اعتبر أدريان كارنيكي، المدير السابق لمنظمة فريدم هاوس – في مقال له بصحيفة الواشنطن بوست نشر في الثالث عشر من مارس الماضي – أنه بالرغم من أن النتائج النهائية لاحتلال شبه جزيرة القرم من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يتم تسويتها بعد, إلا أن التحركات العسكرية الروسية قد مهدت الطريق نحو ما أسماه الوحدة الوطنية بين الأوكرانيين جنبًا إلى جنب مع إفساح المجال أمام  القادة الجدد لاتخاذ مواقف أكثر اعتدالاً, متسائلاً عن حقيقة الدوافع الروسية لاحتلال وتقسيم المناطق الأوكرانية الناطقة باللغة الروسية.

وأضاف كارنيكي بأنه ما إن تمت الإطاحة بنظام الرئيس الأوكراني فيكتور يانكوفيتش حتى تم الضغط من قبل الغالبية البرلمانية ومجموعات اليمين المتطرف لإقرار العدالة الثورية بل والإفراج ليس فقط عن السجناء السياسيين مثل زعيمة المعارضة الأوكرانية يوليا تيموشينكو، ولكن أيضًا عن مجموعة من نشطاء اليمين المتطرف ممن تمت إدانتهم بتهم جنائية مختلفة، ضمن عدد من الخطوات التي قوبلت بدعم من البرلمان الذي قام أيضًا بإلغاء التشريعات التي كان يتم بموجبها حماية الأقليات الناطقة بلغات أخرى ومن بينها الأقليات الناطقة بالروسية في جنوب وشرق أوكرانيا، التي شهدت عددًا من الاحتجاجات الموالية لروسيا في مدن غانسك، ودونيتسك، وخاركييف وسيفاستوبول، بل والسيطرة على المباني الحكومية اعتراضًا على هذه الإجراءات الثورية والتحركات التي تفاقمت في ظل التقارير التلفزيونية التي تحدثت عن تحرك عصابات اليمين المتطرف للقيام بأعمال عنف ضد الأقليات العرقية والناطقة باللغة الروسية وهو ما خلف موجة من الذعر في جنوب وشرق أوكرانيا.

وأشار كارنيكي إلى أن الحكومة الأوكرانية المؤقتة شرعت في تبني مواقف مغايرة أمام هذه التطورات، خاصة مع الأنباء التي تحدثت عن قيام الجانب الروسي بإرسال الآلاف من المتظاهرين إلى الداخل الأوكراني والتدخل المباشر في الصراع السياسي الأوكراني، وهو ما حدا بالحكومة المؤقتة أن تغير من مسار التعاطي مع الأزمة من خلال عدد من المواقف لعل أهمها هو الإعلان عن احترام الأقليات العرقية الروسية والأرمن واليهود, كما تم الدفاع عن اللغة الروسية في المدن القومية الواقعة غرب أوكرانيا، وهو ما بدا في استجابة سكان مدينة لفيف الأوكرانية للدعوة التي أطلقها عمدة المدينة الإصلاحي لتخصيص يوم يتحدث فيه السكان باللغة الروسية, بالإضافة إلى مبادرة القيادة في كييف نحو ترشيح قادة محليين لتولي مقاليد الحكم في المناطق الشرقية والغربية.

ووفقًا لكارنيكي, فقد تقلصت حدة الاحتجاجات المطالبة بإنشاء اتحاد فيدرالي أو حتى الوحدة مع روسيا منذ احتلال شبه جزيرة القرم، بالرغم من الاحتجاجات والتظاهرات التي قامت بها عدد من الجماعات الموالية لروسيا في مدينتي دونيتسك وخاركييف والتي يتم دفعها بشكل واضح من قبل عملاء من روسيا وهو ما خلّف موجة من الغضب لدى السكان المحليين.

وأبرز كارنيكي في هذا الصدد النتائج التي كشفت عنها استطلاعات الرأي التي أظهرت موافقة ستين في المائة من الجمهور على إعادة تشكيل الحكومة والبرلمان وتأييد الإجراءات البرلمانية التي أطاحت بيانكوفيتش في مقابل معارضة بلغت نسبتها تسعة عشر في المائة, كما كشفت النتائج أيضًا عن الدعم القوي للمرشحين المعتدلين الذين يسعون نحو التسامح العرقي والثقافي ودعم التكامل مع الاتحاد الأوروبي.

ورصد كارنيكي نتائج الاستطلاع الذي قام به مركز أوكرانيا للبحوث الاجتماعية والتسويق (SOCIO) والتي أظهرت أن ما نسبته ثلاثين في المائة من الأوكرانيين لم يقرروا إذا ما كانوا ينتوون التصويت في الانتخابات الرئاسية المقبلة والمقررة في الخامس والعشرين من شهر مايو المقبل، والتي كشفت نتائج الاستطلاع بشأنها أيضًا أن الملياردير بيترو شينكو يحظى بنسبة تأييد بلغت 31%, بينما يحظى الملاكم السابق فيتالي كليتشكو، الذي يرأس الحزب الاجتماعي التحرري بنسبة 21% في الوقت الذي بلغت فيه نسبة تأييد بعض السياسيين المعتدلين الآخرين 24% وهو ما يشير إلى أن ثلاثة أرباع الناخبين الأوكرانيين يدعمون الاتجاه البراجماتي الذي برز بقوة عقب الإطاحة بيانكوفيتش في أوكرانيا.

ونقل كارنيكي أيضًا تصريحات القائم بأعمال رئيس الوزراء الأوكراني أرسني ياتسينوك والتي أعلن من خلالها عن أن دعم أوكرانيا لإجراء استفتاء يخضع للرقابة الدولية في شبه جزيرة القرم مرهون بانسحاب القوات الروسية والعصابات المسلحة من القرم.

وأكد كارنيكي على أن مواقف يانكوفيتش – الذي لا يزال يدّعي أنه الحاكم الفعلي للبلاد – بالإضافة إلى الغزو الروسي للقرم كشفت عن الإدارة السيئة للنظام السابق على الصعيد الاقتصادي ودعمت من مبادئ الوحدة بين الأوكرانيين، وهو ما أفضى بدوره إلى تحجيم الدور الروسي وسعيه نحو إثارة الفوضى في الداخل الأوكراني.

واختتم الكاتب المقال بقوله إن بوتين منح الفرصة للشعب الأوكراني للسعي نحو تبني مبادئ التفاهم المشترك والتضامن والاعتدال والتعاون وهو ما يبشر بظهور دولة أوربية حديثة تنعم بالاستقرار والديمقراطية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد