ملفات عدة فتحت بين كلٍّ من روسيا ومصر خلال الزيارة الأولى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مصر منذ عشر سنوات، وصف الرئيسي المصري عبد الفتاح السيسي – الذي ترك المصريين يبكون ضحايا مجزرة ستاد الدفاع الجوي، وذهب مع بوتين لحضور عرضٍ فني في دار الأوبرا المصرية – الرئيسَ الروسي  بأنه “الزعيم المتميز والقوي” الذي قدم الكثير لبلاده، وهو وصف مناسب لبوتين، الذي يعد من أوائل المؤيدين السياسيين للسلطة العسكرية في القاهرة، وهو مَنْ سبق أن أعلن تأييده ترشح السيسي للرئاسة.

Untitled

تلك الزيارة التي جاءت ضمن عدة تحركات تؤكد على التقارب المصري الروسي؛ تحمل رسائل لعدة أطراف إقليمية ودولية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. التقرير التالي لـ”ساسة بوست” يتناول أربعة أهداف لهذا التقارب الروسي المصري.

1- علاقات فاترة مع الولايات المتحدة

ربما يهدف التقارب الروسي المصري إلى كسْر هيْبة الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا التقارب سيخصم من نصيب الإدارة الأمريكية بمصر ويثبت أن الإدارة الأمريكية لا تملِك كل أوراق اللعبة في مصر، خاصة مع ضجر السلطة العسكرية في مصر من الحسابات المعقدة للإدارة الأمريكية بشأن التعامل مع مصر، حيث ترفض الولايات المتحدة أن تعلن وقوفها الصريح خلف النظام في مصر بسبب سجله الحقوقي السيء، وبسبب غياب ممارسة ديمقراطية ناجعة، في حين تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على علاقاتها مع مصر كشريك رئيسي على المستوى الأمني، وفي المقابل ترغب روسيا في رد الصفعة التي تلقتها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بعد تحطم قيمة عملتها بفعل انخفاض عائدات النفط.

يعتقد الخبير السياسي والأكاديمي الدكتور علاء عبد الحفيظ، أن التطوّر الحادث في العلاقات المصرية – الروسية، سببه الأساسي حالة الوهن التي تعتري العلاقات المصرية – الأمريكية مؤخرا، عقِب تعليق المساعدات العسكرية والتي كان من بينها قِطع غِيار مهمّة للطائرات، التي كانت القوات المسلّحة تستخدِمها في حملتها العسكرية لمكافحة الإرهاب في سيناء، ورفض الكونغرس اعتماد مساعدات مالية بحوالي 60 مليون دولار.

أما المحلل الروسي نيقولاي سوركوف فيقول: “لا تفوّت موسكو فرصة حرمان أميركا من حليف مهم، مثل مصر، أو على الأقل إضعاف موقفها في الشرق الأوسط، ولو قليلا. ومن أجل ذلك، تقدم عروض أسلحة لمصر بأسعار مخفضة، وتعرض عليها صواريخ إس 300 التي كان بشار الأسد موعودًا بها، وتوافق على إحداث منطقة تجارة حرة معها”.

من جهته، يرى كبير باحثي معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، البروفيسور غيورغي ميرسكي، أن “من المهم للسيسي إظهار أنه بخلاف حسني مبارك، الذي كان يعد صديقًا لأميركا، سينتهج سياسة مستقلة تمامًا، وتقديره في هذا الإطار صحيح في اختياره الزيارة الأولى لروسيا، فهي ستساعده في ترك انطباع لدى المصريين بأنه لن يراهن فقط على الغرب والولايات المتحدة، وأنه مثل جمال عبد الناصر يرى في روسيا قوة دولية تواجه الهيمنة الأميركية”.

2- موقف موحد من الإخوان المسلمين

يبدو أن القيادة الروسية تسير على نهج موحد مع القيادة المصرية الجديدة بشأن النظر إلى جماعة الإخوان المسلمين، ففي شباط/ فبراير 2003، حظرت “المحكمة العليا الروسية” «الجماعة» من العمل في الاتحاد واصفةً إياها رسميًا منظمة إرهابية. ومنذ فترة طويلة، كانت «الجماعة» تطرح مشكلة بالنسبة إلى روسيا، إذ غالبًا ما تدّعي موسكو أن «الإخوان» يساعدون على تسليح الإسلاميين المتطرفين في شمال القوقاز الذين يستمرون حاليًا في زعزعة استقرار المنطقة.

ورغم أن روسيا سعت إلى تحسين علاقتها بمرسي بعد توليه للرئاسة، لاستعادة نفوذها في العالم العربي مستغلة رغبة مرسي في الخروج من الهيمنة الأمريكية، إلا أن التقارب لم يؤت ثمارًا فعلية، فبحسب معهد واشنطن فإن موسكو تفضل التعامل مع حكومة علمانية في مصر،  نظرًا إلى مخاوفها الداخلية الخاصة المعلقة بالإسلاميين المتطرفين. وبالتالي، فبالنسبة إلى بوتين، إن العلاقات مع السيسي تخلق ببساطة متاعب أقل من تلك التي كانت قائمة مع مرسي.

على الجانب الآخر، تعتقد السلطة في مصر أن الحكومة قد أدارت لها ظهرها فيما يتعلق بمعركتها ضد ما تصفه بـ”الإرهاب”، حيث لا تزال واشنطن تناور مصر بشأن استئناف المساعدات العسكرية رغم الوساطات الخارجية، كما أن واشنطن قد استقبلت مؤخرًا وفدًا من المعارضين للنظام في مصر الذين التقوا بأعضاء بارزين في الكونجرس، ما يجعل القاهرة تعتقد أنه لا يمكنها أن تلقي بثقلها خلف الدعم المتردد للإدارة الأمريكية.

وفي هذا السياق، يعزز موقف روسيا من جماعة «الإخوان» من مصداقية موسكو في نظر القاهرة، في حين يقلل من مصداقية الولايات المتحدة. فالكرملين لن ينتقد القاهرة بسبب نزعتها السلطوية، الأمر الذي يجعل العلاقات مع روسيا أسهل كثيرًا من وجهة نظر مصر ويتيح خيارات أمام القاهرة إذا ما أصبح خيار واشنطن حرجًا للغاية.

3- عقد صفقات توريد سلاح لمصر

توقف توريد السلاح من الاتحاد السوفييتي إلى مصر عام 1974، وذلك بعد أن انتقلت مصر للاعتماد السياسي، العسكري والاقتصادي على الولايات المتحدة، بما في ذلك على السلاح الأميركي.

سؤال مهم يُطرَح بمجرد الحديث عن التقارب الروسي المصري: هل الاتصالات بين الدولتين ستولد صفقة سلاح كبيرة بينهما؟ هناك حديث عن قرار  النظام المصري الحالي – بعد أشهر طويلة من تسلمه الحكم – التوقيع على صفقة سلاح كبرى مع روسيا، ومعروف أن مصر وقعت عقود صفقة أسلحة مع روسيا بقيمة 3.5 مليار دولار خلال العام الماضي، ولم تدخل صفقة الأسلحة بين الجانبين حيز التنفيذ حتى الآن، حيث أن الصفقة كان سيتم تمويلها من جانب السعودية، والإمارات، إلا أن الدولتين لم تسددا الأموال المطلوبة منهما حتى الآن.

لذا فإن آلية وصول الشحنات العسكرية هي الملف الأهم والأبرز الذي جمع السيسي بنظيره الروسي، إضافة إلى أهمية اكتمال الترتيبات لإجراء تدريبات عسكرية مشتركة ضد الإرهاب والقرصنة، وخصوصًا في سيناء، فضلاً عن توسيع التعاون بين القوات الجوية.

وتشير صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” إلى أن مصر مهتمة في المقام الأول بشراء نظم الدفاع ومنها “س 300″ والطائرات العسكرية، وأردفت “نيزافيسيمايا غازيتا”: “إذا رفضت الرياض أو تحفظت على تلك الخطوة، فإن موسكو على استعداد للنظر في تقديم قرض لمصر”.

ومما لا شك فيه أن روسيا معنية بمثل هذه الصفقة، لأنه حسب المحللين، يعد ذلك إنجازًا هامًا سواء لمجرد عودتها إلى سوق السلاح في مصر، وتعتقد أن ذلك سيعطي دفعة قوية إلى الدول العربية التي تعتمد على سلاح غربي بأن صفقة السلاح مع روسيا جديرة وشرعية، ويمكن للصفقة بالتالي أن تشكل جسرًا متجددًا لنفوذ روسيا في العالم العربي، مثلما حصل أيضًا في منتصف الخمسينات.

4- تعزيز العلاقات الاقتصادية في ظل الأزمات التي يعاني منها البلدان

يبدو البلدان يعانيان وضعًا اقتصاديًا منهكًا، فالعملة الروسية فقدت ربع قيمتها بسبب انخفاض أسعار النفط، ويرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بإمكانه عقد تداولات مباشرة مع مصر بالعملات المحلية متجاوزًا الدولار، ولكن الأمر ينطوي على صعوبات ليست هينة.

استغلت روسيا تراجع العلاقات بين القاهرة من جانب، والولايات المتحدة وأوروبا من جانب آخر؛ في زيادة التعاون الاقتصادي مع مصر، لذا تحسنت العلاقات المصرية الروسية عقب أحداث 3 يوليو، حتي أن حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا بلغ 4 مليارات دولار في الفترة من شهر يناير وحتى ديسمبر 2014، منها 4.1 مليار دولار صادرات روسية إلى مصر.

وتؤكد مصادر مصرية أن زيارة بوتين تهدف لتوقيع عدّة بروتوكولات تعاون مع الرئيس المصري ووزراء الدولتين، أبرزها دعم إنشاء محطة نووية لاستخدامات الطاقة السلمية بخبرات وتقنيات روسية، بهدف تعظيم توليد الكهرباء والبحث عن حلول بديلة لأزمة الطاقة التي تعاني منها مصر، كما تشمل البروتوكولات السماح للشركات الروسية بخوض مجال إنشاء محطات توليد الكهرباء من الطاقة الجديدة والمتجدّدة بالتعاون مع الشركة الحكومية المصرية، التي ستشتري الطاقة من هذه المحطات.

كما ستعمل روسيا على تقديم مساعدات روسية لبعض المصانع الحكومية المصرية المتعثرة، وفي مقدّمتها شركة الحديد والصلب بحلوان، وكذلك اتفاقيات بين وزارتي الزراعة على زيادة الواردات الروسية إلى مصر من القمح.
وتكشف صحيفة “الأخبار” اللبنانية أن الاتفاقيات تتضمن “إنشاء منطقة تجارة حرة بين مصر والاتحاد الجمركي الذي أنشأته روسيا، ويضم إليها كلًا من بيلاروسيا وكازاخستان”، مشيرة إلى أن المنطقة التجارية ستقام بالقرب من موقع قناة السويس الجديدة، التي من المقرر أن ينتهي بناؤها في أغسطس 2015.

وكشفت التقارير أن الاستثمار الروسي يتركز في صناعة السياحة والبترول في منطقة البحر الأحمر، وأن هناك مساعيَ من أجل زيادة الاستثمارات الروسية في مصر الفترة المقبلة، إذ من المتوقع أن تدخل روسيا السوق المصرية في 2015 في مجالات صناعة البتروكيماويات وصناعة السيارات ومجال الطاقة النووية والطاقة المتجددة عبر عدة مشروعات.

يقول نيقولاي سوركوف في مقاله “لماذا يريد بوتين مصادقة السيسي؟” أن هناك دوافع اقتصادية مهمة لدى موسكو. فالمنتجون الروس مهتمون بالسوق المصرية، المستمرة في نموها. ومصر، هي المستورد الأكبر للقمح الروسي. والصناعيون الروس مستعدون لعرض سيارات خفيفة وشاحنات وتقانات زراعية، ومعدات للمصانع ومحطات الكهرباء. وإلى ذلك، يمكن لمصر في وقت قريب، أن تصبح مستهلكة للغاز الروسي. وعلى خلفية تراجع الطلب على الغاز الروسي في أوروبا، يغدو فتح أسواق جديدة أمرًا فائق الأهمية بالنسبة لشركة “غاز بروم”.

علامات

دولي, روسيا, مصر

المصادر

تحميل المزيد