ما هو الموقف الإسرائيلي من التدخل العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم؟ وهل موقف يهود أوكرانيا مختلف؟ وكيف ينظر اليهود لبوتين وهو يدعم بشار وإيران؟ ولماذا يرجح المحللون أن يستخدم الرئيس الروسي المخابراتيّ ورقة اليهود لفترة طويلة؟ وماذا عن حوادث معاداة السامية التي أثير اللغط حولها مؤخرًا؟ وهل لذلك كله أي علاقة بالاحتلال الصهيوني لفلسطين؟ هذه الأسئلة وغيرها تحاول هذه الجولة في أروقة الصحف الأجنبية الإجابة عنها:

نشرت أسبوعية الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان شبه جزيرة القرم تبدو وسيلة إلهاء مفيدة، قالت فيه إن: “الاحتلال الروسي الخاطف لشبه جزيرة القرم أصاب أوباما بالدوار، وخفَّف عن إسرائيل الضغوط الأمريكية لتسوية النزاع الفلسطيني.. كيف ذلك؟ عجز أمريكا عن منع احتلال بوتين للقرم سيصبَّ في مصلحة إسرائيل الحريصة على البقاء في الضفة الغربية، التي ستكون جزءًا من الدولة الفلسطينية الموعودة، بتعدادٍ يشبه تقريبًا عدد سكان جزيرة القرم، وهو ما أشار إليه ديبلوماسي إسرائيلي سابق بقوله: “الوضع في شبه جزيرة القرم يمدُّ كثيرين هنا بالأفكار”، وتطرَّق إليه مسئول دفاعي كبير، متحدثًا عن مزاعم روسيا التاريخية في شبه الجزيرة، مشيدًا في الوقت ذاته بإطاحة الجنرال عبد الفتاح السيسي بالرئيس الإسلامي المنتخب، وكأنها معجزة أرسلتها السماء؛ وفي كلا الحادثيْن، عجزت أمريكا عن عكس اتجاه السير”.

وفي 16 مارس الجاري، كتب إيسي ليبلر، الناشط الأسترالي اليميني، في صحيفة إسرائيل اليوم ذائعة الصيت، قائلاً: “من مصلحتنا الوطنية، بعيدًا عن أوهام المثالية، أن نعزز علاقتنا مع روسيا، التي يبدو أن رئيسها دمر الجسور مع قرونٍ من  القيصرية والبلشفية ومعاداة السامية وهاهو الآن يعرض الصداقة مع الشعب اليهودي”.

هذا التودد ليس مجرد مغازلة، فمواطني إسرائيل ذوي الخلفية السوفييتية البالغ عددهم مليون شخص يعززون هذه العلاقة، من بينهم وزير الخارجية، كما يشعر المسئولون الإسرائيليون أن روسيا قد تملأ الفراغ الذي أحدثه التراجع الأمريكي في الشرق الأوسط، بعدما تحولت سياسة بوتين الخارجية من الكوارث إلى النجاح بصدّ التهديدات العسكرية الأمريكية، والحفاظ على حليفها السوري في السلطة.

“فبعد سلسلة من النكسات، هاهو بوتين يحرز النجاحات واحدًا تلو الآخر، في مقابل أمريكا التي تخسر كل معاركها”، بحسب ألون ليئيل، المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، مضيفًا: “لما رأى العالم الضعف الأمريكي المزمن، والتردد في الضغط على الزناد، لم يعد أحد يخاف أوباما”.

وربما تشعر إسرائيل بحرية أكبر تجعلها قادرة على استعراض عضلاتها؛ لدرجة أن يهدد موشيه يعالون، وزير الدفاع الإسرائيلي، مرة أخرى بأن إسرائيل قد تذهب وحدها لوقف البرنامج النووي الإيراني. قائلاً للطلاب في تل أبيب يوم 17 مارس: “كنا نعتقد أن الولايات المتحدة هي من يجب عليها قيادة الحملة ضد إيران، لكن في هذه المسألة، علينا أن تعتمد على أنفسنا وكأننا نقف وحدنا”.

وفي جيروزاليم بوست كتب الحاخام الأمريكي الشهير شمولي بوتيتش مقالاً بعنوان “هل بوتين صديق لليهود يستحق للدعم” أكد فيه أن كثيرين من أبناء الطائفة اليهودية حول العالم يدعمون بوتين؛ لأنه يتعامل بصورة جيدة مع يهود روسيا، رغم أن كل ما يفعله الرجل يستحق الإدانة الدولية؛ بدءًا من قمع المعارضة بالسجن وصولاً للقتل. مستشهدًا بمسئولية بوتين الأساسية عن المتحف اليهودي في موسكو الذي تبلغ قيمته 50 مليون دولار، والذي تبرع له بشهرٍ من راتبه. مستدركًا بلهجةٍ ساخرة: “لا تقلق فالرجل الذي تقدر ثروته بـ 75 مليار دولار لن يموت من الجوع قريبًا”.

كما يتعامل بوتين مع طائفة تشاباد بصورة جيدة، ومنحهم اعترافًا رسميًّا، وهو يبدو أيضًا جيدًا بالنسبة لإسرائيل، التي يرى أن إقامة علاقات دبلوماسية قوية معها تمثل اتصالاً طبيعيًّا بروسيا؛ بالنظر إلى المجتمع الإسرائيلي المليونيّ الناطق بالروسية.

فهل ينبغي على الإسرائيليين أن يحبوا هذا الرجل؟ وهل تمثل أخلاقياته المتدهورة مشكلة في عالمٍ ليس فيه أصدقاء كثيرين؟ وهل يمكننا دعم أصدقائنا الطغاة إذا كانوا قتلة وغير أخلاقيين؟ هل يمكن للشعب اليهودي إقامة علاقات صداقة مع الرجل الذي يمثل درع الحماية للقاتل بشار قاتل الأطفال بالغاز؟ هل يمكننا إقامة علاقة مع الرجل الذي يسهل مثل هذا الشر؟ هذا هو السؤال ذاته الذي واجهته إسرائيل حينما أقامت علاقات مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا، هربًا من حملة المقاطعة العالمية واضطرارًا للبحث عن شركاء تجاريين، وهو ما كانت جنوب إفريقيا مستعدة لتقديمه حينها.

لكن بنظرة متفحصة ستجد أن بوتين ليس فقط صديقًا لإسرائيل، بل مصدر تهديد أيضًا؛ فمن هو المدافع الأول عن إيران في الأمم المتحدة غير روسيا؟ ألم يحذر غينادي غاتيلوف، نائب وزير الخارجية الروسي، إسرائيل في عام 2012 من “أي سيناريو عسكري محتمل ضد إيران”؟ مهددًا بأن النتائج ستكون “كارثية على المنطقة، وعلى نظام العلاقات الدولية برمته”.

ومع تهديد إيران بمحو إسرائيل من الوجود، يمكن للمرء أن يتساءل: كيف يمكن لبوتين أن يكون صديقًا لليهود وهو يحمي البرنامج النووي الإيراني، ويمنح طهران أسلحة متقدمة؟

الجواب بالطبع أن بوتين ليس لديه أصدقاء، إنه دكتاتور نرجسي مصاب بجنون العظمة، يزرع الصداقات فقط ليحصد تلميعًا لصورته، والوضع الراهن يتطلب أن يتظاهر بالاقتراب من اليهود.

حذارِ من الطغاة؛ فحين يسقطون ستتوجه أصابع الأخيار بالاتهام، وأنتم بالطبع لا تريدون أن تُصَوَّب نحوكم.

وفي المقابل نشر موقع وورلد سوشياليست مقالاً لجان شاؤول بعنوان “إسرائيل تدعم الانقلاب اليميني المتطرف في أوكرانيا“، قال فيه: “إن رد إسرائيل على الأزمة في أوكرانيا يشهد على حقيقة أن النخبة الحاكمة الإسرائيلية لا تدافع عن يهود العالم، كما يدّعون، ولكن عن الفئة الإسرائيلية الرأسمالية، والطبقة الاجتماعية الفاسدة والمرتشية التي تنفذ الهجمات الإجرامية ضد الفلسطينيين، وغيرهم من المتحالفين مع واشنطن. فأغنى 20 عائلة إسرائيلية تسيطر على قرابة نصف سوق الأوراق المالية و25% من الشركات الكبرى، لا سيما الصحف والبنوك وشركات التكنولوجيا المتطورة، عدد من هؤلاء الأوليجارشيين جاؤوا من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، بأموالٍ جمعوها من خصخصة الشركات المملوكة للدولة، ولطالما تحالفت هذه الفئة مع القوى الفاشية خارج إسرائيل؛ للدفاع عن مصالحها، وعلى الأخص مع حزب الكتائب في لبنان خلال الحرب الأهلية 1975-1989، وفي الآونة الأخيرة، لم تتورع عن دعم وتدريب والعمل مع الإسلاميين اليمينيين الذين تمولهم المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا ووكالة الاستخبارات المركزية في محاولةٍ لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، ولم تعارض الانقلابات، بعد أن عملت على نحو أوثق مع مصر منذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013 مقارنة بما كان عليه الوضع في عهد مبارك”.

أما “اليهود الذي قالوا لا لـ بوتين” فتحدث عنهم أنشيل فيفر في هاآرتس، مؤكدًا أن بوتين وحَّد اليهود ضده، وأن يهود أوكرانيا- الذين لا يعرف أحد عددهم على وجه الدقة – ما بين 70 ألفًا بحسب التعدادات الرسمية و500 ألف وفقًا للتقديرات غير الرسمية – ينفون نفيًا قاطعًا الدعاية الروسية التي تروج إلى أنهم تحت التهديد، ويطالبون بوتين بالتدخل المباشر باعتباره حامي حمى اليهود والأقليات الأخرى، وهو ما يتوافق مع الرسالة التي بُعِثَت إلى بوتين موقعة باسم الشعب المتعدد القوميات في أوكرانيا، بالنيابة عن مجتمع الأقليات القومية والدينية والجالية اليهودية، وجاء فيها: “نحن متيقنون بأنك لستَ مُضَللاً، بل تختار بنفسك وبعناية هذا الكم الهائل من الافتراءات الباطلة عن أوكرانيا”، وورد أيضًا في مقال لـ بول أميس بعنوان “يهود أوكرانيا يطالبون بوتين وحملات التشويه بالابتعاد” نشرته جلوبال بوست.

لكن هذا على الجانب الآخر يتناقض مع نداءٍ أطلقه موشيه رؤوفين أزمان، أحد حاخامات اليهود في أوكرانيا عبر صحيفة “معاريف” الإسرائيلية طلب فيه من اليهود مغادرة مركز المدينة، أو حتى مغادرة البلاد إن أمكن، قائلاً: “لا أقصد أن أدبّ الذعر في النفوس، لكن هناك تحذيرات مستمرة بشأن نوايا لمهاجمة المؤسسات اليهودية”، مردفًا بإغلاق مدارس الجالية اليهودية في أوكرانيا؛ بحجة أن السفارة الإسرائيلية طلبت من أفراد الجالية اليهودية تجنب الخروج من المنازل، خشية التعرض لاعتداءات، وهو ما وجد صدىً في تصريحات رئيس منظمة “المظلة” ليهود أوكرانيا، التي وصف فيها الأوضاع في كييف بـ”الكارثة”، وقال لوسائل إعلام عبرية “لقد اتصلنا بوزير الخارجية أفيجدور ليبرمان، وطلبنا النجدة لتأمين المجتمع اليهودي”.

جانبٌ من هذا التناقض تناوله ريتشارد برودسكي في مقالٍ نشرته هافينجتون بوست بعنوان “بوتين وأوكرانيا ومعاداة السامية: إنها حقيقية”، وتفسره إطلالة على مقال ديفيد فيشمان في صحيفة جويش ديلي فوروارد تحت عنوان “لماذا سيستمر فلاديمير بوتين باللعب بالورقة اليهودية في الأزمة أوكرانية”، وفيه يرى أن منع الغرب من تحقيق التوازن في أوكرانيا يمثل هدفًا في حد ذاته للكرملين، ويتقاطع – بحسب أيهم جبر- مع حرص الكرملين على أن يزيد من قلق العالم حيال ما يحدث في أوكرانيا، ناعتًا المتظاهرين في ميادين كييف بالفاشيين ومتهمًا إياهم بـ”معاداة السامية”، ويتلاقى مع موقف الساسة في تل أبيب الذي لجأ، لعقود، إلى بث الرهبة في قلوب الأوكرانيين اليهود لحثهم على الهجرة لفلسطين المحتلة، برغم أنه من الشائع عن اليهود في تلك البلاد ميلهم للهجرة إلى الولايات المتحدة، وهو ما يوضحه الكاتب أنشيل بفيفير في صحيفة هآرتس تحت عنوان “بوتين لن يستطع الاعتماد على يهود أوكرانيا، ولكنه سيعتمد دومًا على إسرائيل”، قائلاً: “في هذا الصراع، أصبحت إسرائيل ملاذًا آمنًا، كمنطقة محايدة، فالأوكرانيون باتوا يخشون أن يبقوا موجودين في بلد لن يُبقِي على رؤوسهم، ومع أن العديد منهم يملكون بيوتًا في غرب أوروبا، وخاصة في لندن، إلا أنهم طرحوا تساؤلاً منذ بدأ الاتحاد الأوروبي مناقشة تجميد أصول المقربين من النظام القديم، مفاده: لماذا المجازفة؟ إسرائيل تبعد بضع ساعات طيران من أوكرانيا، وهناك الكثير من الناطقين بالروسية. ولا شيء يدعو للقلق بشأن أي عقوبات؛ فإسرائيل لن تتخذ أي خطوة من شأنها أن تثير غضب أي من الجانبين، بما في ذلك عدم إدانة احتلال بوتين لأوكرانيا”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد