تجد صعوبة في النوم، ولكن الأصعب هو إيجاد هدف للاستيقاظ بعد ليلة حافلة من الأرق والأفكار السلبية، تلك الأفكار التي جعلت جسدك عبارة عن جوال كبير من الرمل لا تستطيع أعصابك أو عضلاتك رفعه من على الفراش لمواصلة حياتك الطبيعية. الطعام، لم يعد ممتعًا كما كان، ولم تعد صحبة الأصدقاء تبث فيك نفس البهجة كما سبق، كل شيء فقد معناه وطعمه ومتعته، وأنت لا تفكر في الانتحار أو إنهاء حياتك، ولكن في الوقت نفسه، يبدو لك الموت هو الراحة الوحيدة من المعاناة التي تعيشها، والتي لا تشعر أن هناك مقابلًا لها.

الانتحار النفسي هو حالة نفسية موثقة علميًا، يلجأ إليها البعض دون وعي منهم عندما يرفضون الحياة ولا يجدون الجرأة على تنفيذ الانتحار، وينسحبون من الحياة ومتعها ويضعون أجسادهم تحت ضغط نفسي كفيل أن يقوم بالمهمة بنفسه دون اللجوء للانتحار عمليًا على أرض الواقع، فما هي ظاهرة الانتحار النفسي؟ وكيف تعلم إذا كنت تعاني منها أنت أو أحد المقربين لك؟

فعل التخلي عن الحياة

في دراسة نفسية وعصبية نُشرت بالعام 2018 تحت عنوان: «الاستسلام وتأثيراته العصبية في الحالات القصوى»؛ وضحت أن هناك حالة نفسية تصيب الإنسان قد تسبب تغيرات عصبية في المخ من شأنها إحداث وفاة وأطلقت الدراسة على هذه الحالة اسم «give-up-itis» أو الاستسلام للأمر الواقع.

ويصف هذا المصطلح الأشخاص الذين يستجيبون للإجهاد المؤلم والمبالغ فيه من خلال تطوير حالة شديدة من اللامبالاة، والتخلي التام عن الأمل، والتخلي عن إدارة الحياة دون ظهور أي أسباب عضوية في البداية لتلك الحالة، ما يؤكد أن السبب الرئيسي لهذه الحالة هو الأسباب النفسية وليس خللًا عقليًا وهرمونيًا، ولكن في المقابل يكون لهذه الحالة النفسية فيما بعد تأثيرات عصبية واضحة على خلايا المخ كما أكدت الدراسة.

ما أراد توضيحه القائمون على هذه الدراسة أن الإنسان قد يتعرض لنوعين من الموت، أولهما هو الموت النفسي قبل الموت الجسدي، وتحدث عندما يكون الجسد يقوم بجميع وظائفه الحيوية، ولكن نفسيًا يعد الإنسان في عداد الموتى دون ظهور عرض جسدي واضح، وعادة ما يصاب بهذه الحالة الذين يتعرضون لصدمة شديدة ومفاجأة.

تلك الحالة النفسية مع الوقت تتسبب في أعراض جسدية مثل انخفاض مستوى الدوبامين في المخ، والذي بدوره يؤدي إلى الخلل الوظيفي الذي يحدث في وظائف المخ، ويؤدي إلى وفاة الشخص وفاة عضوية إذا لم يُعالج من تلك الحالة النفسية، ونفت الدراسة وجود أي علاقة بين تلك الحالة بالأفكار الانتحارية أو الانتحار أو حتى الاكتئاب، ولكن الدراسة وصفته بأنه «فعل التخلي عن الحياة».

عندما ينهزم العقل 

تلك الدراسة سلطت الضوء على مصطلح الانتحار النفسي في عام 2018، إلا أنه ظهر للمرة الأولى أثناء الحرب الكورية، عندما اكتشف الباحثون آثاره على مجموعة من أسرى الحرب، الذين أصيبوا بصدمة قوية دفعتهم إلى حالة من اللامبالاة وفقدان الأمل والتخلي عن إرادة الحياة، ووصفت الأعراض التي ظهرت على الأسرى في هذا الوقت (1950-1953)؛ بالخمول، والنظرات الخالية من الحياة وعدم القدرة على الحركة، وعدم الاهتمام بالاحتياجات الشخصية، فقد كان بعض الأسرى يقضون حاجتهم دون أن يتحركوا من مكانهم ولا يمانعون أن يرقدوا على فضلاتهم، ما وصفه الأطباء النفسيون بأنه انفصال شديد عن الواقع.

الضباط والأطباء الناجون من تلك الحرب، أثبتوا أن بعض الأسرى الذي لقوا حتفهم، لم يتعرضوا لأي سبب عضوي يؤدي إلى تلك الوفاة، وما عانوا منه هو الأعراض السابق ذكرها، ولذلك ظهر مصطلح «الاستسلام» أو «الموت النفسي» أو «الانسحاب القاتل» للمرة الأولى خلال تلك الحرب، تلك الحالة التي يصفها علماء النفس حتى الآن بأنها ما يتعرض له الإنسان «عندما ينهزم العقل» أمام صعاب الحياة.

مرة أخرى رصد هذا المرض النفسي بوضوح خلال الفترة ما بين 1964 و1973 بمعسكرات الجنود الأمريكان في فيتنام، وجاء في التقارير عن أحد الجنود الذين لقوا حتفهم نتيجة هذا المرض النفسي أنه «انفصل عن الواقع، وكانت عيناه خالية من الحياة، وظل يدور بلا هدى حول المعسكر، حتى استلقى على الأرض في لحظة ومات دون أي سبب عضوي»، ونفس الأعراض ظهرت على بعض المحتجزين في المعسكرات النازية حين وصفت وفاتهم بالتالي: «استلقوا في استسلام على ظهورهم حتى الموت».

يمكن السيطرة على المرحلة الأولى.. المراحل الخمس للموت النفسي

تلك الظاهرة النفسية التي كان بداية ظهورها ورصدها في الحروب وبين الجنود والأسرى، لم تعد حكرًا على تلك الأوضاع الصعبة، ولكن الدراسة التي نشرت في عام 2018 أكدت أن هذه الحالة قد تصيب المواطنين العاديين في العصر الحديث، سواء نتيجة انتشار الأمراض النفسية بنسب كبيرة في أنحاء العالم، أو بسبب صدمة شديدة يتعرض لها الفرد، ولكن ما أكده علم النفس أن تلك الحالة النفسية لا تحدث للإنسان على مرحلة واحدة، بل لها خمس مراحل، ويمكن السيطرة على الأمر في مراحله الأولى، فهل تعرف أحدًا يمر بهذه الأعراض؟

المرحلة الأولى تتمثل في الانسحاب الاجتماعي، وفي هذه المرحلة يتجنب الشخص أي تواصل اجتماعي، وقد يظهر بعض علامات التبلد وعدم الإحساس بالآخرين والأنانية، بينما هذا الشعور بالانسحاب لا يكون سببه الحقيقي الأنانية، بل الرغبة في التخلص من مسؤولياته النفسية تجاه المجتمع لما يشعر به من أعباء عاطفية وتكون المرحلة بمثابة موت اجتماعي للمصاب بالمرض؛ تمهيدًا للمرحلة الثانية وهي الموت الانفعالي أو العاطفي حين يصاب الفرد بحالة من عدم الاهتمام والفتور، حتى المشاعر السلبية المعتادة مثل الغضب أو الحزن لا تزوره، ويبدأ في إهمال مظهره ونظافته الشخصية.

ويوضح علم النفس أن المشاعر السلبية مثل الحزن والغضب أو حتى الاكتئاب قد تكون محفزًا لنا لتغيير الأوضاع التي تسببت لنا في تلك المشاعر السلبية، ولكن حالة الاستسلام التي تصاحب مرحلة الموت الانفعالي هي أخطر بكثير وتأخذنا للمرحلة الثالثة.

فنون

منذ 4 سنوات
«ألقُ الانتحار».. لماذا ينتحرُ الأدباء؟

مرحلة فقدان الحافز نتيجة حالة الاستسلام السابق ذكرها هي المرحلة الثالثة، وفيها يبدأ هذا الشخص في رفض كل الأشياء التي كان يحبها من قبل، سواء في الطعام أو النشاطات اليومية، ويوضح علم النفس أن في هذه المرحلة يصاب فيها الفرد بحالة من فقدان الغرائز الأساسية للإنسان، والتي تكون الدافع الأول للبقاء على قيد الحياة، وفي بعض الحالات قد يتحول صاحب المرض النفسي لبعض التصرفات العدوانية تجاه الآخرين الذين يحاولون مساعدته.

في المرحلة الرابعة – مرحلة الخمول – تبدأ الأعراض الجسدية في الإعلان عن نفسها، إذ يفقد المصاب بالمرض القدرة على الحركة وكأنه يفقد قواه العضلية دون أي سبب عضوي، في تلك المرحلة يكون جسده في حالة من الخدر التي تمنعه من الشعور ببعض الآلام الجسدية، وتعد أغنية الفرقة الإنجليزية بينك فلويد «الخدر المريح» هي أفضل تشبيه لتلك الحالة، والتي تظهر خلالها النظرات الخالية من الحياة التي وصف بها أسرى الحرب الكورية.

المرحلة الخامسة والأخيرة هي مرحلة الموت النفسي، وتلك هي اللحظة التي يتخلى فيها الشخص عن الحياة نفسيًا وجسديًا، ويهجر كل شيء ويستلقي في فراشه في انتظار الموت، وإذا كانت حالته متطورة قد يلقى حتفه سريعًا، أما إذا كانت الحالة في بدايتها فقط يموت بالبطيء نتيجة إهماله التغذية والنظافة.

والحل؟

ينصح الطب النفسي بعدم التعامل مع المصابين بتلك الحالة النفسية باستهانة، وإدراك أن الأمر خارج عن إرادتهم وليس بيدهم التحكم فيه، فهذا النوع من الاستسلام النفسي يمنع المخ من إفراز هرمون الدوبامين وهو من أهم المحفزات الجسدية للإقبال على الحياة، ويفرزه المخ عندما يشعر الإنسان بالمتعة، ولكن المصابين بتلك الحالة يعانون من فقر شديد في إفراز هذا الهرمون والذي بدوره يدفعهم إلى التخلي عن الحياة.

يؤكد الأطباء النفسيون أن الإجبار وإلقاء اللوم على المصاب بهذه الحالة لا يكون له ردود فعل إيجابية من جانبه بل بالعكس، قد يدفعه هذا اللوم إلى الانتقال لمراحل أكثر تطورًا، ولذلك يفضل اللجوء لطبيب متخصص في حالة رصد المراحل الأولى من المرض، لأنه يمكن علاجه بالعقاقير الطبية التي تساعد جسد المصاب على إفراز الهرمونات التي تحفزه على العودة للحياة مرة أخرى.

تلك الحالة النفسية خطيرة، وأي حلول من جانب المريض أو أقاربه وأصدقائه للتخفيف عنه مثل السفر أو الاحتفالات لا تكون سوى حلول مؤقتة، فهو شخص يحتاج إلى الملاحظة والعلاج النفسي والجسدي، وما أكدته إحصاءات علم النفس الحديث أن هذا المرض يزداد خطورة نظرًا لانتشاره بين الشباب والأطفال وليس كبار السن فقط، وبعيدًا عن الإحصاءات يمكن لأي شخص منا، ومن خلال دوائر معارفه الصغيرة؛ أن يتذكر قصة شاب توفي أثناء نومه دون أن يكون مصابًا بأمراض جسدية تسبق هذا الموت المفاجئ، والذي يمكن تصنيفه تحت بند الموت النفسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد