يسعي بوتين لإضفاء أكبر قدر من الشرعية والإجماع على تحركاته في الشرق الأوسط وبالأخص في سوريا وربما انعكس ذلك بوضوح على عنوان لقاء فرانسيس وكيريل الذي ركز بشكل كبير على دور الكنيستين في حماية المسيحيين من الاضطهاد بفعل الحروب في الشرق الأوسط على أيدي من يوصفون بـ"الجماعات المتطرفة"، وهو ذات الإطار الذي يحاول من خلاله بوتين تسويق حملته في سوريا بوصفها موجهة ضد التطرف ومنع انتشاره إلى العالم.

يوم أمس الجمعة الموافق 12 فبراير/شباط وقع اللقاء التاريخي الأول من نوعه منذ ألف عام، والذي جمع بين بابا الفاتيكان فرانسيس الثاني وبين قس الكنيسة الروسية الأرثوذكسية البطريرك “كيريل” والذي احتضنته العاصمة الكوبية هافانا، والذي وصف بأنه خطوة تاريخية في محاولة احتواء الخلاف بين أكبر معسكرين للديانة المسيحية، والذي يعود تاريخه إلى أكثر من ألف عام.

غالبا ما يؤرخ إلى الانفصال بين الكنيسة المسيحية إلى كنيستين غربية لاتينية (كاثوليكية) وشرقية بيزنطية (أرثوذكسية) إلى العام 1504 إلا أن جذور الانقسام غالبا ما تعود إلى ما هو أبعد من ذلك. وقد جاءت في أعقاب جفاء وخلافات طويلة بين المسيحية اللاتينية واليونانية. أما السبب المباشر الذي تسبب في الانفصال فكان قرار البابا ليو التاسع في روما ببسط سلطته على البطاركة الأربعة في الشرق، في الوقت الذي كان الشرقيون يرون فيه أن بابا روما يتمتع بسلطة شرفية فقط، بينما تقتصر سلطته الروحية على نطاق رعيته. في حين إن جذور الخلاف كانت تحمل أبعادا سياسية ترجع إلى الخلافات التاريخية بين روما والقسطنطينية وأبعادا إدارية تتعلق برؤية الكنيسة الشرقية لبابا روما بوصفه أحد البطاركة أو الأساقفة في الوقت الذي كان فيه بابا روما دائما ما يرى نفسه رأس الهرم المسيحي، سوى خلافات لاهوتية تتعلق بفهم ما يعرف بـ”الثالوث المقدس”.

وكما انقسمت الكنيسة الكاثوليكية في وقت لاحق بعد انشقاق البروتستانتية عنها، فقد انقسمت الكنيسة الأرثوذكسية إلى عدة كنائس إقليمية هي الروسية والرومانية والبلغارية واليونانية والصربية، ولكل منها بطريرك خاص بها وقانون منفصل.

جولات من التنافس

تسبب هذا الانقسام في جولات طويلة من التنافس السياسي بين روسيا والفاتيكان. تعد الكنيسة الأرثوذكية الروسية هي أكبر الكنائس الأرثوذكسية، وهي تتمتع بخصوصية خاصة بين الأرثوذكس من أكثر من ناحية. أحدها أنها ترعى التجمع الأكبر من الأرثوذكس في العالم (يتبعها نحو 125 مليون مسيحي أرثوذكسي وفق التقديرات)، أما العامل الأكثر أهمية فهي أنها لم يسبق لها أن خضعت للحكم العثماني. خلال حكم الإمبراطورية العثمانية سعى العديد من الرجال الدين الأرثوذكس من سائر دول أوروبا للاحتماء بالمظلة الروسية وهو ما أكسبها أهمية متزايدة إلى درجة أنه قد صار يطلق عليها “روما الأرثوذكس” وقد نشب إثر ذلك قدر من التنافس الديني بين موسكو والفاتيكان.

البابا يوحنا بولس الثاني

وفقا لتقرير نشره مركز ستراتفور الأمريكي، فإن موسكو قد اتهمت الفاتيكان مرارا وتكرارا بمحاولة التدخل في شئونها السياسية. وقد ارتفعت وتيرة هذه الاتهامات بشكل خاص في عهد البابا يوحنا بولس الثاني ذي الأصول البولندية، والذي طالما تبنى توجهات مناهضة للشيوعية وقام بتوجيه الدعم لتلك الحركات المناهضة للشيوعية في جميع أنحاء أوروبا الوسطى. وقد نسب الفضل إلى البابا يوحنا في إلهام إنشاء أول اتحاد عمالي لا يسيطر عليه حزب ضمن حلف وارسو. وعلى الرغم من شعور الشيوعيين أنهم يفقدون قبضتهم على السلطة بعد سقوط جدار برلين وتوحد ألمانيا، فقد زار الرئيس الروسي ميخائيل جورباتشوف البابا يوحنا بولس في الفاتيكان في محاولة لإصلاح العلاقات.

ولكن تلك المبادرة “الظاهرية” للتقارب السياسي لم تعكس فرصا لتقارب لاهوتي محتمل بين المؤسستين الدينيتين المختصمتين. حافظت الكنيسة الروسية على اتهاماتها المتواصلة للكنيسة الأرثوذكسية بمحاولة التأثير في الأرثوذكس الروس عن طريق إنشاء دور الأيتام وبرامج التمويل في روسيا، لدرجة أن الرئيس الروسي بوريس يلتسن قد أصدر تشريعا يعدد الديانات الرسمية المسموح بها في البلاد وضمت الأرثوذكسية على رأسها إلى جانب اليهودية والبوذية والإسلام، وتم استبعاد الكاثوليكية.

الكنيسة الأرثوذكية الروسية والعلاقة مع السلطة

ربما يعطي الصراع الأرثوذكسي الكاثوليكي انطباعا بالوفاق التام بين السلطة والكنيسة في روسيا، ولكن التاريخ يخبرنا أن الأمور لم تسر بهذا الشكل على نحو دقيق. خسرت الكنيسة الكثير من أتباعها وتقلصت مساحة تأثيرها بشكل كبير مع سيطرة الشيوعية على البلاد. بل بعض بطاركة الكنيسة قد تعرضوا إلى السجن والقتل. وشهدت حقبة الثورة البلشيفية انفصال ما يعرف بـ”الكنيسة الأرثوذكسية خارج موسكو” عن الكنيسة الأثوذكسية الروسية بهدف رعاية الأرثوذكس خارج البلاد بعد العداء الذي أبداه السوفييت للكنيسة الأرثوذكسية.

وقد شهد العام 1943 حدثا فارقا في تاريخ العلاقة بين الكنيسة والسلطة عندما قام الرئيس الروسي ستالين بإعادة إنشاء مؤسسة البطريركية، وقد كان ستالين يعتقد بأن: “النصر كان في حاجة إلى عامل معنوي مضاف لقوة السلاح”. ومع ذلك فقد ظل دور الكنيسة يزداد صعودا وهبوطا وفق رغبة السلطة السياسية الحاكمة للبلاد منذ ذلك الحين.

استعادت الكنيسة الأثوذكسية جزء كبيرا من اعتبارها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1991. وقد لعبت الكنيسة دورا أكثر محورية في السياسة الروسية مع صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي عمدت سياسته إلى المزج ما بين الرؤيتين الدينية والقومية، حيث عمد بوتين إلى توظيف الكنيسة من أجل شغل الفراغ الأيديولوجي الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفييتي. ولم تقتصر مساعي بوتين على محاولة استقطاب الكنيسة الأثوذكسية والسيطرة عليها فقط، بل إن المشاعر المعادية للكاثوليك قد زادت في عهده بشكل ملحوظ.

Russian President Vladimir Putin visits the Moscow Eparchial Houseكان الكنيسة جزء رئيسا من رؤية بوتين للسلطة في بلاده منذ وقت مبكر. منذ عام 2003، بدأت محاولات التقارب بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والكنيسة الأرثوذكسية خارج روسيا، وفي عام 2004 تم تشكيل لجنة مشتركة للنظر في أسباب الخلاف بين الكنيستين، وقد اجتمعت هذه اللجنة عدة مرات قبل أن يعلن في عام 2006 عن النص النهائي لقانون إعادة الوحدة في الكنيسة، والذي تم التوقيع عليه في مايو عام 2007 في العاصمة الروسية موسكو بعد 80 عاما من الانفصال.

«إن الحرب على الإرهاب معركة مقدسة، ولربما كانت بلادنا اليوم هي القوة الأكثر نشاطا في العالم في مجال الحرب على الإرهاب»

جاء هذا التصريح على لسان فزيفولود تشابلين رئيس قسم الشئون العامة في الكنيسة الروسية، وهو يعكس مدى الدور الوظيفي الذي تلعبه الكنيسة في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لم يكن هذا هو التصريح السياسي الأوحد للكنيسة الروسية، بل إنها في بعض الأحيان تعلب دورا مباشرا في السياسة الداخلية للبلاد. وصف “كيريل” بطريرك عموم موسكو الرئيس الروسي بأنه «معجزة الرب» خلال حملته للترشح لفترة رئاسة ثالثة مضيفا بالقول: إن “إصلاحي أرسلته العناية الإلهية لينقذ البلاد”.

التقارب الأرثوذكسي الكاثوليكي

CUBA-RELIGION-POPE-KIRILLخفت حدة التوتر بين روسيا والفاتيكان بشكل ملحوظ بعد وفاة البابا يوحنا بولس الثاني. وأعيدت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والفاتيكان رسميا في عام 2009. وتبدو فرص التقارب أكثر وفرة في عهد البابا فرانسيس الذي يعرف، ليس فقط بحرصه على التواصل مع سائر الطوائف داخل الديانة المسيحية، ولكنه يبدو حريصا أيضا على الحفاظ على علاقات جيدة داخل الأديان المختلفة. التقى الرئيس الروسي فلايمير بوتين مع البابا فرانسيس مرتين على الأقل خلال العامين الماضيين. وقد بدا أن بوتين حريص بشكل كبير على إحداث تقارب بين الكنيسة في بلاده وبين الفاتيكان ويرجع ذلك لجملة أسباب، وفق المحللين: أولهما الاستفادة من الهيمنة الروحية لكنيسة الفاتيكان على المسيحيين في العالم، وكسر التحالف الحصري بينها وبين القوى الغربية.

أما ثاني هذه الأسباب المحتملة فهو محاولة إزالة التوتر حول أوكرانيا في ظل التجاذب بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية في البلاد بشأن الدور الروسي، وما تبعه من اتهامات متبادلة بين كنيتسي الفاتيكان وموسكو. أما ثالث هذه الأسباب فربما يرجع إلى سعي بوتين لإضفاء أكبر قدر من الشرعية والإجماع على تحركاته في الشرق الأوسط، وبالأخص في سوريا، وربما انعكس ذلك بوضوح على عنوان لقاء فرانسيس وكيريل الذي ركز بشكل كبير على دور الكنيستين في حماية المسيحيين من الاضطهاد بفعل الحروب في الشرق الأوسط على أيدي من يوصفون بـ”الجماعات المتطرفة”، وهو نفس الإطار الذي يحاول من خلاله بوتين تسويق حملته في سوريا بوصفها موجهة ضد التطرف ومنع انتشاره إلى العالم.

وفقا لتحليل ستراتفور السابق الإشارة إليه، فإن روسيا ترغب في استخدام علاقاتها مع الفاتيكان لتبرير موقفها في العالم وتسليط أضواء أكثر إيجابية على دورها، وعلى الأخص في الغرب. مع الإعلان عن اجتماع بين كيريل وفرانسيس، فقد سرح سفير روسيا لدى الكرسي الرسولي أن الاجتماع يهدف إلى “تأكيد دور روسيا في الحضارة المسيحية”، ويرى مراقبون أن مثل هذه التصرفات تهدف إلى إظهار دور روسيا وأفعالها بشكل عدائية، رغم أن نجاح مثل هذه الخطة لا يبدو أمرا مضمونا إلى الآن في ظل خلافات تاريخية ولاهوتية أصعب من أن يتم جسرها بجملة من التصريحات الودية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد