فاطمة نادي 13
فاطمة نادي 13

1,048

في عصر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والثورة في عالم الإنترنت، بات حب الشهرة يستحوذ على كثير من البشر، والسعي نحو تحقيق أكبر قدر من الشعبية والانتشار، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

فما مفهوم الشهرة من وجهة نظر العلم؟ وما مدى أهميتها للنفس البشرية؟ هل لها أنواع، وأي هذه الأنواع أفضل، وأيها أكثر انتشارًا في ثقافة العالم؟ كيف نسلك النوع الأفضل، ونشجع أطفالنا كذلك على اتخاذه؛ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

الشعبية وتأثيرها من منظور علم النفس

شغلت فكرة الشعبية «القبول الاجتماعي» مساحة كبيرة من تفكير علماء النفس واستقصائهم؛ لِما لها من تأثير راسخ يظهر على الإنسان لبقية حياته، كما يؤمن علماء النفس أن تحقيق الشعور بالانتماء الاجتماعي، يُعد حاجة نفسية أساسية.

تؤثر جودة الشعبية في مرحلة الطفولة على سعادتنا في علاقاتنا المستقبلية، وطريقتنا في أداء العمل، والرواتب التي نتقاضاها، وصولًا إلى صحتنا البدنية. علاوةً على ذلك، ووفقًا لبعض الدراسات، يمكن أن تُغير الشعبية من طريقة تعبير الحمض النووي الخاص بنا.

على الجانب الآخر، يملك الرفض الاجتماعي آثارًا سلبية تتعدى الآلام النفسية، إلى المخاطر العضوية طويلة الأمد، مثل تأثيره السلبي في كيفية تعامل الدماغ مع المعلومات، والطريقة التي تتجاوب بها أجسادنا مع التوتر والإجهاد.

ما أنواع الشعبية؟ وأيها أفضل؟

يذكر الدكتور «ميتش برينشتاين» أحد الباحثين البارزين في علم نفس الشعبية بجامعة نورث كارولينا»، أن الباحثين يُقسمون الشعبية إلى نوعين:

  1. التفضيل الاجتماعي (likability): ويمثل النوع من الشعبية الذي يكتسبه الفرد لما يتميز به من شخصية ساحرة، ودودة، ذات حب للاستطلاع والبحث. ويمكن القول بعبارة أخرى إنه الكاريزما التي تجذب الآخرين إليك، بعيدًا عما تتمتع به من مركز اجتماعي، أو جمال، أو أي من مقاييس التفضيل الأخرى.
  2. السمعة الاجتماعية (status): ويمثل النوع من الشعبية الذي يسعى فيه الفرد لأن يكون معروفًا، ويحظى بإعجاب الجميع، لكن ليس بالضرورة محبوبًا.

تبدأ أهمية نوع «التفضيل الاجتماعي» في الظهور خلال مرحلة الطفولة المبكرة بدءًا من سن ثلاثة أعوام، وتتجلى في السعي نحو مساعدة الآخرين، وخلق حالة من الانسجام، وإبراز شخصية قيادية داعمة، ويُعد النوع الحميد من الشعبية. وعندما يسود هذا النوع على الشخصية؛ فمن الممكن أن تكون له نتائج صحية جسديًا وعقليًا بعيدة المدى.

في حين يظهر نوع «السمعة الاجتماعية» ظهورًا بارزًا في مرحلة المراهقة، التي تحدث فيها تغيرات هرمونية وعصبية كبيرة، وتبدأ خلالها مراكز نظام المكافأة في أدمغتنا في تحفيزنا نحو السعي إلى جذب الأنظار، وطلب الاهتمام.

ويميل الأشخاص الذين يُسيطر عليهم النوع الثاني في مرحلة المراهقة إلى إظهار سلوكيات خطيرة مثل العنف، والكراهية، واليأس، والإدمان، إلى جانب مواجهة صعوبات في علاقاتهم، على الأقل خلال مرحلة البلوغ المبكر، وهنا تكمن خطورة هذا النوع.

هل فيسبوك قادر على منحنا الثقة بالنفس؟ كيف تتأثر شخصياتنا بـ‹‹السوشيال ميديا››

النوع الأكثر انتشارًا في العالم

يرى برينشتاين أن العالم حاليًا، باتت تستحوذ عليه رغبة جامحة في تحقيق النوع الثاني من الشعبية «السمعة الاجتماعية»، وتستمر هذه الرغبة في التزايد مُتخذةً منحنى خطيرًا. ومقارنةً بالعقود القليلة الماضية، أصبحت أهداف حياتنا اليوم تعكس رغبتنا في امتلاك المزيد من الممتلكات، والحصول على المزيد من القوة، والشعور بمكانتنا ونُفُوذِنا، وكوننا مؤثرين وأصحاب سلطة بين مجتمعاتنا. ويتناقض هذا بشكل صارخ مع رغبتنا في تعزيز المجتمع، والتعاون بعضنا مع بعض منذ بضعة عقود.

حتى أطفالنا اليوم، صارت الرسالة التي يتلقونها مفادها أن عدد مُتابعيهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وعدد الإعجابات والمشاركات التي تُحققها منشوراتهم، تُعبر عن شعبيتهم وقبولهم وسط أقرانهم، وهي ما ينبغي عليهم النضال من أجله؛ لتغذية الشعور بالقبول والإنجاز.

لكن من سخرية القدر، أنه كلما سعينا أكثر نحو تحقيق أكبر كَمّ من تلك الإعجابات والمشاركات، التي تجسد السعي نحو النوع الثاني من الشعبية، كلما شعرنا بالعزلة والانفصال بعضنا عن بعض.

أهمية الشعبية للنفس البشرية

لمّا كان الشعور بالرفض الاجتماعي ذا آثار نفسية سلبية؛ إذ يزيد من مخاطر الإصابة بالاكتئاب، والقلق، وتعاطي المخدرات، والاندفاع نحو السلوك الإجرامي، كما يُقلل من احترام الفرد لذاته، ويُفقده الشعور بالاتزان، وجدوى وجوده في الحياة؛ جاءت الحاجة إلى الشعور بالانتماء الاجتماعي حاجة نفسية أساسية.

ومن مظاهر أهمية الشعبية والقبول الاجتماعي للنفس البشرية، أنها تُؤثر على حياة البشر من خلال وجودها أو غيابها، في مختلف مراحل حياتهم؛ إذ تؤثر الشعبية على قدرة الأشخاص على تحقيق النجاح في حياتهم المهنية، بصرف النظر عن ذكائهم أو أخلاقيات العمل الخاصة بهم. أيضًا، تؤثر في قدرتهم على إيجاد علاقات وثيقة، سواء كانت علاقات صداقة أم علاقات رومانسية.

Embed from Getty Images

فضلًا عن ذلك، يؤثر النوع الأول «التفضيل الاجتماعي» من الشعبية في جودة الصحة وطول العمر؛ إذ في عام 2010 نشرت جوليان هولت لينستاد عالمة النفس بجامعة بريغهام يونغ نتائج تحليل شامل، جمع بياناته من 148 دراسة سابقة حول العلاقات الاجتماعية؛ وجد أن الأشخاص الذين امتلكوا شبكات كبيرة من الأصدقاء، كانت فرص بقائهم على قيد الحياة أعلى بنسبة 50% عن غيرهم، بالإضافة إلى أنه من كانت منهم علاقاته الاجتماعية ذات جودة عالية، ارتفع معدل بقائه على قيد الحياة

على الجانب الآخر، أوضحت نتائج جوليان أن كون الفرد غير محبوب، يزيد من فرص الوفاة لديه بدرجة أكبر من مخاطر تأثير السمنة، والخمول البدني، وشرب الكحول، وبدرجة مقاربة لخطورة تأثير التدخين على جودة الصحة وطول العمر.

كيف نسلك النوع الأفضل لنا ولأطفالِنا؟

تظل الحاجة إلى التواصل الاجتماعي غريزة فطرية بداخل كل منا؛ لذلك ينصح برينشتاين أن نسعى جاهدين لنكون أكثر شعبية، لكن لا يعني هذا أن نتصرف مثل بطلات فيلم «Mean Girls» ونضر أنفسنا، ونتخلى عن مبادئنا في الطريق، بل تُحاول أن تكون محبوبًا من خلال اتخاذ سلوك إيجابي، وبناء علاقات إيجابية.

وتُعد مسألة الشعبية أمرًا نسبيًا، وتختلف عواملها من مجتمع لآخر، وتتخذ أشكالًا متعددة في الثقافات المختلفة. على سبيل المثال، يمكن للسلوك العدواني أن يزيد من شعبيتك في الغرب، في حين أن العكس صحيح في مجتمعات جنوب شرق آسيا مثل اليابان والصين.

وفي كل الأحوال، يملك الآباء تأثيرًا هائلًا على مدى شعبية أطفالهم، وفقًا لبرينشتاين الذي ينصح بأنه إذا كنت ترغب في تربية أطفال محبوبين ذوي شعبية، يجب أن تُنشئهم في بيئة نظيفة بقدر الإمكان من أشكال العنف والعدوان، وتستغل وقت اللعب كفرصة لتعليمهم القيم الحميدة، مثل زرع روح المشاركة والتعاون في أنفسهم، والطرق المثلى لحل النزاعات.

وكما أن الحصول على أعداد كبيرة من الإعجابات، والمشاركات، والمتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، يُحفز أجزاء معينة من الدماغ خاصة بنظام المكافأة، فإن أيضًا مساعدة الآخرين والشعور بالارتباط والتواصل معهم على أرض الواقع، يُنشط مراكز الدماغ نفسها.

ونظرًا لكون الحالتين تُثيران الاستجابة نفسها، فمن الأجدر استبدال السلوكيات السلبية في السعي نحو تحقيق «السمعة الاجتماعية»، سواءً على وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، واتخاذ الأشكال السويّة أكثر من أجل تحقيق الشعبية والقبول الاجتماعي، التي يتضمنها النوع الأول، وتوجيه الأطفال نحوها