يوصف تآكل المرونة النفسية نتيجة للصدمات الكبرى، بأنه أزمة في علاقة الفرد مع العالم بشكل عام. شعور باستنزاف الطاقة العاطفية، وعدم القدرة على العطاء – ولو للنفس – وسحب يد العون التي كانت ممدودة للغير من قبل، وتبدد ملامح الشخصية وسط ضباب الشعور الدائم باليأس.

على الجانب الآخر، وعلى الرغم من التجارب الحياتية المجهدة والقاسية؛ يتمكن العديد من الناس من تحمل الاضطرابات المؤقتة لهذه الأحداث الصادمة، ويتعلمون من نكسات الحياة، بوصفها وسيلة للتعامل بشكل أكثر فعالية في المستقبل، ما يُعرف بـ«المرونة النفسية».

لماذا عليك استعادة مرونتك النفسية؟

لا تأتي الحياة مرفقة بخريطة توضح لك الطريق فتنجو قبل الوقوع في الحفر؛ إذ سيختبر الجميع التقلبات والمنعطفات، بدءًا من التحديات اليومية إلى الأحداث الصادمة، مثل وفاة شخص عزيز، أو حادث يغير الحياة، أو مرض خطير، أو فقر طاحن، أو تنمر، أو علاقة مؤذية.

يؤثر كل تغيير في الأشخاص تأثيرًا مختلفًا، مما يؤدي إلى تدفق فريد من الأفكار والمشاعر القوية وعدم اليقين أحيانًا. يعيد البعض بناء ما فقد من مرونته النفسية وسط ضغوط الحياة، لكن البعض الآخر قد ينسحب من المعركة سريعًا بعد التعرض لتجربة صادمة – أو أكثر – من المحتمل أن تكون مهددة لحياته، ويمكن أن تؤثر في صحته العقلية، وتؤدي إلى حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

من أجل ذلك تُعرِّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس المرونة على أنها «عملية التكيف بشكل جيد في مواجهة الشدائد، أو الصدمات، أو المآسي، أو التهديدات، أو مصادر الإجهاد الطاحنة، ويمكن أن تنطوي أيضًا على نضج عاطفي عميق»؛ ففي حين أن هذه الأحداث السلبية مؤلمة وصعبة، لا يتعين عليها تحطيم حياتك، وهنا، لن تساعدك المرونة النفسية على تجاوز الظروف الصعبة فحسب، بل تمكنك أيضًا من تحسين حياتك على طول الطريق.

هل تعاني من تآكل المرونة النفسية؟ 6 علامات تخبرك

لا يعاني الجميع بشكل متماثل عند ضعف مرونتهم النفسية، لكن يمكن للسمات الشائعة أن تساعدك على تحديد ما إذا كان يجب عليك تعزيز مرونتك أو مساعدة الآخرين للعودة إلى حياتهم الطبيعية:

1- هل أنت سريع الغضب؟

سرعة الغضب والانفعال من السمات الشائعة لضعف المرونة النفسية؛ فتجد نفسك تتشاجر مع أقرانك يوميًّا، وتتورط في خلافات أساسها سوء الفهم والتسرع.

2- هل اعتدت على اعتلال جسدك؟

يعد المرض المستمر أكثر السمات المؤذية لضعف المرونة النفسية؛ لأن جهازنا المناعي يتأثر باكتئابنا، فلا يمكنه مقاومة الفيروسات والبكتيريا التي تستهدف الجسد، كما ثبت مؤخرًا أن التعرض لصدمات عنيفة قد يزيد من احتمالية إصابتنا بأمراض القلب، وسرطان المبيض لدى النساء.

3- هل عزلتك ملاذك أم تخشى الوحدة؟

مع تآكل مرونتنا النفسية قد نلجأ للعزلة نتيجة لليأس من الحياة والعلاقات غير الداعمة والإنجاز في كل الجوانب، أو نزداد اعتمادًا على العائلة بدلًا من بناء شبكة دعم اجتماعي.

4- هل تعاني من التقلبات المزاجية؟

تتأثر هرمونات الجسم بالاكتئاب وفق تقرير منظمة الصحة العالمية؛ما يسبب التقلبات المزاجية غير المبررة، ويصبح من الصعب التحكم في عواطفنا التي تتأرجح بين الحزن الشديد المصحوب بالبكاء على ما اعتدنا عليه سابقًا، أو الإقبال الحماسي على الحياة كأن تخطط لعطلة مع الأصدقاء ثم تغلق هاتفك كي لا تتلقى اتصالاتهم دونما سبب واضح.

5- هل تعاني من مشكلات في النوم؟

قد ينام الشخص الذي تآكلت مرونته النفسية لنحو 12 ساعة، لكن محصلة النوم العميق لا تتجاوز الساعة الواحدة. يعتاد الفرد منا على ذلك، بل يعتاد على الأحلام المزعجة بصفتها جزءًا من روتين حياته، ما يؤثر بالتبعية في الذاكرة.

الأحلام الحية

6- هل تضر بنفسك؟

لا يقتصر إيذاء النفس على الانتحار أو جرح المعصمين، بل يمتد إلى الإسراف في تناول الأطعمة، وتدخين السجائر، وحتى الدخول في علاقات مدمرة، وتراجع الإنتاجية، بسبب الافتقار إلى الأمل والطموح، ويتجلى ذلك في السخرية وعدم الاكتراث بحل المشكلات والتخطيط للمستقبل.

إذن.. كيف تعيد ما تآكل من طاقتك الروحية؟

في حين أن بعض العوامل قد تجعل أفرادًا أكثر مرونة من غيرهم، فإن المرونة ليست بالضرورة سمة شخصية يمتلكها البعض فقط، وإليك خطوات يمكنك التركيز عليها من أجل تعزيز مرونتك النفسية.

1- اصنع لك هدفًا

ربما سمعت كثيرًا عمن فقد حبيبًا من جراء إصابته بالسرطان، ليبدأ حملة تبرعات لمرضى السرطان. هكذا، في مواجهة الأزمة أو المأساة، يمكن أن يلعب خلق هدف مرتبط بالأزمة دورًا مهمًّا في تعافيك. قد يعني هذا أيضًا أن تنخرط في مجتمعك، أو تنمي ارتباطك الروحي بالعائلة أو الشريك، أو تشارك في أنشطة مؤجلة ذات مغزى بالنسبة لك.

2- آمن بقدراتك

يمكن أن تساعدك الثقة في قدرتك على التعامل مع ضغوط الحياة، وإذا كنت فاقدًا لها، ولا يتردد برأسك سوى التعليقات السلبية والهدامة، تدرب على أن تستبدل بها فورًا أخرى إيجابية، مثل: «يمكنني فعل ذلك»، «أنا صديق/ أم/ حبيب رائع»، أو «أنا جيد في عملي»، وهكذا، ذكِّر نفسك دومًا بنقاط قوتك وإنجازاتك لسرعة التعافي في المستقبل.

3- طوِّر شبكة دعم قوية

من المهم أن يكون لديك أشخاص داعمون من حولك، بوصفهم عاملًا وقائيًّا خلال أوقات الأزمات، قد لا يكون من بينهم أحد من العائلة أو الأصدقاء، لكن يجب أن تشعر معهم بالأمان العاطفي، والتفهم، والتعاطف، والهم المشترك في بعض الأحيان؛ ففي حين أن مجرد الحديث عن موقف مع أحدهم لن يخلصك من مشكلاتك، فإنه يسمح لك بمشاركة مشاعرك والحصول على الدعم وتلقي ردود فعل إيجابية والتوصل إلى حلول ممكنة لمشكلاتك.

4- اقبل التغيير

من خلال تعلم التكيف في مختلف الأوضاع، ستكون أكثر استعدادًا للاستجابة عند مواجهة أزمات الحياة. قد تتعجب ممن يبيتون في الصحراء، أو يخوضون المغامرات، فغالبًا ما يستخدم الأشخاص المرنون هذه الأحداث لابتكار حلول للتكيف، في حين أن بعض الناس قد تسحقهم التغييرات الطفيفة المفاجئة.

Embed from Getty Images

5- تفاءل

قد يكون التفاؤل خلال الفترات المظلمة أمرًا صعبًا، لكن تغيير طريقة التفكير، من عقلية الضحية إلى عقلية المسيطر المؤمن بقوته سيغير الكثير. لا يعني التفاؤل تجاهل المشكلة من أجل التركيز على النتائج الإيجابية، لكنه إدراك أن الانتكاسات مؤقتة وأن لدينا المهارات والقدرات اللازمة لمواجهة التحديات، وذلك وفقًا لنظرية التوسيع والبناء لباربرا فريدريكسون.

6- اهتم بنفسك

قد يكون من السهل جدًّا إهمال احتياجاتك الخاصة عند خسارة شخص أو هدف، كفقدان الشهية، وقلة النوم، ورفض تناول الأدوية، وجميعها ردود فعل شائعة في المواقف المتأزمة. بدلًا من ذلك، ركز على بناء عادات صحية – حتى عندما تكون مضطربًا – وخصص وقتًا للأنشطة التي تستمتع بها، ضمن خطة استعدادك لمواجهة مصاعب الحياة.

7- طوِّر مهارات حل المشكلات

إن انتظار حل المشكلة من تلقاء نفسها يطيل من أمد الأزمة، وفي حين أنه قد لا يكون هناك أي حل سريع بسيط، اعمل قائمة سريعة ببعض الطرق المحتملة لحل المشكلة الجديدة، جرب استراتيجيات مختلفة، وركز على تطوير طريقة عقلانية للعمل، وأهداف معقولة من التعامل مع المشكلة.

يمكن أيضًا الرجوع خطوة إلى الوراء لتقييم ما هو أمامك ببساطة، طرح أفكار حول الحلول الممكنة، ثم تقسيمها إلى خطوات يمكن التحكم فيها، ولا تفكر في التحدي كتلة واحدة؛ فقد تراه جبلًا، بدلًا من كومة صخور يمكنك نقلها على مراحل.

8- استمر فيما بدأت

يشتمل تعريف  المركز الوطني للمعلومات التقنية الحيوية (NCBI) للمرونة النفسية على إعادة دمج الذات، ما يتضمن جهدًا واعيًا للمضي قدمًا بطريقة إيجابية متكاملة نتيجة للدروس المستفادة من تجربة سلبية.

تعد فكرة المضي قدمًا عنصرًا مهمًّا في المرونة؛ لأن بعض الأشخاص الأكثر مرونة ربما يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة الشديد كل يوم، لكنهم لا يستسلمون لآثاره السلبية، ولذلك ينطوي الصمود على قرار واعٍ، وهذا القرار هو الاستمرار.

صحة

منذ سنة واحدة
تجعلك شخصًا أفضل.. كيف يمكنك الحصول على «اليقظة الذهنية»؟

المصادر

تحميل المزيد