طالما أسيء إلى الطب النفسي؛ تارة عندما أسيء فهمه أو لم يُعترف به من الأساس ولا بدوره المحوري في حياة البشر، ومسيرة تطوره منذ أن كان الناس يعتقدون بأن الجنون ينبع من سكون الأرواح الشريرة في الجسد؛ وتارة عندما تحول المرض النفسي إلى سُبة، وتارة عندما استُخدم سياسيًا، من أجل قمع المعارضين السياسيين، ولتجعل السلطات سجن المعارضين مقبولًا في أعين العالم. وقد اهتمت الديكتاتوريات كثيرًا بالطب النفسي، ليس من منطلق اهتمامهم بصحة المواطنين النفسية بالطبع، ولكن استخدامه آلة لجمح المعارضة. 

السُلطة وفن صناعة المرض النفسي

لا تكتفِ السُلطة بالادعاء أن المعارض مريض عقلي، لكنها تودع الأصحاء في سجون يخرجون منها بصدمات نفسية أيضًا، ويمكثون لأعوام حتى يتخلصوا منها.

«لقد أصبحت السجون أكبر المصحات العقلية وأكبر مزود للخدمات النفسية في الولايات المتحدة الأمريكية» هذا ما يقوله كتاب «الجنون في غياهب السجون» لمؤلفه الطبيب النفسي تيري كوبرز، والذي يتحدث فيه عن وحشية وفشل النظام العقابي الذي يحول الأصحاء إلى مرضى نفسيين.

Embed from Getty Images

ويضيف أيضًا إن «ظروف السجن القاسية لها أثر سيء للغاية على الصحة العقلية لجميع السجناء، والذين لديهم تاريخ سابق من الاضطرابات النفسية الخطيرة قبل إدانتهم، معرضون بشكلٍ خاص للانهيار عند تعرضهم لقدر هائل من الضغط الذي تفرضه السجون شديدة الازدحام، والعديد من السجناء الآخرين الذين لم يُعانوا قَط من أي اضطراب نفسي قبل دخولهم إلى السجن، يكون رَد فعلهم على الصدمات الهائلة التي تتسم بها الحياة في السجن هو ظهور أعراض نفسية لديهم».

الذين قالوا لا في وجه المصحات العقلية

كان الطب النفسي العقابي النشاط المفضل لكثير من الدول الشمولية التي ادعت الاشتراكية لسحق المعارضة. أستُخدِم الطب النفسي العقابي بشكل منهجي في ألمانيا النازية في فترة حكم هتلر، وفي فترة السبعينيات، والثمانينيات، وفي الاتحاد السوفيتي زُج بحوالي ثلث المعارضين السياسيين إلى المستشفيات النفسية، وحذت الأنظمة الشمولية الأخرى حذو السوفييت بشكل ممنهج مثل رومانيا، خلال العِقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأيضًا في جمهورية الصين الشعبية.

أما الأنظمة التي تبدو ديموقراطية فقد استخدمت المدرسة ذاتها مع «كاشفي الفساد». وفي مصر خلال عهد جمال عبد الناصر، أعجبت الدولة بالمدرسة السوفيتية، فأودعت المخابرات الحربية المعارضين مثل الشاعر نجيب سرور في مصحة نفسية، وكذلك الكاتب الماركسي إسماعيل المهداوي الذي ظل في المصحات العقلية لمدة 17 عامًا.

لماذا يعارض أي شخص عاقل الاتحاد السوفييتي؟

نبعت الفكرة من أنه كيف يُعارض شخص عاقل أفضل نظام اجتماعي سياسي في العالم؟ لا يوجد تفسير منطقي، ولا بد وأن يكون مختلًا عقليًا. وبعد هذا التشخيص السياسي كان المعارض يوضع في مصحة، شبيهة بالسجن، ويخضع لعلاج قسري تعذيبي، من بينه الحَقن بأدوية مضادة للذهان.

Embed from Getty Images

مؤيدة للنظام الروسي ترفع صورة ستالين

وقد استخدم الأطباء عقار السلفازين معتقدين أنه سيُحسن استجابة المرضى لمضادات الذهان، ولكنه كان يصيبهم بألم وحمى وعدم قدرة على التحرك. وبعض المحتجزين الآخرين كانوا يُحقنون بإنسولين ليقودهم إلى السقوط في غيبوبة. أصبحت روسيا بلد الفصام؛ فقد قفز عدد الأشخاص الذين شُخِصوا بالفصام من مليونين في عام 1966 إلى 3.7 مليون في عام 1971،  شُخصت الشيزوفرينيا في موسكو أكثر من أي دولة أخرى، ثلاثة أضعاف أمريكا، وضعفي ألمانيا الغربية، وأستراليا، واليابان.

الجنون ثمن المعارضة

لا تعترف الديكتاتوريات كثيرًا بالشِعر؛ وفي عام 1963 أودع الشاعر الروسي جوزيف برودسكي الذي حصل فيما بعد على جائزة نوبل في الأدب، إلى مصحة نفسية بالقوة بتهمة «التطفل الاجتماعي» وهي تهمة تساوي البطالة في عصرنا الحالي، وكذلك انتحال صفة شاعر، وعدم تأدية الواجب الدستوري الذي يُلزم الجميع بالعمل لصالح الدولة.

قضى برودسكي بالمصحة العقابية 12 عامًا، وقد اخترعت روسيا أمراضًا خاصة بها، بل وغيّرت تعريف المرض النفسي ذاته؛ فتقول الفرضية أن المريض النفسي هو شخص مهووس بموضوع محدد، لكن في مجالات الحياة الأخرى تجده يتصرف بطبيعية، ويبدو عليه الذكاء والبلاغة، إلا في موضوع واحد، وبالصدفة البحتة يناقض هذا الموضوع سياسات الدولة.

وشُخِص برودسكي بمرض اخترعه الطبيب النفسي، آندري سنيزنِڤسكي ،وهو «الفصام البطيء» وهو في الحقيقة ليس بمرض، إنما هو اختراع سياسي يُصاب به المعارضون فقط. وطبقًا لاختراع سنيزنفسكي، فإن هذا المريض يبدو عاديًا معظم الوقت، لكن حالته عرضة لأن تتدهور في المستقبل. وفي روسيا كان الفصام البطيء مرض له تبعات؛ إذ كان المريض يُحرم من السفر للخارج، ويُمنع من استخراج رخصة قيادة، ومن تولي رئاسة أي منصب.

الصين على خطا الاتحاد السوفيتي

«كانت مبادئي هناك هي ألا أقوم بالانتحار، ألا أهرب، لا أشاكس الحرس، ويكفيني أن أخرج من هنا حيًا»

هذا ماقاله وانج وانكسنج الناشط الصيني البارز الذي مكث 13 سنة في السجون العقلية، منذ قبض عليه أول مرة في منتصف السبعينيات واتُهم بالجنون بعد تظاهرة فردية في ميدان تيانانمن، والقبض عليه مرة أخرى عام 1992، بسبب مناقشة ما حدث معه مع صحفيين أجانب.

Embed from Getty Images

زوجة وانج تحمل صورته

لم يتعرض وانج فقط للاحتجاز في المصحّات العقابية، لكن ظهرت الأمراض النفسية على 3 آلاف شخص آخر في الصين بدايةً من عصر ماو، بعد إبدائهم آراء سياسية معارضة. وتضمّنت التهم الهتافات السياسية، والتفوه بعبارات مضادة للحكومة في العلن. وقد أُطلق سراح وانج في 2005 بعد مفاوضات الحكومة الصينية مع ألمانيا، بعدها اتجه إلى فرانكفورت حيث طلبت زوجته وأولاده اللجوء. وفي ألمانيا عُرض على أطباء نفسيين، وأقروا بعدم إصابته بأي مرض عقلي، وكان هذا أمرًا متوقعًا، إذ كان مرضه مهاجمة الحزب الشيوعي. 

مشروع «إم كي ألترا».. السيطرة على العقول

يمكن القول بأن أكثر الدول التي تبدو ديموقراطية استغلت الطب النفسي لمصالحها السياسية؛ وأحد أسوأ هذه الاستغلالات حدثت في أمريكا في مشروع عُرف باسم (MK -ULTRA) في عام 1953 تحت قيادة وكالة الاستخبارات الأمريكية، بمساعدة أطباء نفسيين. فقد خضع لهذه التجارب عدد من الأشخاص دون علمهم وكان الاختبار يهدف إلى للسيطرة على العقول، باستخدام أدوية نفسية، وجلسات كهربية، ومواد مخدرة، وأساليب تلاعب نفسية. وتمت هذه التجارب في الجامعات، والسجون، والمستشفيات، في أمريكا وكندا. 

لكن.. أين كان الأطباء من السجناء النفسيين؟

في مدرسة إمراض المعارضين نفسيًا، تلك المدرسة التي أسسها الاتحاد السوفيتي، كان الأطباء النفسيون السوفييت جزءًا أصيلًا منها، بغير وعي، أو بأمر مباشر من الـ«كي جي بس»  أو الاستخبارات الروسية. أما في الصين فقد كان الأطباء والممرضون موظفين في مكتب الأمن العام.

وللحد من كل هذه الإساءات تأسست المبادرة العالمية للطب النفسي أو الـ«جي أي بي» من أجل محو استخدام الطب النفسي بوصفه آلة قمعية. وعرّفت المبادرة الاستخدام السيء للطب النفسي بأنه استخدام التشخيص، أو العلاج، أو الاحتجاز لأغراض سياسية. والنقطة الإيجابية في كل هذه الانتهاكات أنها كان سببًا في وضع أساسيات أخلاقيات العلاج النفسي، ففي عام 1977 أصدرت الرابطة العالمية للطب النفسي إعلان هاواي لوضع أخلاقيات العلاج النفسي، وإرشادات عن حقوق المريض النفسي تضمن رعايته وعدم استغلال مرضه لأغراض عليا.

عذاب المرضى النفسيين في مصر.. «ساسة بوست» يكشف معاناتهم عن قرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد