قائمة طويلة، لا يتوقف فيها تسجيل عمليات القتل والاغتيال وتشويه السمعة، هذه القائمة خاصة بالمعارضين الروس، من سياسيين ونشطاء والصحافيين وكُتاب، ممن ينتقدون الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.

يحكم بوتين الدولة بقبضة من حديد، وتتركز في يديه السلطات التنفيذية، ومع الطموح الخارجي المُستمر لروسيا بقيادة بوتين، لا يبدو أن صدر الرجل يسع كثيرًا لمعارضيه.

وفي الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2006، تناول المعارض الروسي ألكسندر ليتفيننكو كوبًا من الشاي في حانة فندق ميلينيوم بوسط لندن، كان بصحبته أندريه لوجوفوي، العميل السابق في جهاز الاستخبارات الروسية، والآن هو نائب عن حزب قومي، بالإضافة إلى رجل الأعمال الروسي، ديمتري كوفتون.

ليتفيننكو، وهو جاسوس سابق، شعر بألم ناجم عن تسممه بالبلوتونيوم المشع، والذي وُضع له في كوب شايه، وبعد معاناة استمرت ثلاثة أسابيع، توفي ليتفيننكو، في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2006، عن عمر 43 عامًا.

بعد عشرة أعوام من الحادثة، قال قاض بريطاني في 21 يناير (كانون الثاني) 2016، على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، «وافق على الأرجح»، على قتل ليتفيننكو، الذي اعتنق الإسلام قبل مقتله في لندن بالسم.

وأضاف القاضي: «أنا متأكد أن لوجوفوي، وكوفتون، وضعا مادة بولونيوم 210 في إبريق الشاي، في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2006، وأنا متأكد أنهما قاما بذلك بنية تسميم ليتفيننكو».

وأضاف القاضي معلومات أُخرى، تُفيد بأنه كانت هناك جُرعة أولى أضعف من البولونيوم وضعت لليتفيننكو في وقت سابق، قبل الجرعة القاتلة، التي وُضعت في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني).

كان سبب العقاب هذا الذي ناله ليتفينينكو، كونه قد صرّح في وقت سابق، بأن جهاز الأمن الفدرالي الروسي، خطط لسلسلة من التفجيرات في روسيا عام 1999، أسفرت عن مقتل المئات، وأدت إلى غزو روسيا للشيشان.

على النقيض، كان المعارض الروسي فلاديمير كارامورزا محظوظًا، لأنه نجى من الموت بعد تسممه. يقول كارامورزا  عن هذا: «لا نعلم السبب وراء التسمم بالضبط، إلا أننا نعلم أنه (التسمم) تم بطريقة معقدة، وبمواد فقط يمكن أن تملكها القوات الخاصة أو أشخاص على صلة بالقوات الخاصة». وهذه طريقة يتخلص بها النظام الروسي من مُعارضيه.

القتل والاغتيال داخل روسيا وفي سجونها

في 27 من فبراير (شباط) 2015، قُتل زعيم المعارضة الروسية، بوريس نيمتسوف، رميًا بالرصاص قرب الكرملين، وكان من المفترض بعد يومين من اغتياله، أن يقود تظاهرة مُعارضة ضخمة، قد رُتّب لها مُسبقًا. الرجل الذي تحول إلى معارض سياسي مع وصول بوتين إلى الحكم، أصيب في رأسه بأربع رصاصات، أطلقت عليه من مسدس لاذ صاحبه بالفرار.

يعلق الكاتب شون واكر، في مقال نشر له بصحيفة «أوبزرفر» البريطانية، على اغتيال نيمتسوف، بالقول إن «مشهد دماء نيمتسوف، المناهض للفساد والمنتقد الدائم لسياسات بوتين، بالقرب من القصر الرئاسي في موسكو يغني عن التعليق»، مُشيرًا إلى أن بعض أصابع الاتهام في قضية الاغتيال هذه، تتجه نحو بوتين، وذلك «للتخلص من نيمتسوف وأفكاره المناهضة لسياسات الحكومة».

ويستشهد الكاتب في مقاله المعنون بـ«أي معارض للنظام الروسي خائن في نظر الدولة والإعلام»، بتصريح بوتين: «الخط الفاصل بين الطابور الخامس أو العملاء لدول أخرى والمعارضة رفيع للغاية ويصعب تمييزه».

وإذا ما كان نيمتسوف أبرز من اغتيل في العام 2015، فقد شكل مقتل رجل الأعمال الروسي، بوريس بيريزوفسكي، ضجة أُخرى، إذ كان الرجل قد اتهم الكرملين بالتورط في تسميم ألكسندر ليتفينينكو، كما كان مُقربًا من عائلته، قبل أن يلقى حتفه شنقًا. وإلى الآن لم يُحدد الطب الشرعي إذا ما كان شنقه انتحارًا أو قتلًا مُدبرًا.

مُعارضون روس آخرون، لقوا حتفهم في السجون، بينهم سيرجي ماجنيتسكي، الذي لقي حتفه في السجن، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، بعد توقيفه من قبل السلطات الروسية، وقد أشارت تقارير إعلامية إلى أنّه لقي حتفه بسبب التعذيب.

رُعب الأثرياء الروس الهاربين

في أواخر العام الماضي، طالبت روسيا بإصدار مذكرة اعتقال دولية، بحق ميخائيل خودوروفسكي، رجل الأعمال، وبارون النفط الروسي، كما يُطلق عليه؛ وذلك لاتهامه بإصدار أوامر لأتباعه، بقتل محافظ نيفتيوجانسك، عام 1998.

هذه التهمة التي لحقت برجل الأعمال الروسي، جاءت بعد يومين من دعوته لثورة ضد ما أسماه بـ«التشريع القمعي»، الذي كان سببًا في إلقائه بالسجن لعشر سنوات، بتهم تتعلق بالفساد المالي والتهرب الضريبي.

يقول خودوروفسكي، الذي يعيش في سويسرا الآن: «لقد أصيبوا بالجنون، في الأمس كنت أتفهم ما يحصل، لكنهم يحققون مع جيران كانوا يبلغون من العمر عشرة أعوام بالتزامن مع هذه القضية، ما هي الأدلة التي نحتاجها أكثر؟ اعتقال غيابي بدون أي حقائق أو أدلة، في هذا الوضع قد يبدو هذا كله مبررًا، طالما يتم الحفاظ على سلامة هؤلاء الآخرين».

ومنذ مدة، والنظام الروسي يسلك نهج ملاحقة المعارضين الأثرياء، ففضلًا عن كونهم مُعارضين سياسيين، باتت أموالهم المستثمرة في الخارج غالبًا تُهمة، وقد هُددوا عدة بالمرات بفرض غرامات تهرب ضريبي عليهم، إذا لم يعودوا إلى روسيا.

وفرضت القوانين الضريبية الجديدة في روسيا، ضريبة جديدة، تُسمى ضريبة أرباح، بسنبة 13% على الشركات والصناديق المالية التابعة لها، وقد ترتفع النسبة إلى 20% حال ثبت للسلطة القضائية، أن تلك الشركات تُدار من داخل البلاد، وليس لها أصول أو موظفون خارجها.

ويعجل الأثرياء الروس بالهرب، بخاصة إلى بريطانيا، وذلك بشراء عقارات باهظة الثمن، لضمان الحصول على تأشيرة الدخول والإقامة، وغالبًا ما يحصلون عليها بأسماء زوجاتهم، لعدم لفت النظر إليهم.

تعد إسرائيل أيضًا ملجأً للأثرياء الروس، اليهود بخاصة، وذلك لتبييض أموالهم، وبحثًا عن الأمن الشخصي. وتذكر مجلة «إيكونوميست» الاقتصادية البريطانية، أن كثيرًا من الأثرياء الروس اليهود، المقيمين في إسرائيل، يُشددون من إجراءات الحراسة حولهم، والتي قد تصل إلى فحص كل ما يتناولونه من طعام أو شراب، خوفًا على أمنهم الشخصي بسبب ما وصفته المجلة بـ«النزاع مع الرئيس الروسي، أو مع مراكز قوى روسية أُخرى».

تشويه السمعة

في مايو (أيار) الماضي، لم تتردد القناة التلفزيونية الروسية «NTV» بنشر مقطع فيديو جنسي، للمعارض الروسي، ميخائيل كاسيانوف، فيما فُسر أنه جاء لإثنائه عن الدخول في المنافسة الرئاسية. تلك الضربة شملت أيضًا المعارضة الروسية ناتاليا بيليفين، التي ظهرت في نفس المقطع مع كاسيانوف شبه عارية، وقد صُوّرا بكاميرا خفيّة.

واعتادت السلطات الروسية، نشر مقاطع فيديو جنسية خاصة، لمعارضيها، أو من تريد التخلص منهم على الساحة السياسية، من بين هؤلاء يوري سكوارتوف، رئيس النيابة العامة في عهد بوريس يلتسين، مما اضطره إلى تقديم استقالته، بعد أن هُدد بنشر مقطع فيديو جنسي مُصور له، على شاشات التلفاز الروسية. كما أُطيح بوزير العدل وقتها، فالنتين كوفاليوف، بعد بث مقطع فيديو له، أجبره على تقديم استقالته.

نصيب الصحافيين الروس

بالأمس عُثر على الصحافي الروسي ألكسندر شيتينين، مقتولًا بالرصاص بشقته في العاصمة الأوكرانية كييف. واكتشف أمر مقتله، عندنا وصل أصدقاؤه إلى منزله للاحتفال بعيد ميلاده، ليجدوه جثة هامدة في شرفة منزله، ورصاصة قد اخترقت رأسه.

ورفض أصدقاء شيتينين (54 عامًا)، التقرير المبدئي للشرطة الأوكرانية، والذي قال إنه قد لقي حتفه انتحارًا. وعُرف عن الصحافي الروسي انتقاده لبوتين بشكل متزايد، خاصة بعد انتقاله إلى أوكرانيا عام 2014، بعد أن قدّم استقالته من وكالة الأنباء الروسية «ريا»، اعتراضًا على ما أسماه «تدخل الكرملين في شؤون تحرير الأخبار»، وهُناك في أُوكرانيا، اشتدت حملته ضد بوتين، واصفًا إياه بـ«الدكتاتور الفاشي»، و«العدو الشخصي».

وسبق مقتل شيتينين، بشهر واحد، مقتل الصحافي المُعارض، بافل شيريميت، الذي لقي حتفه في انفجار سيارة ملغومة في كييف أيضًا. وبالجملة، كان للصحافيين نصيب كبير من عمليات اغتيال المعارضين في عهد بوتين، سواءً داخل روسيا أو خارجها.

وقُتل أكثر من 32 صحافيًا، دون أن يُسجل القبض على أي مُتورط في عملية القتل، وحُفظت معظمها على أنها عمليات انتحار.

من بين هؤلاء أيضًا، صحافيات روسيات، مثل الصحافية آنا بوليتكوفسكايا التي قتلت في مصعد منزلها بهجوم مسلح يوم السابع من أكتوبر (تشرين أول) 2006، كانت معارضتها لبوتين لا تتعدى كتابة مقالات حول قضايا انتهاك حقوق الإنسان، وخاصة في الشيشان، لكن مصيرها كان القتل أيضًا. كما قتلت ناتاليا إستيميروفا، وهي صحافية متخصصة في متابعة انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها السلطات الروسية في الشيشان، وقد تم اختطافها من أمام منزلها، ثم عثر عليها لاحقا ميتة في إحدى الغابات بعد إصابتها برصاصة في الرأس، ولم يتم تحديد القتلة.

كما أنه من أبرز الصحفيين المعارضين الذين قتلوا مؤخرًا، وتحديدًا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، المستشار الإعلامي الروسي السابق «ميخائيل ليسين»، تلقى ليسين ضربة قوية على الرأس، فتوفي على إثرها في غرفته في منزله في واشنطن، وحسب موقع «بيزنس إنسايدر» الأمريكي فإن وسائل الإعلام قد تحدثت أن ليسين كان يفكر في عقد اتفاق مع مكتب التحقيقات الفيدرالية في الولايات المتحدة، لحمايته من السلطات الروسية. وقال تقرير الموقع إن «ليسين، الذي عمل لسنوات في قلب الحياة السياسية الروسية، كان عارفًا بالكثير من أسرار وقضايا الأثرياء والماسكين بزمام السلطة في موسكو».

عرض التعليقات
تحميل المزيد