكرة في توظيف درامي مخيف. زوجة الطبيب الشهير تودِّع ابنتها الوحيدة المتجهة للدراسة في إحدى الجامعات خارج المدينة التي يعيشون فيها، وتجد الأم نفسها وحيدة في المنزل، حتى يظهر لها شبح فتاة في أكثر من مكان ويحوِّل حياتها إلى جحيمٍ مخيف، ومحاولاتٍ يائسة لمعرفة هوية الشبح الذي يسكن منزلها، حتى تنهار نفسيًّا وتزور الطبيب النفسي مصدقة أنها مصابة بخلل عقلي.

ومع تطور أحداث الفيلم، تتذكر الزوجة أن تلك الفتاة التي يحاول شبحها التواصل معها، كانت على علاقة بزوجها، وهو الأمر الذي اكتشفته من عامين ولكن عقلها اختار أن يمحي ملامح الفتاة وعلاقتها الغرامية مع زوجها، ولكن الزوج قتل تلك الفتاة ولذلك يطاردهم شبحها من أجل الانتقام، وإن لم تكن البطلة مصابة بفقدان الذاكرة الجوبي، كانت تعرفت على وجه الفتاة منذ اللحظة الأولى، ولم تكن مضطرة لخوض رحلة البحث المرعبة عن هوية شبح يسكن منزلها.

صناع هذا الفيلم بنوا قصة كاملة خيالية على مرض نفسي بسيط قد يعاني منه أي شخص مر بموقف صعب أو محرج، وقرر عقله أن يلغيه من ذكرياته للأبد، وطعموا أعراض المرض عند البطلة، بتقنيات مرئية وصوتية، جسدت المرض النفسي تجسيدًا مرعبًا، ليس له علاقة بطبيعة المرض على أرض الواقع.

 5- اضطراب الشخصية الحدي.. هل وقعتِ من قبل في
غرام مختل؟

اضطراب الشخصية الحدي أو Borderline personality disorder هو مرض عقلي يصيب المريض لأسباب عضوية مثل وراثة المرض من أحد أفراد الأسرة، أو التشوهات الدماغية، ولأسباب نفسية مثل الصدمات العصبية العنيفة في مرحلة الطفولة.

المريض باضطراب الشخصية الحدية، تكون مشاعره اندفاعية مبنية على أفكار غير منطقية، وهذا بسبب خوفه الدائم من الرفض سواء في الصداقات أو العلاقات العاطفية، وكثيرًا ما يلجأ إلى إيذاء نفسه والمحيطين به إذا لم يتحكم في ردود أفعاله تحكمًا جيدًا، وقد يصاب بغضب شديد إذا تعرض للانتقاد، وفي المقابل يتقبل المدح بترحاب عاطفي مبالغ فيه، والشخص المصاب بهذا المرض يبدو طبيعيًّا للغاية، وربما خفيف الظل واجتماعيًّا حتى تعرضه لأي من محفزات المرض، وقتها يظهر الجانب المريض من شخصيته.

هناك جانب مشرق في شخصية المصاب بهذا المرض، يخفي وراءها جانبه المظلم، وتلك هي الفكرة الأساسية التي بني عليها فيلم Fear قصته، وتدور أحداث الفيلم حول فتاة مراهقة تقابل شابًا وسيمًا وساحرًا تتهافت الفتايات على وسامته، ولكنه يختار بطلة الفيلم حبيبة له، وهذا يبهرها ويجعلها تتمسك به على الرغم من تحذيرات والديها بأن فارس أحلامها يبدو مريبًا ومخيفًا، وتتطور العلاقة بينهما من علاقة رومانسية إلى علاقة جسدية، وبعدها بوقت قليل، يتحول فارس الأحلام إلى كابوس مرعب، حين يظهر البطل الساحر جانبه المظلم ويبدأ تصرفاته العنيفة الإجرامية، وتتحول حياة المراهقة الحالمة إلى سلسلة متواصلة من الخوف والفزع.

الجانب المظلم الذي جسده الفيلم لهذا المرض ربما لا يكون بعيدًا عن الواقع بحسب ما يؤكده الأطباء عن مرضى Borderline personality disorder، ولكن حتى يصل المريض لهذه المرحلة، يجب وأن تكون خلايا مخه مصابة بخلل شديد، إلى جانب أن المريض يكون أكثر ميولًا لإيذاء نفسه أكثر من إيذاء الآخرين، ولذلك أعراض الشاب في هذا الفيلم مطابقة للمرض ولكنها في ذات الوقت ليست الأعراض الشائعة للمرض.

 6- الاضطراب التوهمي.. مرض نادر وفيلم مميز

الاضطراب التوهمي أو Delusional disorder هو مرض غير شائع، ويصعب على المصاب به التفريق بين الواقع والوهم، ويرى رؤى وأحداث من نسج خياله، ولكنها من وجهة نظره تكون واقعية مثل الأحداث الحقيقية بالضبط، صناع فيلم Donnie Darko استغلوا هذا المرض وبنوا عالمًا خياليًّا مخيفًا في عقل بطل الفيلم.

تدور أحداث الفيلم حول شاب مراهق يتعرض إلى حادث غريب ومن بعده يبدأ في رؤية تخيلات وأوهام مخيفة تدفعه لارتكاب سلسلة من الجرائم، ولكن تجسيد مرض Delusional disorder في هذا الفيلم مبالغ فيه للأغراض الدرامية، لأن المريض في هذه الحالة يرى توهمات مستحيلة الحدوث في الواقع، وهنا يكمن خطورة المرض، لأن الأحداث التي يظن أنها حقيقة هي تخص حياته الشخصية وأصدقائه وعمله وقد تحدث على أرض الواقع بالفعل، ولكن في الفيلم، تخيلات الشاب المراهق كان معظمها لا يمت للواقع بصلة.

Agoraphobia- 7.. السفاح ينتطر بالخارج!

مرض الـagoraphobia هو الخوف المرضي من التواجد في الأماكن العامة، أو أي مكان خارج منزل المصاب بالمرض، المصابون بهذا المرض يعانون من أعراض جسدية إذا قرروا الإقدام على فعل الشيء الذي يخافونه، وتتمثل الأعراض في اضطرابات في دقات القلب، وخلل في ضغط الدم وفي بعض الحالات قد تصل إلى الإغماء، خاصة وإن كان المريض يجبر على الفعل الذي يخشاه، وفيلم Copycat جسد هذا المرض تجسيدًا مرعبًا، حين أضاف صناعه عنصرًا جديدًا يعزز المرض داخل الفيلم، وهو القاتل المتسلسل.

تدور أحداث الفيلم حول طبيبة نفسية أصيبت بمرض رهاب الأماكن العامة، بعد تعرضها إلى حادثة مرعبة مع قاتل متسلسل، ولازمت منزلها وباشرت عملها من داخله، حتى يظهر قاتل متسلسل جديد يعيد جرائم القاتل المتسلسل الأول والذي تم القبض عليه في حينها، وتضطر المحققة في التعاون مع الطبيبة المريضة نظرًا لخبرتها السابقة مع السفاح الأصلي، والتي تؤهلها بالتبنؤ بتصرفات السفاح المُقلد، وتوافق الطبيبة على مشاركة المحققين في البحث عن هذا المجرم دون الخروج من المنزل، ولكن زيارة السفاح لها في المنزل تدفعها للهروب، في مشهد واقعي يجسد الأعراض التي تصيب صاحب هذا المرض حين يواجه مرضه ويتحداه.

8- الاضطرابات السلوكية.. وتحفة ستانلي كوبريك السوداوية

اضطراب السلوك أو Conduct Disorder يصيب المريض من سن الطفولة والمراهقة، وقد يتطور معه مع التقدم في العمر إن لم يتم السيطرة عليه وعلاجه، وتتمثل الأعراض المصاحبة للمرض في رغبة المريض التدميرية وإثارة المشاكل، والخروج عن القانون، والتصرفات العدائية مع من حوله حتى أسرته وأصدقائه.

«عمل فني محطم للعقل ومغرق في العنف» مقولة من مقال نقدي عن فيلم A Clockwork Orange للمخرج ستانلي كوبريك، تدور أحداث الفيلم حول شاب مصاب باضطراب السلوك، تسيطر عليه النزعة السادية، ويمارس هو وعصابته الصغيرة الكثير من أعمال العنف والاغتصاب، حتى يتم القبض عليه ويطبق عليه بعض التجارب النفسية والتي لا تقل قسوة وعنفًا عن تصرفاته السابقة، الفيلم –وفقًا لعلم النفس– يعتبر تجسيدًا سينمائيًّا للحد الأقصى الذي قد يصل له مرض اضطراب السلوك.

المصادر

  • Cannibalism—the Ultimate Taboo—Is Surprisingly Common

  • Searching for the Wendigo

  • Dissociative Identity Disorder (Multiple Personality Disorder)

  • Dissociative Identity Disorder (DID) Doesn’t Make You Violent

  • Shutter Island: A Psychoanalytic and Behavioristic Perspective and Critical Evaluation on Andrew/Teddy Daniel

  • Mental Health and Dissociative Amnesia

  • lacunar amnesia by medical dictionary

  • Borderline Personality Disorder Symptoms

  • Mental Health and Delusional Disorder

  • What Is Agoraphobia?

  • Classical Conditioning in “A Clockwork Orange”

تعليقات الفيسبوك