في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2008، تعالت صيحات المحتجزين في معتقل جوانتانامو هاتفين «أوباما أوباما أوباما»، وكان ذلك تفاعلًا مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز بها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وكان المعتقلون يعرفون بوعود أوباما الانتخابية التي كان من ضمنها إغلاق معتقل جوانتانامو للأبد، ولأوباما تصريح شهير أطلقه في عام 2007 قائلًا: «في حجرات سجن أبو غريب المظلمة وزنازين الاعتقال في جوانتانامو؛ حطمنا أهم قيمنا».

سياسة

منذ 4 سنوات
ما وراء أسوار «سي آي إيه».. شهادات مُعتقلين عرب عن فترات التعذيب في حكم «أوباما»

وفي اليوم الثاني له في البيت الأبيض؛ أصدر باراك أوباما قرارًا بإغلاق معتقل جوانتانامو في غضون سنة؛ ولكن  حتى  هذه اللحظة ما يزال المعتقل قائمًا؛ وذلك بسبب المعارضة في مجلسي الشيوخ والنواب التي كانت دائمًا تعرقل محاولات أوباما لإغلاق المعتقل، ولكن أوباما نجح في تقليص عدد المعتقلين بشكل كبير؛ ففي اليوم الأول لأوباما في البيت الأبيض كان هناك 779 معتقلًا في جوانتانامو، وفي اليوم الأخير أصبح الرقم 55، بينهم 10 فقط حصلوا على أحكام رسمية، وستة أشخاص شاركوا في التدبير لهجوم سبتمبر (أيلول) عام 2001، بحسب الرواية الأمريكية.

كل الذين أطلق سراحهم من جوانتانامو ذهبوا إليه في المقام الأول بدون أدلة حقيقية؛ كان من بين هؤلاء معتقل كويتي يدعى فايز الكندري، ذهب لأفغانستان للمشاركة في تنمية إحدى القرى قبل الغزو الأمريكي وحتى قبل هجمات سبتمبر، ولكن ألقي القبض عليه لأنه عربي، فقط عربي، ورحلوه إلى جوانتانامو عام 2002.

بعد عودته إلى الكويت؛ عمل فايز الكندري على توثيق رحلته في جوانتانامو في سلسلة حلقات، من بينها كانت حلقة بعنوان «التعذيب النفسي»؛ تحدث فيها  الكندري عن تقنيات التعذيب النفسي التي كانت تطبق على المعتقلين في جوانتانامو؛ وذكر أنها لم تكن جسدية؛ بل كانت نفسية، وأنه بخلاف أساليب التعذيب التي كانت تطبق خلال التحقيق مع المعتقلين؛ كل شيء كان مُعدًّا في بيئة المعتقل من مأكل ومشرب ومجلس، وحتى أوراق الحمام؛ كانت معدة لكي تجعل بيئة المعتقل أكثر تعذيبًا للمعتقلين؛ وقد صمم هذه البيئة عالمان من علماء النفس في الولايات المتحدة.

من هما عالما النفس اللذان صمما معتقل جوانتانامو؟ 

في عام 2002، استدعت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) كلًّا من جيمس ميتشل وبروس جيسين، وكلاهما كان يعمل عالمًا نفسيًّا في القوات الجوية الأمريكية؛ وطلبت منهما تصميم برنامج تعذيب جديد لكي يُطبق في المعتقلات الأمريكية التي تقع خارج الأراضي الأمريكية، والتي كان من بينها في ذلك الوقت معتقل المعسكر الأمريكي في مدينة باجرام الأفغانية، ثم في معتقل جزيرة جوانتانامو التي كانت الإدارة الأمريكية تنوي وقتها جعله المعتقل الرئيسي لاحتجاز المتورطين في هجمات سبتمبر.

لماذا جيمس ميتشل وبروس جيسين بالتحديد؟ لماذا لم يقع الاختيار على علماء نفس آخرين؟ يملك ميتشل وجيسين شركة استشارات تحمل اسميهما تقدم خدمات لوزارة الدفاع والأمن القومي، وعرفت تلك الخدمات بأن بعضها كانت برامج ومعسكرات تعذيب نفذتها القوات الأمريكية في الخارج في البقاع التي تقع بعيدًا عن سيطرة القانون الأمريكي، الذي يجرم تطبيق أساليب التعذيب أثناء الاستجواب، سواء مع متهمين يحملون الجنسية الأمريكية أو من جنسيات أخرى.

جيمس ميتشل أحد مؤسسي برنامج جوانتانامو- مصدر الصورة نيويورك تايمز

وكما ذكرنا من قبل أن كلًّا من جيمس ميتشل وبروس جيسين كان يعمل في تدريب عناصر القوات الجوية  الأمريكية؛ إذ يخضعون إلى مجموعة تدريبات بينها برنامج تدريب نفسي شهير يعرف باسم «SERE»، وفيه يتدرب أعضاء القوات الجوية على تكوين ردود أفعال تساعدهم في حالة وقوعهم في الأسر، ومحاولة العدو إخضاعهم إلى التعذيب للحصول على معلومات تخص الجيش أو الحكومة الأمريكية.

بورس جيسين المؤسس الآخر لبرنامج تعذيب جوانتانامو- مصدر الصورة

وفي تدريب القوات الجوية يجري تدريب الضباط والجنود على أربع مجموعات مختلفة من المهارات تساعدهم على: النجاة وعدم التأثر بالتعذيب، التهرب من الأسئلة التي توجه لهم أثناء التحقيق، مقاومة الآثار النفسية الناتجة من تعرضهم للتعذيب الجسدي والنفسي، وأخيرًا التخطيط للهروب من الأسر.

تعرف مهارات برنامج «SERE» بأنها من أهم المهارات التي تصعب مهمة التحقيق مع الأسرى والمتهمين؛ وكانت الخطة في برنامج التعذيب الجديد هي تطبيق أساليب يمكنها تحقيق نتائج فعالة حتى على من حصلوا على تدريب القوات الجوية الأمريكية، وهذا ما يعرف بنظرية الهندسة العكسية، والتي نتج منها برنامج «أساليب الاستجواب المعزز- Enhanced Interrogation Techniques».

ماذا كان يحدث في برنامج الاستجواب المعزز؟

يمكن تقسيم البرنامج إلى قسمين؛ القسم الأول وهو التقنيات والطرق التعذيبية التي كانت تُطبق بطرق مباشرة، وأخرى بطرق غير مباشرة؛ فكانت غير المباشرة مثل احتجاز المعتقلين في أقفاص حديدية ضيقة، وتسليط الضوء القوي عليهم بشكل متواصل لإرهاقهم وحرمانهم من النوم، وتقديم طعام يسبب مشكلات في الجهاز الهضمي، والتلاعب في درجات الحرارة؛ إذ تكون في أوقات منخفضة لدرجة التجمد، وأوقات عالية لدرجة الاحتراق.

أما الطرق المباشرة فكانت تُطبق على المعتقلين مباشرة، وكانت تضمن جميع أنواع الإيذاء النفسي والجسدي، ولكن جرى تصميمها كي لا تترك أي أثر أو علامة بدنية على أجساد المعتقلين مثل أساليب الاستجواب والتعذيب التقليدية؛ ولكن على الرغم من ذلك، كان أثرها النفسي يفوق الأثر الجسدي بكثير.

وتنوعت تلك الأساليب من طريق التطبيق والغرض منها، ولكن كان أشهرها:

1- الإيهام بالغرق

طُبقت تقنية الإيهام بالغرق لأول مرة في العصور الوسطى، تحديدًا خلال محاكم التفتيش الإسبانية والإيطالية، في القرن السادس عشر الميلادي. في هذه التقنية يجري ربط المعتقل في الأرض أو على مقعد، ويغطى وجهه بقطعة قماش، ثم يسكب أحد الأفراد المياه على وجه المعتقل لمدة طويلة حتى يتكون عنده إحساس يساوي الإحساس بالاختناق الناتج من الغرق في الماء.

وقد أشارت التقارير إلى أن عملية الإيهام بالغرق تسببت في حدوث حالات تشنج لا إرادي في الساق والصدر والذراعين؛ فضلًا عن الدوخة والقيء، والشعور بالغثيان الذي تسبب في دخول بعض المعتقلين في حالات من الهلوسة.

 مشهد تمثيلي نظمه متظاهرون لمحاكاة طريقة الإيهام بالغرق

2- الحرمان من النوم

كان من المخطط في البرنامج أن يجري تطبيق الحرمان من النوم بوصفه نوعًا من أنواع التعذيب للضغط على المعتقلين، ولكن كان من المفترض ألا تتعدى مدته 20 ساعة فقط؛ ولكن تشير التقارير التي أعدها مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أنه أحيانًا حُرم بعض المعتقلين لمدة أطول بكثير، وصلت إلى 180 ساعة متواصلة بدون نوم.

وغالبًا ما كان يُطبق ذلك على المعتقلين وإجبارهم على الوقوف في زنازين ضيقة لا يمكن  الاستقرار فيها إلا واقفًا، أو في حالات أخرى كان يربط المعتقل من يده لأعلى وتسكب على وجهه المياه من وقت لآخر حتى يستفيق ولا يتمكن من النوم مطلقًا.

حقوق إنسان

منذ 11 شهر
«نيويورك تايمز»: هكذا ساعد أطباء «سي آي إيه» في تعذيب سجناء جوانتانامو

أحد المحتجزين كان يدعى أرسلان خان، أصيب بالهلوسة بعد 56 ساعة من الحرمان من النوم أثناء الوقوف بعد ذلك. توصلت وكالة المخابرات المركزية إلى استنتاج مفاده أنه لا يبدو أنه شخص متورط في خطط أو أنشطة تهدد أمن وأمان الأفراد أو الممتلكات التي تخص الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد حوالي شهر من الاعتقال والاستجواب، أوصت وكالة المخابرات المركزية بالإفراج عنه في قريته، لكن المحققين نقلوه إلى الجيش الأمريكي، حيث ظل رهن الاحتجاز لمدة أربع سنوات.

3- الإذلال الجنسي

طريقة الإذلال الجنسي جرى تصميمها خصيصًا لإهانة المبادئ المحافظة نحو الجنس، التي تتبناها بعض الثقافات والأديان، والتي من ضمنها الدين الإسلامي الذي يعتنقه أغلب معتقلي جوانتانامو. وعرفت لأول مرة بوصفها طريقة فعالة حين طبقتها الاستخبارات السوفيتية مع المعتقلين.

وكان يجري تطبيقها داخل أروقة جوانتانامو، ثم لاحقًا في سجن أبو غريب في العراق بأشكال مختلفة؛ من بينها أن يقف المعتقل عاريًا أمام مجموعة من المحققات أو الضباط من الجنس الآخر، أو تصوير أعضائه الجنسية الخاصة بشكل مهين، أو تتحرش إحدى المحققات أو الضابطات جنسيًّا بالمعتقل، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى مرحلة الاغتصاب.

المصادر

تحميل المزيد