يبدو أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين قد اتخذ قراره في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، والتي ستُجرى خلال أقل من شهر من الآن، وتحديدًا يوم الثالث والعشرين من أبريل (نيسان) 2017. ويبدو أيضًا أنه اختار الانحياز لصالح مرشحة اليمين المتطرف في الانتخابات، مارين لوبان، رئيسة حزب الجبهة الوطنية.

ما سنحاول اكتشافه هو سبب ميل بوتين لاختيار لوبان؛ فهل هو تقارب في الأفكار والرؤى والأيديولوجيات؟ أم لأنها هي الأكثر حظوظًا لفوز الانتخابات المقبلة، خاصةً في ظل تراجع منافسيها؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى؟

في حالة فوز المرشحة لوبان بالانتخابات الفرنسية؛ فستنضم إلى قادة آخرين متقاربين في نفس الأفكار والرؤى؛ بدايةً من فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، مرورًا بتيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، ووصولًا إلى دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، والذين يعتبرون قادة الدول الأهم في العالم، خاصةً في الوقت الذي يمثل فيه الدول الأربع، أربعة مقاعد دائمة في مجلس الأمن الخاص بالأمم المتحدة، والذين يحق لهم جميعًا استخدام حق الفيتو.

حدث نادر: لوبان في الكرملين

استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، الجمعة، مرشحة الانتخابات الفرنسية، مارين لوبان. الحدث النادر هنا ليس تفضيل بوتين للسيدة لوبان، وإنما في استقباله مرشحًا رئاسيًا من أية دولة في بلاده، قبل موعد الانتخابات، وليس بوتين فحسب؛ فلم يسبق لأي رئيس روسي أن استقبل مرشحًا رئاسيًا من دولة أخرى في قصر الكرملين الرئاسي، حتى في حالة ترامب، وبالرغم التقارب المعلن بين الرئيس الروسي، والمرشح الأمريكي لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية طوال فترة حملته، إلا أن بوتين لم يجرؤ على استقباله أو دعوته إلى موسكو.

ولا يخفى إعجاب لوبان بالرئيس بوتين من قبل؛ ويظهر ذلك خلال هذا الاجتماع عبر مقاطع الفيديو الصحافية المنشورة من قبل الأطراف الرسمية، والتي تظهر فيها علامات، دللت بها وسائل الإعلام المختلفة، مثل صحيفة «نيوريورك تايمز» الأمريكية، على أنها تبرز التقارب بين الطرفين، ومن هذه العلامات، على سبيل المثال وليس الحصر، حرارة السلام ولغة الجسد التي كشفت لوبان لدى خبراء علم النفس والإشارة، بالرغم من أنها لم تنكر أصلًا ذلك.

لوبان: وجود ثلاثي يتكون مني إلى جانب ترامب وبوتين، سيجلب السلام للعالم

وكانت لوبان قد دعت في وقتٍ سابق خلال حملتها الرئاسية إلى تطوير العلاقات الفرنسية مع روسيا، وتعزيز التعاون في مجالاتٍ مختلفة، من أبرزها مجال مكافحة الإرهاب، فضلًا عن إعلان وجود مشاعر ود بينها وبين الرئيس بوتين، وبين الرئيس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وذلك نظرًا لتشاركهما في رفض سياسات الاتحاد الأوروبي.

الجدير بالذكر أن زيارة لوبان إلى موسكو، كان مقرر لها أن تشمل نطاقًا واسعًا من المسؤولين الروس؛ حيث عقدت اجتماعاتٍ مختلفة مع عدد من أعضاء مجلس الدوما الروسي، أي مجلس النواب، ولكن لم يكن معلوم قبل الزيارة إن كانت المرشحة الفرنسية ستحظى بلقاء مع الرئيس الروسي بوتين أم لا.

هل يتدخل بوتين في الانتخابات الفرنسية؟

وسلَّط الاجتماع الضوء على إمكانية إعادة تنظيم العلاقات مع روسيا بشكل عام، حتى في الوقت الذي اتهمت فيها روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث ذكرت وسائل الإعلام الروسية أن الرئيس بوتين أبلغ رئيسة حزب الجبهة الوطنية أن روسيا لا تعتزم التدخل في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، والتي تعتبر تهمة، سبق واتهمتها بها «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية» (سي آي إيه) أواخر العام الماضي.

وفي الحقيقة، الاتهامات التي لاحقت روسيا بخصوص التدخل في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة الأمريكية شملت التدخل عبر العديد من الطرق في الانتخابات، والتي كان أبرزها القرصنة الإلكترونية، والترويج للأخبار الكاذبة.

فبالنسبة للتهمة الأولى، وهي ترويج الإشاعات الكاذبة، اتهم المرشح الفرنسي لانتخابات الرئاسة، إيمانويل ماكرون، الذي يحسب أنه مرشح وسطي مستقل، روسيا بترويج الإشاعات حوله، وذلك بعد إعلان أن المرشح مثلي الجنس، وهو الأمر الذي نفاه تمامًا ماكرون.

وكان منظمو حملته قد حمَّلوا وسائل الإعلام الروسية، المسؤولية حول هذه الشائعة، متهمين إياها بمحاولة التأثير على الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وبالنسبة للتهمة الثانية، القرصنة الإلكترونية، وبالرغم من نفي بوتين في اجتماعه مع لوبان لأي تدخل، إلا أن ماكرون أيضًا كان قد اتهم في فبراير (شباط) الماضي، روسيا بالتدخل في حملته، ومحاولة قرصنتها، وكان منير محجوبي، المسؤول عن الأمن الإلكتروني لحملة ماكرون، قد أعلن في تصريح لوكالة (أسوشيتد برس)، أن الموقع الإلكتروني لحملة ماكرون تم ضربه واختراقه لفترة وجيزة من الزمن، ولكن المخترقين والقراصنة لم يستطيعوا الدخول إلى قواعد البيانات على الموقع، والتي كانت محكمة الأمان.

وأعلن أيضًا أن حملة ماكرون الرئاسية سجَّلت الآلاف من محاولات الهجمات الإلكترونية من أجل قرصنة حسابات الحملة وأعضائها، والتي ثبت بعد ذلك أن حدوث معظم هذه الهجمات تم من مكان في أوكرانيا، والتي يشتبه أن تكون لروسيا يد فيها.

وفي هذا الأمر، رفضت ماريا كاتاسونوفا، الناشطة السياسية المقربة من لوبان، والمؤيدة لروسيا، الاتهامات التي أطلقها ماكرون وأعضاء حملته حول التدخل المزعوم لروسيا في الانتخابات الفرنسية، والتي وصفتها بأنها مزاعم غبية جدًا، على حد تعبيرها.

وقالت كاتاسونوفا: إن هذه المزاعم فشلت من قبل، وذلك بعد اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، مع عدم وجود إثبات، مشيرةً إلى أنها لُعبة يلعبها المرشحون المنافسون لمارين لوبان، الذين يحاولون استغلال هذا الأمر في الحملة الانتخابية، قائلةً: «لقد رأينا المجموعات الليبرالية التي نراها تتعذب الآن بعد فوز ترامب، والذين أعلنوا الحرب علانيةً على مارين لوبان».

التقارب بين لوبان وبوتين

ويظهر التقارب بين لوبان وبوتين في عدد من القضايا المختلفة، والتي تتقارب لرؤى لديهما حولها؛ فخلال اللقاء، أشاد بوتين بالسيدة لوبان، مؤكدًا أن لقاءه بها ما هو إلا لقاء بممثلة عن طيف متنامي من القوى السياسية في أوروبا في الوقت الحالي.

واتفق الطرفان حول عدد من القضايا أبرزها مناهضة الهجرة، ومناهضة سياسات الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن الرغبة في الدفاع عما يسمونه القيم الوطنية المحافظة ضد العولمة الغربية، وأكدت لوبان أنه حان الوقت لاسترجاع العلاقات الروسية الفرنسية؛ الثقافية، والاقتصادية، والاستراتيجية، خاصةً في الوقت الحالي، الذي يتشاركان فيه أيضًا مواجهة التهديدات الإرهابية المختلفة، بحسبها.

الجدير بالذكر أن لوبان، وجميع أفراد عائلتها، ومعظم أعضاء ومؤسسي حزب الجبهة الوطنية، كانوا قد زاروا روسيا أكثر من مرة، في أوقاتٍ عدة، على مدار السنين.

ومن دلائل التقارب أيضًا بين الطرفين هو انحياز لوبان إلى روسيا في قضية شبه جزيرة القرم، وهي القضية التي مثلت سببًا رئيسًا لتوتر العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي؛ حيث ناشدت لوبان الاتحاد الاوروبي برفع العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا بسبب دورها في الصراع الأوكراني، والذي انتهى بحيازة روسيا لشبه جزيرة القرم لاحقًا.

وقالت لوبان في أوقاتٍ سابقة خلال حملتها الانتخابية: إن شبه جزيرة القرم كانت دائمًا روسية، وأنها لم تكن لأوكرانيا يومًا واحدًا، مؤكدةً أن ما فعلته روسيا لا يمكن أن يسمى احتلال لشبه الجزيرة.

كما وصفت العقوبات المفروضة على روسيا بأنها عقوبات غبية تمامًا، وأنها تمثل عائقًا كبيرًا على الاتحاد الأوروبي؛ مشيرةً إلى أن هذه العقوبات جاءت بنتائج عكسية؛ فأدت إلى تأثر الاتحاد الأوروبي نفسه بهذه العقوبات، وليست روسيا.

هل تموِّل روسيا حملة لوبان الانتخابية؟

وقد قامت لوبان بنفسها بزيارة سابقة إلى روسيا عام 2014، والتي هدفت إلى حصولها على مبلغ يُقدَّر بحوالي تسعة ملايين يورو من أحد البنوك الروسية، والذي يعتبر أول بنك روسي تشيكي، وقد تم سحب الترخيص منه بالعمل لاحقًا.

وعند سؤال أحد الصحافيين للرئيس بوتين حول إمكانية تمويل أي من البنوك أو المؤسسات للمرشحة لوبان أو حزبها، خلال الانتخابات المقبلة، أجاب بأنه ليست لديه هذه المعلومة، وأنها لا يعرف شيئًا، في حين رفض المتحدث الرسمي باسم بوتين في لقاءٍ آخر احتمالية تقديم أي بنوك روسية عددًا من القروض للمساعدة في تمويل حملة لوبان الانتخابية.

وفي لقاءٍ للوبان بعد لقائها ببوتين، نفت أن تكون ناقشت أي موضوعات بخصوص تمويل روسيا لحزبها، أو لحملتها الانتخابية، وهو ما أكد عليه الكرملين أيضًا.

وكانت لوبان قد قالت في حوارٍ تليفزيوني أجرته مع قناة «يورو نيوز»، في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014، أنها معجبة بالرئيس بوتين، وأنها معجبة بمقاومته للحرب الباردة الجديدة التي يريد أن يفرضها الغرب عليه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد