يعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رجلًا مخيفًا بالنسبة لمعظم الدول الغربية؛ كما أن علاقاته الطيبة مع عصابات الانفصاليين الأوكرانيين قد لطخت صورته أمام العالم الديمقراطي. في نوفمبر، تحتم على بوتين أن يجلس وحيدا في قمة G20 في أستراليا، بعد أن تجاهله كل القادة هناك تقريبا.

لكن الاستقبال الذي حظي به في مصر الأسبوع الماضي كان مختلفا كثيرا. انطلقت وسائل الإعلام الرسمية المصرية تمجد الرئيس بوتين وامتلأت شوارع القاهرة بصوره، بل إن إحدى الجرائد نشرت صورة له عارية الجذع، كما أشرق وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما قدم له ضيفه بندقية كلاشينكوف هدية.

الزيارة حصلت على كثير من اهتمام المحللين. بالطبع، الديكتاتورية الوليدة للسيسي لا تحظى بدعم أمريكي كاف، لهذا يحاول السيسي إظهار أنه يستطيع العثور على أصدقاء جدد في أماكن أخرى، فقط إذا أراد. يمكن فهم بعضٍ مما وراء الزيارة من تتبع الصحف الرسمية. نشرت الأهرام، وهي صحيفة ناطقة باسم نظام السيسي؛ رسالة تعظيم من ألف كلمة إلى بوتين، تتبعت رحلة صعوده مذ كان ضابط استخبارات بسيطًا، إلى أن صار الرجل القوي الذي أعاد لروسيا اعتبارها في العالم، ساخرا من الأمريكيين طوال رحلته على حد تعبير الصحيفة. مراسلة واشنطن بوست إيرين كوننينجهام أشارت إلى أن الرئيس السيسي الذي بدأ رحلته المهنية كضابط مخابرات أيضا، لا يمكن أن لا يكون سعيدا بتشبيهه بلاعب الجودو، صائد النمور، البطل الروسي، بوتين. هو أيضا يحب أن يتم تصويره باعتباره الرجل البطل، قامع المعارضة الذي وقف في وجه الغرب.

السيسي ليس الوحيد الذي ظهرت عليه علامات إعجاب جادة ببوتين، ففي بعض الأوساط الدبلوماسية حصل بوتين على تعبيرات إعجاب تجاوزت حد الأعراف الدبلوماسية.

في الحقيقة معظم الدول لديها أسباب اقتصادية جادة لتملق بيجين، مع هذا يندر تماما أن يحاول زعماء العالم الظهور في مظهر الرئيس الصيني تشي جين بينغ. بل إن بوتين نفسه يحظى ببعض انبهار مواطنين صينيين عاديين. أظهر استطلاع رأي صيني حديث أن بوتين يحظى بقبول ما يزيد على 92% من الشعب الصيني، كما أن سيرة حياته التي كتبها عنه كاتب صيني تجاوزت مبيعاتها بكثير تلك التي كتبها نفس الكاتب عن حياة باراك أوباما، مارجريت تاتشر أو نيلسون مانديلا.

لنلقِ مثلا نظرة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أشاد كثيرا بالرئيس الروسي. ربما لأنه يعتبر سيرة حياة بوتين مرجعا في كيفية دحر الديمقراطية واستبدالها باستبدادية قومية تحافظ على الدين و”القيم المحافظة”، في حالة أردوغان فإن الدين المقصود هو الإسلام. لكنها ربما ليست تفصيلة مهمة. تماما مثلما يحرص ضابط الكي جي بي السابق بوتين على تصوير نفسه كمسيحي أرثوذكسي متدين، يعرض أردوغان نفسه كمؤمن مُخْلِص متمسك بالتقاليد، يزدري بلا مبالاة التوجهات السياسية الأخرى.

الشعب الروسي يحب بوتين، رشحه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لنيل جائزة نوبل للسلام، أشاد الرئيس الأرجنتيني بموقفه من الإعلام وبضمه لشبه جزيرة القرم، كما فاحت بوضوح رائحة التأثر بكاريزما بوتين من خطاب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، حيث أشاد بفضائل “الديمقراطية غير الليبرالية”، والتي يعني بها على ما يبدو نوعًا من الاستبداد الناعم مبنيًا في الأصل على موافقة الأغلبية، فالنسخ الروسية والتركية من الاستبداد مثلا مدعومة بانتخابات دورية. (أتعجب إذا كان أصدقاء أوربان في الاتحاد الأوروبي لا يتساءلون عما إذا كان أوربان ينتمي لهم بالفعل).

لكن ليست الأيديولوجيات وحدها هي محرك المهووسين بالزعيم الروسي. في الواقع ثمة ظاهرة واسعة الانتشار تدعى “جنون بوتين”. في بريطانيا مثلا، عبّر القومي الإنجليزي نايجل فاراج والقومي الأسكتلندي أليكس سالموند عن مشاعرهم الكبيرة للزعيم الروسي، كما يحظى بوتين بتعاطف يمينيين متطرفين (مارين لوبان في فرنسا) ويساريين متطرفين (أليكسيس تسيبراس رئيس الوزراء اليوناني الجديد ورئيس حزب سيريزا المناهض للتقشف). في الولايات المتحدة يتراوح المدافعون عنه بين نجوم هوليوود وأساتذة الجامعات والمحافظين المناهضين للمثلية الجنسية.

السر في جاذبية بوتين الفائقة يبدو شديد البساطة: إذا كنت تكره الهيمنة الأمريكية وكل ما يتعلق بتدخلها في جميع شؤون العالم (الاقتصاد الحر، حقوق المثليين، الحلقات اللانهائية من مسلسل عائلة سمبسون) فإنك ربما ستنجذب للزعيم الروسي. الحزب الشيوعي الصيني؟ ممل أكثر مما ينبغي. آيات الله الإيرانيون؟ متدينون أكثر مما ينبغي. الفنزويليون، البيلاروسيون، السوادنيون؟ ليس أمرهم جادا تماما. لكن روسيا بوتين كبيرة، ماكرة وفائقة التسليح. مع نكهة شعبية وغرور الفاشية الجديدة، من يكره هذا؟

الأهم من ذلك كله أن فلاديمير لا يخشى أبدا أن يعرض نفسه بأشكال غير مألوفة لتحقيق أهدافه. على الرغم من كونه رجل دولة رصينًا، فهو يسعد أيضا بانتحال أدوار أخرى عندما يناسبه هذا. أخبر الكتاب لسيرة حياته أنه كان شابا ماجنا، كما حرص على تصوير نفسه مع سائقي الدراجات. هو رجل غير مبالٍ يسخر من نسوية كلينتون، كما يطلق نكاتًا ساخرة عن الاغتصاب. ربما هي حقيقة محزنة عن النفس البشرية، لكن الكثير من الأشخاص يجدون هذا النوع من السخافات مثيرًا.

ربما ظاهرة هوس بوتين مرتبطة بسلوك عام أكثر من كونها مرتبطة بالسياسة وحسب. في هذا السياق لا يمكن اعتبار تصريحاته العدائية المتكررة أمرا اعتباطيًا عفويًا. إنها جزء أساسي من إستراتيجية ترهيب مدروسة بعناية. تماما كما فيديوهات قطع الرؤوس التي تنشرها داعش لتهدد الخصوم وتحوز على إعجاب المؤيدين.

لكن على الرغم من كل قرابين الولاء التي يقدمها أصدقاؤه له بسخاء، فإن روسيا بوتين تزيد انعزالاً كما لم تكن منذ نهاية الثمانينات. ليس هذا فحسب، بل إنه بعد العقوبات الغربية وانهيار أسعار النفط، فإن غرور رجل الكريميلن يبدو أجوف بشكل متزايد. لا أحد يعرف، قريبا قد يكون هذا الغرور كل ما بقي له.

عرض التعليقات
تحميل المزيد