هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

اندلعت الحرب الأهلية الشرسة في الصومال عام 1991 مودِيةً بحياة الآلاف، ومزَّقت دولة الصومال إلى مجموعة أقاليم تحكمها أطراف متنازعة. وفي سياق الحرب تأسس إقليم «أرض البنط»، أو ما يعرف باسم «بونتلاند» وأعلن إدارة ذاتية.

بالطبع لم ينعم الإقليم بسلام دائم، وواجه نزاعات داخلية وخارجية، من أهمها السيطرة على القراصنة النشطين على سواحل الإقليم، وتأمين حقول البترول في الإقليم. وفي مساعٍ لتجاوز هذه المشكلات اتجهت إدارة الإقليم للتواصل مع دول أجنبية من أوروبا، ومع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا التقرير نستعرض بعض هذه الجهود، ونعرض أنشطة الضغط السياسي التي نفذها الإقليم في واشنطن لتأمين مطالبه.

أرض البنط

موقع أرض البنط (الأزرق) في خريطة الصومال – مصدر الصورة: ويكيبيديا 

«ديمقراطية» مٌهتزّة واستقلال حديث

في يوليو (تموز) 1998 أعلن إقليم بونتلاند الاستقلال بالحكم عن حكومة الصومال المركزية؛ حتى «لا تطولها النزاعات التي ضربت البلاد منذ عام 1991»، وحتى الآن يتمتع إقليم ولاية أرض البنط بالحكم الذاتي، ولكنه يتبع للحكومة الفيدرالية الصومالية في العاصمة مقديشو.

أعلن الرئيس، العقيد عبد الله يوسف، تعليق الانتخابات البرلمانية في الإقليم بعد خمس سنوات من الحكم الذاتي، في فبراير (شباط) 2001، وعلى إثر ذلك نشب نزاع مسلح في الإقليم استمر حتى عام 2004 عندما أجريت انتخابات لرئاسة الإقليم هزم فيها العقيد أمام منافسه محمد هاشي، الذي حكم الولاية لثلاثة شهور فقط؛ إذ خرج من منصبه بإعادة للانتخابات، وفي السنوات التالية شهدت الولاية أربعة انتخابات أخرى.

بونتلاند تبحث عن حل للقرصنة مع واشنطن

انتشرت ظاهرة القرصنة بكثافة بين عامي 2005- 2012 على سواحل الإقليم، وتمركزت معظم هجمات القراصنة، ومعظمهم صوماليون، على خليج عدن الذي تطل عليه سواحل الإقليم. وتصاعدت هجمات القراصنة على السفن والقوارب لغياب الرقابة العسكرية من الحكومة الفيدرالية أو حكومة الإقليم.

وفي عام 2008 فقط نجح القراصنة في الصومال بمهاجمة 130 سفينة احتجزوا منها 50، وأسروا 250 فردًا من طواقم السفن المحتجزة، وأخذوا في ذلك العام 150 مليون دولار على شكل فدية من عائلات الرهائن وشركاتهم. فضلًا عن غياب الرادع من الحكومة المركزية، وقد غذَّى صيد شركات أجنبية بشكل غير قانوني غضب الصيادين الصوماليين، وقلَّل من كسبهم من الصيد الشرعي للأسماك، وأحيانًا خرَّب عملهم بكبِّ النفايات على السواحل أو بسرقة أدواتهم البسيطة.

في مطلع 2009 تعاقد عبد الرحمن فارول، الرئيس الجديد لبونتلاند، مع الشركة الأمريكية «دوان موريس – Duane Morris»، لتقدم خدمات ضغط سياسي لصالح الإقليم، بهدف تحصيل مساعدات أمريكية لمكافحة القرصنة التي تهدد السفن الأجنبية، بما في ذلك الأمريكية منها.

عقدت الشركة عدة اجتماعات مع مسؤولين تشريعيين وتنفيذيين للتسويق لخطة بونتلاند للقضاء على القرصنة، بالإضافة إلى تنظيم فعالية لجمع دعم مادي للإقليم في العاصمة البلجيكية بروكسل، بحضور 200 مسؤول دولي، ونظيرًا لهذه الخدمات دفعت الحكومة للشركة 30 ألف دولار أمريكي. وقد استمرت الخدمات ثلاثة شهور من فبراير (شباط) 2009 وحتى مايو (أيار) من العام نفسه.

من تعاقد حكومة إقليم أرض البنط مع شركة «دوان موريس» للضغط السياسي. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

ويبدو أن هذا التعاون السريع قد آتى أكله؛ إذ حصلت الصومال آنذاك على دعمٍ مادي من إدارة أوباما يُقدَّر بـ5 ملايين دولار، وتوازى هذا مع الدعم العسكري من الاتحاد الأوروبي المتمثِّل في مشاركة قوات بحرية من دول أوروبية في العملية العسكرية التي عرفت باسم «عملية أتلانتا»، والتي بدأت عام 2008 بمشاركة 20 دولة أوروبية، لتعزيز قدرات الصومال للقضاء على ظاهرة القرصنة على سواحل الصومال والقرن الأفريقي، ولكن العملية ليست نتيجةً لجهود الضغط من إقليم أرض البنط.

في واشنطن مرة أخرى.. من أجل البترول

في 2011 عرضت قناة الجزيرة الإنجليزية تقريرًا يفيد بأن حقول البترول الموجودة في إقليم أرض البنط تحتوي على بترول خام يمكن أن ينتج منه 19 مليار برميل نفطيّ، ما يعني أن قيمة هذه الثروة تصل إلى 1.9 تريليون دولار في المجموع، وهو ما يساوي أضعاف قيمة العائد النفطي السنوي لدولة نفطية كبرى مثل السعودية التي وصلت عائداتها من صادراتها للنفط الخام في 2019 إلى 202 مليار دولار مليار، بحسب منظمة «أوبك». وفقًا لسعر البرميل العالمي وقتها. ولكن تأخر العمل في حقول البترول منذ بداية التسعينيات مع اندلاع الحرب الأهلية.

ومجددًا اتجه رئيس الإقليم، عبد الرحمن فارول، نحو واشنطن؛ للتسويق لملف البترول، ولجلب مستثمرين وشركات تنقيب أمريكية، فوقَّع الإقليم عقدًا مع «مجموعة موفيت – Moffet Group»، في 7 يونيو (حزيران) 2011.

المجموعة تأسست على اسم مؤسسها توبي موفيت، عضو مجلس النواب السابق، وعملت شركته على ملف استكشاف احتياطات نفطية في الإقليم وجلب مستثمرين أمريكيين للعمل عليها، وتظهر وثائق الشركة حصولها على 60 ألف دولار أمريكي.

نجحت الشركة في التواصل مع مجموعة كبيرة ضمَّت أعضاء من مجلسي الكونجرس. من ضمنهم عضو مجلس الشيوخ توم هاركين، الذي عملت زوجته في مجلس إدارة شركة «كونوكو فيليبس – ConocoPhillips» الأمريكية للتنقيب عن البترول، وهي الشركة التي سعت حكومة بونتلاند لإقناعها للعودة للإقليم ومتابعة العمل في الحقول التي هجرتها عقب انهيار الحكومة الصومالية عام 1991.

ولكن لم يُذكر أي معلومات على موقع الشركة، أو على المواقع التابعة لحكومة بونتلاند تفيد بنجاح التواصل مع الشركة الأمريكية. ومن اجتماعات الشركة، اجتماع مع السيناتور الجمهوري جيم إنهوف، أحد أقدم أعضاء المجلس ورئيس لجنة القوات المسلحة، وعضو بلجنة العلاقات الخارجية.

وفي الفترة نفسها، التقى ممثلو الشركة بشكل متكرر مع السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، والذي كان حينها عضوًا في مجلس النواب، وعضوًا في لجنة الشؤون الخارجية. وتتسع القائمة لتشمل النائب الديمقراطي السابق كيث إليسون، وهو المدعي العام الحالي لولاية مينيسوتا، وقد إعتنق الإسلام في ثمانينيات القرن الماضي، وأمريكي من أصول أفريقية.

ولكن لم تقتصر اتصالات الشركة على الكونجرس، وامتدَّت لتشمل الحكومة التنفيذية الأمريكية، فتواصلت مع وزارة الخارجية، وبالأخص مكتب مكافحة القرصنة والأمن البحري، وعقدت اجتماعًا مع توم نيدز، نائب وزير الخارجية للشؤون الإدارية، بهدف مناقشة فرص التنمية الاقتصادية.

انتهت العلاقة سريعًا بعد 6 شهور، في 7 مارس (آذار) 2012. ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الفيدرالية الصومالية تعاقدت لاحقًا في أبريل (نيسان) 2013 مع الشركة.

علم إقليم أرض البنط الصومالي، نشط في واشنطن في عامي 2011-2012 لحثِّ شركات نفط أمريكية للتنقيب في الإقليم.

من اللافت للنظر نشاط الإقليم في واشنطن في تلك الفترة مع استلام الرئيس الجديد فارول، إذ وقّع مع شركة «ستيبتوي آند جونسون- Steptoe & Johnson» عقدًا تقدم فيه الشركة خدماتها تطوعًا وبدون مقابل لمساعدة الإقليم، وانتهى هذا التعاقد في يوليو (تموز) 2012،

ضغطت الشركة لتغيير موقف أمريكا من قوات الشرطة البَحَريّة التابعة لإقليم بونتلاند، التي أشرفت الإمارات لاحقًا على تدريبها منذ 2014، في إطار جهود دولية تشارك فيها أطراف أخرى مثل تركيا، لبناء الجيش الصومالي الرسمي وتطوير قدراته على «مكافحة الإرهاب» ومواجهة الحركات الإسلامية النشطة في البلاد، وهذا التدريب الإماراتي لقوات أمنية في أرض البنط جزءٌ من جهد أوسع من الإمارات لتوسيع نفوذها في القرن الأفريقي.

وأخيرًا ضغطت الشركة لتأمين الدعم الأمريكي تواصلت الشركة مع وزارتي الدفاع والخارجية، ومن أهم اتصالاتها اجتماعٌ مع سكوت أورجن، كبير موظفي الاستراتيجيات والسياسات في القيادة الاستراتيجية بوزارة الدفاع الأمريكية.

وتواصلت الشركة مع ستانلي سليوينسكي، عملَ آنذاك مستشارًا عسكريًّا أول لوزير الخارجية الأمريكي، ومع جابريل سويني، مستشار قانوني بالوزارة، بالإضافة إلى كورين جراف، كبيرة مستشاري المبعوث الأمريكي للأمم المتحدة، وعملت لاحقًا بمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد