تعرض الكثيرون للخيانة ولو مرة واحدة على الأقل في حياتهم، سواء كانت خيانة من حبيب أو حتى صديق أو شريك في العمل. وهؤلاء الذين مروا بتلك التجربة، يعلمون جيدًا الألم المصاحب لاكتشاف الخيانة، وتلك الطعنة المؤلمة التي غالبًا ما تأتي من مأمن، والثقة في الآخرين التي سرعان ما تهتز ويحل محلها الشك والخوف والقلق. ويعلم الكثير سواء عن تجربة، أو من الروايات والدراما والأغنيات، ما يعانيه الشخص الذي تعرض للخيانة، ولكن ماذا عن الطرف الآخر؛ الخائن؟

قد نسأل لماذا يخون الإنسان؟ أو كيف نعرف إذا كان شريكنا خائنًا؟ أو كيف أحمي نفسي من الخيانة؟ لكن غالبًا لا يسأل البعض عن الألم الذي يشعر به الخائن بعد خيانته، والمشاعر السلبية التي يختبرها نتيجة ارتكابه هذا بالفعل.

في هذا التقرير نحاول أن نفتح لك نافذة عن نفسية الخائن، لنعرف ما يعانيه، سواء إذا كان ضُبط وفضح أمره، أو ظلت خيانته في الظل، لكن وجب التنويه، أن هذا التقرير يتحدث عن الشخص الذي يخوض تجربة الخيانة مرة في حياته ويندم عليها، وليس الشخص الذي يمارس الخيانة باعتياد وأريحية دون الشعور بالذنب.

الشعور بالذنب قد يقتلهم.. حرفيًّا

تؤكد الطبيبة النفسية سوزان هيتلر مؤلفة كتاب «The Power of Two: Secrets to a Strong and Loving Marriage»؛ أن الخائن بعد انتهاء علاقته الثانية أو أثنائها، عادة ما يقع فريسة للشعور بالخجل والذنب والعار والإحراج، خاصة وإن كُشف أمره من جانب شريكه، وتوضح سوزان –بناءً على خبرتها في التعامل مع شخص خائن-؛ أمرًا مهمًا لمن يتعرضون للخيانة ويواجهون شريكهم، وهو أن موقف الخائن الدفاعي غالبًا ما يكون نابعًا من شعوره بالخجل وليس الشعور بالاستحقاق.

هذا الشهور بالذنب والعار والإحراج يمنع الخائن من الاعتراف بخطئه بسهولة، لأنه لا يريد لتلك المشاعر السلبية المختزنة بداخله أن تظهر على السطح والتي توّلد داخله شعورًا قويًّا بكراهية الذات، ووفقًا لدراسة نفسية نشرت في عام 2011 تحت عنوان: «Facilitating forgiveness in the treatment of infidelity: An interpersonal model»، فإن هذا الشعور بكراهية الذات قد يؤدي بالخائن إلى الدخول في حالة اكتئاب قوية إذا لم يجد من الطرف الآخر التسامح الذي يتوقعه، وقد يدفعه هذا التسامح للاعتراف بالخطأ، وبعدها قد يستطيع الطرفان بداية صفحة جديدة في علاقتهما.

في واحد من مواقع العلاقات العاطفية، كتب رجلًا شهادته عن خيانته لزوجته التي يحبها، وبعد نهاية الفترة الأولى في العلاقة العابرة، شعر بالذنب ينهش في قلبه، لأنه اضطر للكذب على حبيبته لفترة طويلة، وشعوره بالذنب تحول لعبء كبير لم يستطع التخلص منه، ولذلك اعترف لشريكته بما فعله بعد أن أنهى العلاقة العابرة، وأوضح في شهادته أن شريكته سامحته لكنه لم يسامح نفسه، وأصبح سجين الشعور بالذنب بسبب انطفاء وميض السعادة في عين حب حياته بسببه.

وأكد مؤلفو دراسة نُشرت عام 2012 في «Journal of Sexual Medicine» تحت عنوان «Sexual and Cardiovascular Correlates of Male Unfaithfulness» أن الرجال الخائنين أكثر عرضه للموت المفاجئ نتيجة أزمة قلبية، وأرجعوا أسباب هذا إلى الشعور بالذنب المتواصل، والتوتر الناجم عن الخوف من اكتشاف الشريكة خيانته، بجانب المجهود الجنسي المبذول لإرضاء امرأتين جنسيًا، خاصة وأن الرجال الكبار في السن عادة ما ينخرطون في خيانة مع نساء أصغر منهم سنًا.

الحياة المزدوجة.. والتوتر العصبي

يخبرنا علم النفس أن الخائن الذي يدخل علاقة عابرة للمرة الأولى في حياته، بجانب زيجته، قد يشعر في بداية العلاقة بالإثارة، فتبث في روحه الشغف وتقتل الملل الذي تراكم على مر سنوات الزيجة الطويلة، لكن سرعان ما تثقل كاهله الحياة المزدوجة.

ويصبح مقسومًا بين متطلبات العلاقتين، بدلًا من الاستمتاع بمتعتهما، فكل شريك له في هذه العلاقة المزدوجة يغار من غريمه، ويريد أن يحصل على أكبر قدر من المشاعر والاهتمام من الشخص الخائن، ومع الوقت تتحول العلاقة إلى عبء على الخائن وليس متعة، وهذا العبء يصيبه بالتوتر والعصبية وعدم القدرة على التركيز.

وبطبيعة الحال، فإن العيش في حياة مزدوجة يضع ضغوطًا شديدة ليس فقط على أنفسهم ولكن على زواجهم أيضًا، فقد لا يكون لدى الشريك الضحية معلومات عن الخيانة، لكن عادة ما يستطيع الإنسان استشعار أن شريكه في علاقة أخرى، خاصة إن لم يكن الخائن خبيرًا في إخفاء آثار تلك العلاقة على تصرفاته.

في مقالة بعنوان «When living a double life takes a mental health toll» على موقع «ذا ستار»؛ تؤكد يسرا أحمد الطبيبة النفسية في شبكة الصحة الجامعية وأستاذة علم النفس في جامعة تورنتو، أن الشخص الذي يعيش حياة مزدوجة، يعاني من عدم القدرة على أن يكون صادقًا مع الآخرين، وبالتالي يفقد القدرة -مع الوقت- على أن يكون صادقًا مع نفسه، وهذا الشعور المكبوت قد يظهر في اضطرابات نفسية متعددة مثل الاكتئاب، ونوبات الهلع، واضطرابات الأكل، وإيذاء النفس، والأهم من ذلك -تؤكد يسرا- أن هذا الشخص يفقد الشعور بالأمان ويواجه تحديًا حقيقيًا فيما يتعلق باحترامه لنفسه.

الخائن لا يثق في أحد ويظن أنه ضحية

«آخر شخص كنت أتخيل أن يخون هو أنا؛ فكيف أثق في أي شخص آخر بعد أن تعديت هذا الخط»؛ هكذا تخبر مروة -اسم مستعار- «ساسة بوست»، موضحة أن شعورها بالضعف في تلك اللحظة، ورغبتها المكبوتة في الانتقام من زوجها بسبب مشكلات كبيرة بينهما، جعلتها تتخطى خطًا أحمر لم تتخيل أنها ستقترب منه في يوم الأيام، ولذلك أصبح من الصعب عليها الثقة في زوجها، الذي ترى أنه أضعف منها بالأساس، ولذلك صارت تترقب خيانته لها، ما أغرقها في القلق والشك.

يؤكد أنجان تشاترجي طبيب الأعصاب في جامعة بنسلفانيا في تصريح لجريدة «نيويورك تايمز» أن بعض الأشخاص الذي يقبلون على الخيانة يكون بسبب غضبهم من الطرف الآخر، وفي هذه الحالة يمارس الخائن خيانته على أنه ضحية وأنه يستعيد العدالة، لكن سرعان ما يقع في فخ هذا الشعور الوهمي بالضحية، للدرجة التي تهيئ له أن شريكه قد يخونه في أي لحظة، أو يكرر الخيانة في حالة إن كانت خيانته هي في الأساس انتقامًا من خيانة مر بها، وتنهار الثقة في داخله تجاه نفسه وتجاه شريكه والآخرين بشكل عام.

الخائن قد يكون مريضًا نفسيًا.. أو مدفوعًا بجيناته

المشاعر السلبية التي يتعرض لها الفرد بعد ارتكابه للخيانة، قد تضعه تحت ضغط نفسي كبير، خاصة إن لم يستطع التوقف عن فعل الخيانة في حالة إن كان إقباله عليها خارج إرادته.

في دراسة نفسية أجريت عام 2011 حول مدى العلاقة بين الشعور بالتعب والإرهاق لدى طلاب الجامعات، واللجوء للغش في الامتحانات؛ أظهرت النتائج أن الطلاب الذين يعانون من الإرهاق النفسي والجسدي كانوا أكثرًا استعدادًا لممارسة الغش في الامتحان!

وتوضح لنا نتائج هذه الدراسة أن الشخص الذي يخون في الأساس هو شخص مُتعب ومرهق ولا يشعر بالراحة أو الاستقرار النفسي، ولذلك يلجأ إلى الخيانة أو الغش بدلًا من البحث عن وسيلة آمنة للراحة مع شريكه، وبدلًا من مصارحة الشريك بأن هناك مشكلات في علاقتهما ترهقه، يكون من الأسهل عليه أن يلجأ للخيانة والتي تكون مجرد مسكن مؤقت.

علوم

منذ 8 شهور
ربما لن تصدق.. جيناتك قد تكون مسئولة عن نجاح علاقاتك العاطفية أو فشلها!

وفي دراسة نُشرت عام 2014 في المجلة العلمية «Evolution and Human Behavior»، أكد مؤلفو الدراسة أن أحيانًا اللجوء للخيانة والعلاقات العاطفية السرية يكون أمرًا موجودًا في جينات المرء، وأثبتت الدراسة أن بعض النساء المصابات بطفرات جينية معينة في جين مستقبلات «الفازوبريسين» من المرجح أن يقبلوا على الخيانة، والفازوبريسين – Vasopressinهو هرمون يتم تصنيعه في منطقة ما تحت المهاد ويتم تخزينه في الغدة النخامية الخلفية ويلعب دورًا مهمًا في مستويات التعاطف داخل الإنسان، والتي تلعب بدورها دورًا مهمًا في الترابط الاجتماعي والدوافع الجنسية، ما يشير إلى وجود أسس بيولوجية لهذا السلوك الجنسي المحفوف بالمخاطر.

في النهاية يجب أن نوضح أن هذا التقرير ليس لتقديم مبررات للشخص الخائن، وإنما هو مجرد نافذة نفسية على ما قد يشعر به الخائنون، وقد يكون أداة مساعدة وفعّالة للشريك الذي ينوي مسامحة شريكه وفتح صفحة جديدة معه.

المصادر

تحميل المزيد