ما هي الحرب النفسية؟

تعد الحرب المباشرة في ساحات القتال بين جيوش البلدان أعرق أشكال الحروب التي عرفتها البشرية، إلا أنه ليس الشكل الوحيد الذي أصبح يزاحم الحروب التقليدية في قدرة تأثيرها؛ فهناك الحرب الاقتصادية التي تهدف إلى إضعاف اقتصاد الخصم، والحرب السياسية التي يسعى فيها كل طرف إلى تحقيق مكتسبات عن طريق الدبلوماسية والمفاوضات، والحرب الإعلامية التي تعتمد على إقناع الرأي العام الدولي بعدالة قضية معينة، وأيضا هناك الحرب النفسية، وقد تتضافر جميعها في وقت واحد.

ويقصد بالحرب النفسية مختلف العمليات غير العسكرية التي تشنها دولة ما أو تنظيم معين ضد العدو المفترض، بهدف التأثير في روحه المعنوية وإضعاف جبهته الداخلية، وذلك عبر أساليب معينة، وقد لا تقتصر هذه النوعية من الحروب على أوقات الصراع المسلح أو الطوارئ.

عرفت المعارك بين الجيوش منذ التاريخ البعيد نوعًا من الحروب النفسية، لكنها كانت ذات طبيعة بسيطة في أساليبها وأهدافها، وكان من السهل مقاومتها. لكن خلال الحربين العالميتين وفترة الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفييتي، تطورت الحروب النفسية بشكل جذري وأصبحت تعتمد على الأبحاث النفسية والاجتماعية والفسيولوجية، قصد استخدام معلومات تلك الدراسات من أجل التأثير في العقل الجمعي للخصم وتحطيم جبهته الداخلية.

إلى ماذا تهدف الحروب النفسية؟

الحرب النفسية أو حرب الأعصاب أضحت بالغة التأثير أثناء الحروب، حيث تعتمد الأدوات المختلفة بطريقة مدروسة من أجل الوصول إلى الغايات المراد تحقيقها، وهي تهدف إلى:

  • زرع الشك في أفكار الخصم ومعتقداته واتجاهاته، وخلق نسق فكري جديد يقلل من عدائيته وبالتالي تجنب المواجهة.
  • بث الفوضى والفرقة بين النسيج الاجتماعي والسياسي للعدو، ما يؤدي إلى كسر الجبهة الداخلية، الذي يؤدي بدوره إلى تراجع قدرات المواجهة لديه.
  • قهر الروح المعنوية لدى جيش العدو، وإثارة غريزة الخوف لديه، مما يقلل من قدرته على المقاومة.
  • تأليب القاعدة الاجتماعية للعدو ضد النظام السياسي لديه، ومحاولة تطبيع العلاقة بينه وبين بعض أجزاء مجتمع العدو، ما سيسهل مأمورية القضاء عليه.
  • تهدف أيضًا عمليات الحرب النفسية إلى تقوية الجبهة الداخلية ورفع الروح المعنوية للجيوش، وفي نفس الوقت مقاومة عمليات العدو الذي يسعى لاختراق الجبهة المعنوية.

وتسعى في نهاية المطاف الأطراف المتصارعة خلال خوضها حروبًا نفسية بجانب معاركها المسلحة؛ إلى الانتصار على الخصم عبر إنهاك روحه المعنوية وإضعاف الجبهة الداخلية، ما سيسهل هزيمته.

ما الأساليب التي تعتمدها الحرب النفسية؟

كما أسلفنا الذكر، صارت الحروب النفسية اليوم تعتمد على المعلومات، ومن يملك الأخيرة ويحسن استخدامها بشكل جيد تكون له فرص أفضل من الآخر للفوز، إذ لم يعد التأثير في الخصم شأنًا ارتجاليًّا، بل أصبح يخضع لدراسات تبحث في الدوافع النفسية وطريقة تكون الاتجاهات وطبيعة الثقافات المختلفة، بالإضافة إلى عادات وتقاليد المجتمعات وطريقة تفكيرها، وغيرها من المواضيع التي تشتغل عليها الأبحاث المعدة خصيصًا لاستغلال نتائجها في الحروب النفسية.


وتتعدد أساليب الحرب النفسية حسب قدرات وموارد وكفاءات كل دولة، نذكر فقط أبرزها:

  • الإشاعة: أحد أكثر الأساليب شيوعًا، وهي تمرير قصة معينة أو خبر ما لتتناقله الألسن ويشيع بين أفراد المجتمع ككرة ثلج متدحرجة، وإن كان يفتقد لمصادر أصلية معروفة، بحيث يكون محتوى هذا الخبر قابلًا لإثارة الاهتمام مع توفير الظروف الملائمة له للانتشار، بهدف زرع الشك والريبة بين مجتمع العدو وإثارة ردود فعل ليست في صالحه.

  • الدعاية: تتم عبر توظيف ماكينات الإعلام بمختلف أنواعها بشكل منظم ومكثف من أجل خلق صورة ذهنية معينة تجاه قضية ما في عقول الجمهور، إنها أشبه بمعركة كسب الشرعية لدى الرأي العام الإقليمي والدولي، وتعتمد على إقناع الجمهور والتأثير في إدراكه.

  • غسيل المخ: تستخدم عادة التقنية ضد أسرى العدو، وهي عملية إعادة البناء الفكري للإنسان من خلال تغيير شخصيته ومعتقداته وتوجهاته عن طريق أساليب فسيولوجية ونفسية، إنها عملية للسيطرة على العقل البشري وتشكيله من جديد وفق غايات مرسومة، استخدمت التقنية بكثرة خلال الحربين العالميتين.

كيف يمكن التصدي للحرب النفسية؟

يمكن أحيانا التصدي لعمليات الحرب النفسية التي يشنها الخصم بسهولة من خلال إجراءات تقليدية، لكن إذا ما كانت هذه العمليات على قدر عال من الكفاءة، حيث تكون الأساليب المستخدمة في غاية التعقيد والتمويه، فستكون مقاومتها في غاية الصعوبة، وتتطلب كفاءات دفاعية تضاهي العمليات الهجومية التي يشنها العدو لاختراق الصفوف المعنوية.

تعزيز الجبهة الداخلية ركيزة مهمة لمنع أي اختراق معنوي من قبل العدو المفترض، وذلك عن طريق إثارة مشاعر الوحدة وتجنب الانقسام بين طوائف النسيج الاجتماعي والسياسي، فالجيوش العسكرية لا تستطيع الانتصار وحدها إن لم تكن تملك جبهة داخلية قوية، قادرة على مساندة قواتها وكوادرها وبث الثقة فيهم، وذلك لن يتم إلا بعقد علاقة صريحة مع القاعدة الاجتماعية.

بناء عقيدة قتالية سليمة لدى الجيش أيضًا، لذلك مفعول قوي ضد تسلل رسائل الخصم إلى نفوس الجنود؛ فكلما كانت العقيدة القتالية تختزن داخلها دوافعَ شرعية قوية للمواجهة، كلما كان أفراد الجيش أكثر استعدادًا لمجابهة أي خطر خارجي.


الدعاية المضادة كذلك ضد العدو مناعة ضد عملياته المعنوية الهجومية، فأفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، ما يحتم امتلاك معلومات جيدة حول مجتمع الخصم وثقافته وطبيعة تفكير أفراده، قصد ترجمتها إلى إجراءات تدخل ضمن حدود الحرب النفسية.

أمثلة عن الحروب النفسية

خسرت الكثير من الجيوش معاركها بسبب الحرب النفسية التي شُنَّت ضدها، بل إن بعضها انتكست روحه المعنوية قبل المواجهة بسبب دعاية بسيطة. هذه بعض الحروب النفسية الشهيرة:

خلال فترة الحرب العالمية الثانية، كانت الحرب النفسية على أشدها بين دول المحور بقيادة ألمانيا والحلفاء بزعامة بريطانيا، حيث كانت الإذاعة والمنشورات والخطابات الجماهيرية هي ساحة القتال الثانية، كان كلا الجانبين يحاول نشر الذعر في صفوف الآخر وفي نفس الوقت استثارة المشاعر القومية ضد العدو، حتى أن الرئيس روزفلت أنشأ في 13 من يونيو 1942 إدارة معلومات الحرب خصيصًا لخوض الحرب النفسية ضد النازية.

لم يعرف التاريخ البشري حربًا نفسية أشد ضراوة من تلك التي عرفها خلال الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي الأمريكي والمعسكر الشيوعي السوفياتي، شن الطرفان ضد بعضهما البعض عمليات مكثفة ومنظمة، شملت هذه الحرب الدعاية الإعلامية وحشد الأبحاث وإبداع المواد الفنية والأدبية، ناهيك عن عمليات الاستخبارات، وكل ذلك من أجل دحض مشروع الطرف الآخر وإثبات عدم جدواه لبقية العالم.

في العام الماضي استطاع داعش السيطرة على الرمادي ببضعة مئات من المسلحين في الوقت الذي كان فيه الجيش العراقي يقدر بالآلاف ومجهزًا بمعدات وأسلحة ثقيلة، استولى عليها التنظيم الجهادي بعدها. وقد تكررت الحادثة في الموصل بطريقة مشابهة إلى حد بعيد، ورغم أن سبب هذا الأمر لا يزال غير واضحٍ حتى الآن، إلا أنه من أسباب انهيار جنود الجيش العراقي وفرارهم عن المدينتين، كان إحساسهم بالذعر أمام مقاتلي داعش الذين يروجون لعمليات القتل المروعة التي يقومون بها ضد أعدائهم، الأمر الذي زرع في نفوس الكتائب العراقية الخوف والذعر، وإن كانت لدى التنظيم المتطرف خبرة مرتجلة عن الدعاية.

يتنبأ المراقبون بأن الحروب العسكرية ستتضاءل مستقبلا لصالح أنواع أخرى من الحروب، مثل الحرب النفسية والحرب الإلكترونية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد