«تبًّا لأحلام البسطاء»، انتشرت مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعض النكات مثل تلك، غرضها السخرية من وجهة نظر الأغنياء عن أسعار السلع وقيمة الأموال. يعد لقاء رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، من أهم تلك اللقاءات حينما كان يتحدث عن واحدة من ماركات الملابس بوصفها، حسب لغته، ماركة رخيصة الثمن، بينما يعد ارتداؤها حلمًا للكثير من أبناء الطبقة المتوسطة، ثم جاء منشور الممثل المصري محمد رمضان في حمام سباحة منزله مع الأموال المتناثرة في الماء وفي جميع الأرجاء؛ ردًّا على الغرامة التي فرضت عليه في قضية «سيلفي الطيار»؛ ليكون منشورًا صادمًا و«مستفزًّا» للبعض، وكأنه يسخر من الملايين التي فرضت عليه غرامة لتصرفاته.

أحيانًا يشاهد البعض الأغنياء من بعيد، لا يدرك ما الذي يدور في نفوسهم حقًّا، وما مشاعرهم تجاه الآخرين وتجاه الموجودات في الحياة، التي يستطيعون أن يمتلكوا أيًّا منها في أي وقت.

في هذا التقرير نحن لا نحاول الإجابة عن سؤال «هل المال يحقق السعادة أم لا؟»، بل نحاول من خلال التحليلات النفسية فهم ما يدور في نفوس الأغنياء وكيف يفكرون في أصدقائهم وفي المجتمع ككل، وإلى أي مدى تساهم ثروتهم في تشكيل شخصيتهم.

هل المال يغير كل شيء؟.. الحياة الاجتماعية للأغنياء

«الفلوس غيرتك»؛ هي جملة شهيرة نقولها مازحين مع الشخص الذي يصبح غنيًّا بعد فترة طويلة من الفقر، ولكن هل هذه الكلمة تعد حقيقة؟ هل يمكن لطريقة تفكير الشخص وتفضيلاته النفسية والاجتماعية أن تتغير بسبب امتلاكه وفرة من المال؟

في دراسة أمريكية نشرت في عام 2016 عن جامعة مينيسوتا أكد الباحثون النفسيون والاجتماعيون القائمون على الدراسة أن امتلاك الأقل أو المزيد من المال يمكنه أن يغير شكل علاقة الفرد جذريًّا بالآخرين، ويؤثر في عدد المرات التي يرغب فيها بالتواصل مع دائرته الاجتماعية، وأيضًا؛ تؤثر بوضوح في نوعية الأفراد الذين يختار أن يدخلهم في حياته، أو يقطع علاقته بهم.

وأظهرت تلك الدراسة أن الشخص الذي يبدأ في كسب المزيد من المال؛ عادةً ما يجنح إلى قضاء وقت أقل في التواصل مع الآخرين، وقد يفضل قضاء الوقت بمفرده بعيدًا عن التجمعات، حتى لو لم يكن العمل يأخذ كل وقته، وإذا احتاج هذا التواصل نفسيًّا؛ يفضل الأصدقاء الذين انتقاهم بدلًا من قضاء الوقت مع أفراد الأسرة الصغيرة، أو حتى الأقارب من العائلة.

وقد يعود هذا – وفقًا للدراسة – إلى أن التفكير في كيفية الحصول على المال، أو امتلاكه بالفعل؛ يزيد بداخل الشخص الاعتماد على الذات وتضعف قوة ملاحظته للآخرين من حوله أو الاستجابة لانفعالاتهم، ومن ثم تتركز حماسته تجاه العمل، بينما تقل الحماسة والشغف تجاه التواصل الاجتماعي، وجاء هذا ليؤكد دراسة نفسية أخرى نُشرت في عام 2011 توضح أن «الأثرياء يميلون إلى الانسحاب من العلاقات الاجتماعية».

ليس شرًّا.. ولكن 

في كتابه «Change Your Habits, Change Your Life»؛ درس وراقب عن قرب الباحث الاقتصادي توم كرولي ما يقرب من 200 مليونير عصامي، في محاولة لفهم ودراسة شكل الحياة الاجتماعية التي اختاروها في طريق صناعة الثروة والحفاظ عليها، وما وضحه كرولي في هذا الكتاب البحثي أن الإنسان في الطبيعي يميل عادة لاختيار دائرة أصدقائه ومعارفه دون وعي منه.

وينتهي به الأمر بوجوده في مجموعات تتشابه معه في الكثير من السمات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، بينما وجد أن الأثرياء لديهم قدرة على التحرر من الميل البشري لإقامة علاقات مع الآخرين دون وعي، ومن خلال مراقبة هؤلاء الأثرياء ومعرفة تاريخهم قبل أن يصبحوا أثرياء على مدار خمس سنوات؛ شرح الكتاب أنهم بذلوا مجهودًا مقصودًا ومخططًا له في رحلة سعيهم للمال لأن يكونوا على قرب وعلاقة وطيدة مع الأشخاص الأثرياء والناجحين.

ما يحدث مع معظم الأثرياء؛ أن شراءهم أشياءً بتلك الأموال الطائلة يكون من شأنها عزلهم عن المجتمع، مثل القصور أو التجمعات السكنية المنعزلة، والسيارات الفارهة، ومع الوقت ودون وعي من الشخص الثري تتأثر نفسيته بسبب هذه العزلة عن المجتمع، لدرجة تجعلهم أقل قدرة على قراءة المشاعر على وجوه البشر وتفسيرها، وبالتالي يصعب عليهم تكوين مشاعر وميول تعاطفية مع الآخرين، ليس لأنهم «أشرار»؛ ولكنهم فعليًّا ليس لديهم القدرة على إدراك مشاعر الآخرين بعواطفهم، بالطبع هناك الأثرياء الذين يكونون على دراية كافية بتلك التأثيرات النفسية الناتجة من تكوين الثروة ويحاولون أن يتمسكوا بعلاقاتهم الاجتماعية قدر الإمكان، ولكن هذه الحالة ليست القاعدة العامة.

الحب في حياة الأغنياء

هل ما تحمله في محفظتك؛ له دور في تشكيل النهج الفكري والنفسي الذي تتعامل به مع شريك حياتك؟ في دراسة نفسية نُشرت بنهاية العام 2017، وضحت أن الأشخاص الأثرياء، رغم الذكاء الذي يتمتعون به في إدارة أعمالهم، فقد يعاني بعضهم من «مستويات أدنى من التفكير الحكيم» فيما يخص العلاقات العاطفية، وذلك لأن إنجازاتهم المهنية تمنحهم الثقة في طريقة تفكيرهم، وبالتالي يتخلون عما يطلق عليه علم النفس «التواضع الفكري»، والذي يسمح لمن يتمتع به بإدراك الخطأ.

وذكر في الدراسة أنه «قد يتوفر للأثرياء القدرة على إدارة أعمالهم وثروتهم بعقلانية وقرارات حكيمة وسليمة، بينما يعجزون عن إصدار الأحكام السليمة فيما يخص النزاعات الشخصية»؛ والذي بدوره يؤثر في المشكلات التي تواجههم في علاقاتهم العاطفية؛ ويشعرون بأنهم دائمًا على حق، وأن الطرف الثاني – خاصة وإن لم يكن بالثراء نفسه والنجاح – أقل ذكاءً منه، وبالتالي أحكامه على الأمور وما يشعر به تمثل أشياء قليلة القيمة في نظره.

تلك الصعوبة في استيعاب حجم ما يعاني منه الطرف الآخر، تزيد من الصراعات بين الشريكين، وقد تصل تلك الصراعات إلى حد الانفصال، وهو ما أكدته دراسة نُشرت بالعام 2015، تؤكد أن الثراء الفاحش من شأنه تعزيز فرص الطلاق بين شركاء الحياة، خاصة إن كان الذي يمتلك الأموال طرفًا واحدًا فقط في العلاقة.

هل من شأن الثراء تحقيق السعادة الجنسية؟

«إن ممارسة الجنس مرات أكثر يجعلنا سعداء، لكن التفكير في أننا نمارس الجنس أكثر من الآخرين يجعلنا أكثر سعادة»؛ كان هذا تصريحًا لأحد الأثرياء في واحدة من الدراسات التي أجريت حول علاقة امتلاك ثروة كبيرة بالسعادة الجنسية، ووضحت تلك الدراسة التي نشرت في العام 2009 أن ما يزيد على 90% من الأثرياء المشاركين في الدراسة البحثية، يعيشون حياة جنسية سعيدة، خاصة النساء منهم.

وشرحت الدراسة أن هذا يعود لسببين: الأول هو شعورهم الزائد بالثقة بالنفس نتيجة النجاح المادي والعملي الذي وصلوا إليه، وبالتالي يجدون الجرأة والشجاعة الكافية لتقبل أنفسهم وممارسة الجنس واستكشافه على أرض الواقع؛ إذ تمنحهم الثقة الكافية التي تعزز القدر المطلوب من التخلي عن التوتر والقلق أثناء ممارسة الجنس، وشعور المرأة بالثراء والنجاح العملي يمحنها الشعور بالاستحقاق الجنسي بحسب الدراسة.

السبب الثاني يعود إلى عدد ساعات العمل الطويلة، والضغوط الذهنية التي يتعرض لها الشخص الثري الذي يدير أعماله، خاصة وإن كانت متشعبة، فيشعر وقت راحته بأنه يستحق الكثير من المتع الحسية مثل ممارسة الجنس كما يريده بالضبط، ووفقًا لأهوائه وتفضيلاته؛ مكافأةً له على مجهود اليوم.

بينما في المقابل وجدت تلك الدراسة أن معظم الأشخاص الذين لا يمتلكون القدر الكاف من المال، يجدون صعوبة في تكوين حياة جنسية سعيدة، نتيجة الإحباطات والشعور بالعجز، وعدم الشعور بالاستحقاق.

كما ذكرنا في البداية، هذا التقرير ليس للإجابة عن قدرة المال على تحقيق السعادة، ولذلك كل ما ذكر سابقًا عن قدرة الأثرياء على الاختيار الواعي لدوائرهم الاجتماعية، أو الثقة بالنفس وبالقرارات التي يتخذونها في حياتهم العاطفية، أو ممارسة الجنس بكثرة؛ ليس بالضرورة أن تكون نتيجته النهائية السعادة، فقد تكون تلك الدائرة الاجتماعية متكونة من أشخاص لا يشعرونهم بالراحة أو السعادة، ولكنهم يحققون لهم النجاح المادي، وقد تكون تلك الثقة بالنفس هي السبب الأول في شعورهم بالوحدة العاطفية، وقد تكون بعض العلاقات الجنسية خاليًا من العاطفة أو الشعور بالتواصل النفسي مع الطرف الآخر على الرغم مما تحققه من متعة جسدية، وقد كان هذا التقرير مجرد نظرة سريعة عما يدور في نفوس قطاع من الأثرياء لفهمهم.

اقتصاد الناس

منذ 9 شهور
3 منتجات يقتنيها الأغنياء ويصنعها الفقراء بمقابل زهيد

المصادر

تحميل المزيد