الخوف من القبضة الأمنية ربما يكون السبب الرئيسي في المجتمعات الديكتاتورية الذي قد يدفع الأشخاص للصمت وعدم إبداء الآراء بحرية، ليظهر في تلك المجتمعات ما يسمى ب”الرأي العام الكامن أو الباطن”.

ولكن كيف يملك الإعلام- بمساعدة قمع الأنظمة الحاكمة- قدرة التأثير على الفرد كي يدفعه للسكوت عما يريد أن يقوله؟

سؤال سنتناول إجابته في هذا التقرير من خلال نظرية إعلامية تسمى دوامة الصمت، نتحدث عن أفكارها الرئيسية و فروضها، والآليات الثلاثة الأساسية التي تستخدمها وسائل الإعلام للتأثير على الجمهور لتحقيق النظرية.
وبعد شرح النظرية سنتناول أمثلة تطبيقية على الوضع المصري الحالي ومقارنة بين فترتي  الرئيس المعزول محمد مرسي، والرئيس عبد الفتاح السيسي لمعرفة كيف تكون الرأي العام “الكامن” في مصر، والثلاث آليات التي استخدمتها وسائل الإعلام المصرية الموالية للسلطة لتحقيق النظرية.

نظرية دوامة الصمت

تعد هذه النظرية واحدة من النظريات التي تؤكد على قوة وسائل الإعلام في تكوين الرأي العام، وهي تهتم برصد آثار وسائل الإعلام على المجتمع.

وقد أسست هذه النظرية الباحثة الألمانية (إليزابيث نويل – نيومان) عام 1974م.

وترى(نيومان) عملية تكوين الرأي العام باعتبارها عملية دينامية، تتدخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وثقافية وسياسية، بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام كدور محوري في تكوين الاتجاه السائد حول القضايا المثارة في المجتمع.

الفكرة الأساسية للنظرية

تقوم الفكرة الأساسية للنظرية على أن الفرد يعيش في مجتمع ويتفاعل مع بيئة الرأي العام  بمقوماته وعوامل تشكيله، لذلك فالفرد يميل إلى تشكيل رأيه طبقـًا للرأي العام السائد في المجتمع الذي يعيش فيه.

فروض نظرية دوامة الصمت

تعتمد نظرية دوامة الصمت على افتراض رئيسي فحواه أن وسائل الإعلام حين تتبنى آراء أو اتجاهات معينة خلال فترة من الزمن، فإن معظم الأفراد سوف يتحركون في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام ،وبالتالي يتكون الرأي العام بما يتسق مع الأفكار التي تدعمها وسائل الإعلام.

فقد لاحظ بعض الباحثين أن وسائل الاتصال الجماهيرية تتخذ أحيانـًا جانبًا مؤيدًا لإحدى القضايا أو الشخصيات، ويؤدي ذلك إلى تأييد معظم الأفراد للاتجاه الذي تتبناه وسائل الإعلام بحثـًا عن التوافق الاجتماعي.

– أما الأفراد المعارضون لهذه القضية أو ذلك الاتجاه، فإنهم يتخذون موقف الصمت تجنبًا لاضطهاد الجماعة وخوفـًا من العزلة الاجتماعية وربما يتمدد الأمر للخوف من (العزل من الوظيفة… إلخ)، وبالتالي إذا كانوا يؤمنون بآراء مخالفة لما تعرضه وسائل الإعلام، فإنهم يحجبون آراءهم الشخصية، ويكونون أقل رغبة في التحدث عن هذه الآراء مع الآخرين. (وبذلك يكون السكوت في هذه الحالة علامة الرفض لا الرضا)

ثلاث آليات أساسية تساهم في تأثير وسائل الإعلامية

1- التراكمية: (الزن على الودان أمر من السحر)
وتتمثل في التأثير التراكمي من خلال التكرار، حيث تميل وسائل الإعلام إلى تقديم رسائل متشابهة ومتكررة حول موضوعات أو شخصيات أو قضايا، ويؤدي هذا العرض التراكمي إلى تأثيرات على المتلقين على المدى البعيد.

2- الشمولية: تسيطر وسائل الإعلام على الإنسان وتحاصره في كل مكان، وتهيمن على بيئة المعلومات المتاحة، مما ينتج عنه تأثيرات شاملة على الفرد يصعب الهروب من رسائلها.

3- التجانس: ويعني  توافق الأفكار التي تقوم وسائل الإعلام ببثها وعرضها على جمهور المتلقين، كما يعني وجود اتفاق وانسجام  بين القائمين بالاتصال مع المؤسسات التى ينتمون إليها مما يؤدي إلى تشابه توجهاتهم والقيم الإعلامية التى تحكمهم، وعليه تكون الرسائل التي تعمل وسائل الإعلام المختلفة على بثها تبدو متشابهة ومتسقة مع بعضها بعضًا مما يزيد من قوة تأثيرها على جمهور المتلقين.

وتؤدي هذه العوامل السابقة مجتمعة إلى تقليل فرصة الفرد المتلقي في أن يكون له رأي مستقل حول القضايا المثارة، وبالتالي تزداد فرصة وسائل الإعلام في تكوين الأفكار والاتجاهات المؤثرة في الرأي العام.

وأحد أبرز الانتقادات الموجهة لهذه النظرية

أن وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأى الأغلبية، بل تعكس أحيانـًا رأى الأغلبية المزيفة التى تروج لها وسائل الإعلام.
هذا الانتقاد عززه المفكر النقدى ناعوم تشومسكى، فقد تطرق بكتابه المهم في هذا المجال (السيطرة على الإعلام، الإنجازات الهائلة للبروبجندا) في موضوع  كيفية استخدام الإعلام والدعاية في تجريد الديمقراطية من قوة تمثيلها للإرادة الشعبية وتحويل تلك الارادة الشعبية نحو موضع مزيف آخر يصب أو يخدم مصلحة النخب المهيمنة في المجتمع.

وهنا يبرز بقوة مصطلح الرأي العام “الكامن” حيث يقسم الرأى العام
وفقـًا للنـظم السـياسيـة المسيـطرة علـى الحكم فـي المجتمع الحديث إلى نوعين:

– رأى عام ظاهر في الدول الديمقراطية.

– ورأى عام باطن أو كامن في الدول التي تفتقد إلى الديمقراطية.


أمثلة تطبيقة على الوضع المصري الحالي

1- الصمت ما بين “مرسي” و”السيسي”
أجرى مركز “بصيرة” لبحوث الرأي العام، استطلاع رأي عن مدى رضا المصريين عن الرئيس المصري بعد مرور 100 يوم على توليه المنصب.

– في 2012

 بلغت نسبة الموافقة على أداء الرئيس مرسي 78% من عينة احتمالية قدرها 1783 مبحوثًا تم التواصل معها عن طريق التليفون، باستجابة 90% تقريبًا من المبحوثين.

– في 2014

بينما  بلغت نسبة الموافقة على أداء الرئيس السيسي 82% من عينة احتمالية قدرها 2009 مبحوث تم التواصل معها عن طريق التليفون، باستجابة 51% تقريبًا من المبحوثين.

وبغض النظر عن نسب الموافقة على أداء كل من مرسي والسيسي، فإن نسبة الاستجابة لتساؤلات البحث التي أظهرت تفوق فترة مرسي ب40% من فترة السيسي ربما لها انعكاساتها على وضع الحريات في مصر بين الفترتين؛ حيث تكرر فارق ال40% لصالح فترة مرسي في الاستطلاع الأخير التي أجرته بصيرة في نوفمبر الماضي بعد 5 شهور من تولي المشير عبد الفتاح السيسي رئاسة مصر.

وتفسيرًا لانخفاض نسبة الاستجابة في العام الجاري ومع الوضع في الاعتبار حرية المؤيد للسيسي في التعبير عن رأيه، فإنه من المرجح أن تكون النسبة الغالبة لمن لم يستجب للاستمارة بدواعي الخوف من القبضة الأمنية أو العزلة الإجتماعية وغيرها من العوامل المذكورة سلـًا خلال هذا التقرير، ليكون الصمت في هذا الإطار علامة “الرفض” لا الرضا.

2- كيف استخدم الإعلام الخاص المصري الثلاثة متغيرات (التراكمية- الانتشار- التجانس) المؤثرة لتحقيق نظرية دوامة الصمت


– عبارة “مش أحسن من سوريا والعراق” كانت من أقوى الأمثلة في هذا الصدد باستخدام الثلاث آليات بشكل مكثف من قبل الإعلام الخاص المصري.

– تكرار لفظ مؤامرة في الفيديو الآتي من مختلف القنوات، حيث يظهر في الفيديو عدد من القنوات والشخصيات الذين كرروا لفظ “مؤامرة مثل صدى البلد والسي بي سي والتحرير روتانا مصرية وأوربت على لسان رولا خرسا مصطفي بكري حسين فهمي مظهر شاهين خيري رمضان عادل حمودة تامر أمين وعمرو أديب:

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد