616

 دون أن يخوض التحالف العربي حربًا حقيقة، تمكنت قواته من السيطرة العاميين الماضيين على مساحات شاسعة كانت في قبضة تنظيم «القاعدة». شهادة المراسلين العسكريين أكدتها وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية كشفت أنّ الانتصارات التي حققها التحالف بقيادة السعودية يأتي وراءها اتفاقًا سريًا أُبرم مع تنظيم القاعدة، ويقضي بالانسحاب من بعض المناطق التي يُسيطر عليها أصحاب «الرايات السوداء» وسط وجنوب البلاد، وعلى هامش الاتفاق جنّدت دولة الإمارات نحو 250 من المقاتلين للانضمام إلى قوات الحزام الأمني التابعة لها، وكل تلك التفاهمات السرية والصفقات التي دُفع فيها ملايين الدولارات عُقدت تحت رعاية أمريكية كاملة.

وفي وقتٍ سابق كان رئيس أركان الجيش اليمني قد صرح لمجلة «الإيكونوميست» البريطانية أنَ جنوده لم يقبضوا رواتبهم منذ تسعة أشهر، وأن بعضهم يبيع الأسلحة والمعلومات للحوثيين، أو تنظيم القاعدة؛ للحصول على المال. القائد اليمني أعلن أيضًا أنّ ولي عهد الإمارات، الأمير محمد بن زايد، لا يثق في الجيش اليمني؛ لأن العديد من الجنود – بحسبه –  يدعمون حزب «الإصلاح» المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يتجاهل التحالف العربي مدّ الجيش بالمعدات الثقيلة التي طلبها لمواجهة الحوثيين؛ ويبدو أنّ الحرب تعقدت بسبب هذه الأجندات المتضاربة.

هذا التقرير يوضح لك مسار الأحداث السياسية التي عقّدت الأزمة اليمنية، بما في ذلك قصة التحالفات المتناقضة التي دخلتها السعودية مع أعدائها منذ بدء الحرب الأهلية اليمنية كما يُسميها أهلها.

1- السعودية أجهضت الثورة اليمنية ثم تجاهلت انقلاب الحوثيين

السعودية حصّنت علي عبد الله صالح من الثوار، ثم تركت الحوثيين يُسقطون صنعاء رغبةً في هزيمة الإخوان المسلمين

منذ اليوم الأول الذي اندلعت فيه ثورة الشباب اليمنية في فبراير (شباط) عام 2011، كانت السعودية والإمارات تصطف إلى جانب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح – رجلها القديم في اليمن – الذي طرح عدة مبادراتٍ سياسية رفضتها المعارضة، وكان أشهرها مبادرة الانتقال من النظام الرئاسي إلى نظامٍ برلماني، والاستفتاء على دستور جديد للبلاد؛ وبينما كان الرصاص الحي يخترق الحشود التي اعتصمت وأعلنت العصيانٍ المدنيّ، كان مجلس التعاون الخليجي صامتًا أمام تجاوزات النظام اليمني، على أمل أن ينجح العنف الممنهج في إجهاض الثورة التي جلبت معها رياح التغيير على أعتاب الخليج.

لكنّ المعادلة تغيرت بعد انضمام لواء من الجيش، وتبعته قبيلة الأحمر – أكبر القبائل اليمنية – إلى صفوف الثوار، وبدا أن الأمر ثورة خرجت عن السيطرة، وهي في طريقها للحسم لصالح الإسلاميين، الوجه غير المفضل للخليج؛ وهو ما اضطر السعودية والإمارات للتدخل من أجل إنقاذ حليفهما، علي عبد الله صالح، بمبادرةٍ عرفت بعد ذلك باسم «المبادرة الخليجية»، والتي أعطت الرئيس المخلوع وأسرته حصانة لا يُمكن معها محاسبته على الجرائم التي ارتكبها في مقابل التنازل وتسليم السُلطة.

رحل صالح أخيرًا بعد تسعة أشهر من الأزمة، ووصل الرئيس عبد ربه منصور إلى سُدة الحُكم، لكنه كان مُجردًا من الحلفاء، ومُقيّدًا بأنصار الرئيس المخلوع في المناصب الهامة، وأبرزها الجيش. لذا عمد إلى إقصائهم من وظائفهم، وأقال عددًا من الشخصيات البارزة المحسوبة على أبوظبي والإمارات، وكذلك لم يكن محظوظًا بدعم السعوديين مثل غريمه السابق؛ فواجه وحده تظاهرات الحوثيين واعتراض الأحزاب، وتقدُّم تنظيم القاعدة، ودعوات الانفصال الجنوبية؛ ليعود مرة أخرى الرئيس المخلوع إلى المشهد، لكن بتحالفات جديدة وخُطة مختلفة.

تحالف صالح مع الحوثيين – أعدائه القُدامى – ضد الرئيس هادي، من خلال دعمهم بقوات الحرس الجمهوري السابق، والقوات الخاصة التي تدين له بالولاء، والتي ساعدت الحوثيين في سبتمبر (أيلول) عام 2014 في السيطرة على صنعاء -معقل الإسلاميين – وفي تلك الأثناء قرر «الإصلاح» عدم رفع السلاح ضد الحوثيين تمهيدًا للقاء الذي جمع الطرفين لتوقيع المبادرة التي استهدفت إنهاء الخلاف، لكنّ المفاوضات لم تأتِ بجديد؛ فحُوصر القصر الرئاسي أواخر عام 2014، وأجُبر الرئيس اليمني على تقديم استقالته قبل أن يهرب، ولم تتدخل السعودية لإنقاذ الشرعية اليمنية، إلا بعدما هُزم الإصلاح تمامًا في معقله صنعاء، ومن ثمّ أعلن ولي ولي العهد السعودي عن إطلاق «عاصفة الحزم»، بعدما تغيرت الخريطة السياسية والعسكرية لصالح القوى الجديدة في ستة أشهر كاملة منذ انقلاب الحوثيين، وإطلاق عاصفة الحزم.

في النهاية سيطر الحوثيون سيطرة كاملة على 12 محافظة من أصل 22 (العاصمة صنعاء، عمران، ذمار، صعدة، أجزاء من تعز، إب، الحديدة، ريمة، المحويت، حجة، البيضاء، الجوف)، وفشل الجيش اليمني الذي يُمثل تعداده نصف مليون جندي، في استعادة الأوضاع، وهو ما بدا واضحًا أن السعودية خذلت عدوها السُنّي، وتركته يموت تحت فكّ عدوها الشيعي، وأصبح الرئيس اليمني بحاجة إلى السعودية والإمارات لإعادة سُلطته.

2- بعد هزيمة الإصلاح.. إعلان الحرب مع «إيقاف التنفيذ»

السعودية أوقفت عملياتها العسكرية عند حدود صنعاء لأكثر من عامين لأسبابٍ سياسية

حين فشل الجيش اليمني ومليشيات الإصلاح في إنقاذ هادي، لم يجد الرئيس اليمني مفرًا من الذهاب إلى دول مجلس التعاون الخليجي طلبًا المساعدة في ظرفٍ سياسيٍ تزامن مع حصول ولي ولي العهد السعودي آنذاك الأمير محمد بن سلمان على منصب وزير دفاع، وبعد أخذ الموافقة الدولية على تشكيل تحالف عربي من أجل دعم الشرعية اليمنية ومساندة الجيش اليمني في قتاله ضد الحوثيين المدعومين من قوات علي عبد الله صالح؛ فأُعلن في منتصف ليل 25 مارس (آذار) 2015 تشكيل «عاصفة الحزم» بمشاركة تسع دول عربية بقيادة الأمير محمد بن سلمان، وبدأت الحرب التي رحب بها قطاع كبير من اليمنيين في البداية فقط.

Embed from Getty Images

(جنود حوثيون يرفعون صورة الرجل الثاني صالح الصماد بعد مقتله في غارة للتحالف)

بدا أنّ الحرب في ساعاتها الأولى جدية وقاسية. الغارات الجوية استهدفت بنجاح معسكرات قوات الحرس الجمهوري الخاضع لسيطرة قوات صالح وحلفائه من مليشيات الحوثيين في صنعاء وبقية المحافظات بهدف تدمير القوة الصاروخية والأسلحة البرية الثقيلة، إضافة لتأمين الموانئ الاستراتيجية، ومضيق باب المندب، والمدن الرئيسة، والمناطق النفطية، وبعد أسبوعين أعلن اللواء أحمد عسيري، المتحدث باسم قوات التحالف، تدمير الصواريخ البالستية والأسلحة الثقيلة التي تشكل تهديدًا لأمن السعودية والدول المجاورة، ثم بدأت عملية أخرى باسم «إعادة الأمل» لإعادة الشرعية.

في البداية استطاعت القوات السعودية، التي تتوغل في العمق اليمني، مدعومة بالمقاومة الشعبية، تحرير أماكن واسعة دون خسائر تُذكر، حتى وصلت إلى قرية «نهم» التي تبعد عن صنعاء 40 كيلو مترًا فقط، وهي المحطة ما قبل الأخيرة لتحرير العاصمة اليمنية، لكنّ العمليات البرية متوقفة منذ أكثر من عامين.

كشفت المعارك أنّ القوات السعودية ترفضُ التقدم بجيشها داخل صنعاء، وترفضُ أيضًا تقديم الدعم العسكري لقوات المقاومة، وترفض تزويد الجيش اليمني بالمعدات التي يطلبها؛ والسبب في ذلك سياسي بامتياز؛ لأنه في حالة طرد الحوثيين من صنعاء، فإن الحكومة اليمنية التي يهمين عليها حزب الإصلاح، باعتباره ثاني أكبر الأحزاب، سيستعيد مكاسبه فجأة كما خسرها فجأة، والسعودية بذلك الموقف في مواجهة اثنين من أعدائها: فهي إما أن تطرد الحوثيين، وتفقد اليمن للأبد بعد سيطرة حزب الإصلاح. وإما أن تطول الحرب دون أن ينتصر أحد. لذلك تقاربت مرة أخرى مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح على أمل الوصول إلى تسوية جديدة.

وكما قامت السعودية بتجاهل مدينة صنعاء في الشمال، فإن الإمارات قامت أيضًا بتجاهل مدينة تعز الجنوبية، وركَّزت تواجدها منذ البداية على الجنوب اليمني من خلال عملية «السهم الذهبي»، التي استطاعت تحرير مدينة عدن الجنوبية والسيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي، واستطاعت أيضًا تشكيل قوات حزام أمني عقب تحرير مدينة عدن، وهي قوات يتجاوز أعدادها 10 آلاف خارج هيكلية الجيش، وتتبع الإمارات مباشرة، إضافة إلى عدد من القواعد العسكرية والسجون السرية.

3- العودة إلى صالح ثم الجلوس مع «الإصلاح»

رغم أنّ علي عبد الله صالح كان يُعرف بأنه رجل السعودية في اليمن، إلا أنّه تاريخيًا خذلها عدة مرات؛ بداية من دعمه للرئيس العراقي صدام حسين في احتلاله الكويت عام 1990، وبعدما بدأت نهاية صدام تتضح قرر صالح العودة فورًا إلى معسكر الخليجيين عبر بوابة الحوثيين؛ فاستطاع أن يُقنع السعودية والولايات المتحدة بخطورة جماعة «أنصار الله» المدعومة من إيران على المنطقة العربية؛ فحصل على الضوء الأخضر لشن ست حروب، إضافة إلى ملايين الدولارات التي دعمته وأنقذت اقتصاده من الذي كان دومًا على حافة الانهيار.

(لقاء ابن سلمان وابن زايد بقيادة حزب الإصلاح) المصدر: cnn

خلال الحرب الأخيرة التي قُتل فيها، عادت الاتصالات مرة أخرى بين الرئيس اليمني والرياض وأبوظبي؛ وهو ما ساهم في بداية الشقاق السياسي الذي حدث بينه والحوثيين؛ والذي سبقته تسريبات تحدثت عن صفقة يرعاها التحالف، لعودة المخلوع من أجل ضمان حليف جديد بعيدًا عن الحوثيين المدعومين من إيران، أو حزب الإصلاح المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين.

لم يُسارع صالح بنفي التسريبات، وهو الذي طالما أظهر بأنه لا يرى مشكلة في استبدال حلفائه، أو فض التحالف في أي وقت؛ ما دفع زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي إلى التصريح بأنّ فريقه «يتلقى الطعنات في الظهر»، وهو يواجه العدوان؛ ليرد صالح بأنه مستعد للانسحاب من تحالفه مع الحوثيين إذا أرادوا التفرّد بالسلطة، ثم بدأ «صالح» بمرحلة الهجوم المباشر بدلًا عن التلميحات، فوصف الحوثيين «بالميليشيات»، ليأتيه الرد مُماثلًا لتصعيده، فوصفوه بـ«الغدر»، كما اتهموا بعض قياداته بالخيانة، وأنهم يسعون لعقد صفقات استسلام، وهو ما دعا وزير الشباب والرياضة الحوثي بحومة صنعاء إلى دعوة حزبه إلى «ضرب رأس الفتنة»، في إشارة إلى تصفية صالح، وهو ما حدث بعد ذلك على أيدي الحوثيين أنفسهم.

بعد مقتل صالح، رفض نجله أحمد علي عبد الله صالح العودة إلى اليمن لاستكمال الصفقة التي أودت بحياة أبيه؛ لتضطر السعودية والإمارات للعودة مرة أخرى إلى حزب الإصلاح اليمني الذي دُعي في زيارة رسمية إلى الرياض، وظهر قادته جنبًا إلى جنب مع الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي الأمير محمد بن زايد، لكنّ نتائج اللقاء فشلت في بناء تحالف استراتيجي يحفظ كل المصالح؛ وحتى الآن فالإصلاح لم ينس أن المبادرة الخليجية صيغت خصيصًا كي لا يقع اليمن تحت حكم الإخوان، كذلك سقطت صنعاء، وكذلك طالت حرب اليمن أيضًا.

5- الخلاف السعودي الإماراتي في حرب اليمن

الحرب اليمنية لم تبعثر كافة الأوراق بعيدًا عن طرفي التحالف؛ فالصراع أفرز انشقاقات وصراعات خفية بين السعودية والإمارات حول اليمن؛ فأبوظبي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يدعو للانفصال عن الشمال؛ ما يعني أن يتغير توزيع السكان في اليمن، وهي الأزمة التي طالما مثلت مصدر إزعاج للحكومة السعودية؛ فالسُنة الذين يُشكلون أكثر من ثلاثة أرباع السُكان يتركزون في الجنوب، بينما الشيعة على اختلاف مذاهبهم: الزيدية، والاثنا عشرية، يتمركزون في محافظات الشمال الحدودية مع المملكة، لذلك فهم الخطر الدائم المرابط على حدودهم.

الإمارات التي تمتلك أطماعًا في موانئ اليمن وثراوته الجنوبية، سارعت لبسط نفوذها على محافظة عدن ومضيق باب المندب، ثم سيطرت الحقول النفطية والغازية، كما ضغطت على هادي – بحسب تسريبات – لتعيين بعض قيادات المقاومة الجنوبية، في مناصب كبرى مثل محافظ عدن، ومنصب مدير الأمن، إضافة إلى امتلاك الإمارات جيش صغير يفوق تعداد أفراده أكثر من 10 آلاف مقاتل، منتشرين في جميع المحافظات الجنوبية التي تسعى للانفصال.

ترفض السعودية إلى جانب الحكومة اليمنية انفصال اليمن، خاصة بعد دعم أبوظبي تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن أن هدفه هو الاستقلال، وسبق للمجلس التأسيسي، الذي انضم له عدد من وزاراء حكومة هادي، أن طالب بإجراء استفتاء الانفصال، والوضع في الجنوب الآن يتمثل في «الجمعية الوطنية»، وهي برلمان تحت التأسيس يمثل محافظات الجنوب، وتصف حكومة ابن دغر بالمستضافة موقتًا في عدن، العاصمة المؤقتة.

وتجلى النفوذ الإماراتي بوضوح بعدما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي بدعمٍ جويّ إماراتي على معظم مدينة عدن، في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) العام الجاري، وحاصر مقر الحكومة في القصر الرئاسي، وهو ما اعتبرته الحكومة انقلابًا على الشرعية لا يختلف عمَّا فعله الحوثي في صنعاء، وبعدما استعادت الحكومة المدينة بعد مواجهات استُخدمت فيها الدبابات والمدفعية الثقيلة بين الطرفين، بدا واضحًا أنّ الحكومة لا تستطيع المحافظة على المدينة في أي صراعٍ قادم، وهو ما حدث بالفعل عندما هددت أبوظبي حكومة ابن دغر باستخدام القصف الجوي عندما احتجزت الثانية 66 ضابطًا من الحرس الجمهوري والأمن المركزي، كانوا في طريقهم إلى عدن قبل أن يستوقفهم الجيش اليمني، ثم لم تلبث الحكومة أن تراجعت وأفرجت عنهم.

ورغم الخلافات والتحالفات المتناقضة، إلا أنّ انضمام «القاعدة» لصفوف التحالف يعقد الحرب بتشابك أجندات متناقضة تبدأ بالسعودية والإمارات، مرورًا بالإصلاح اليمني، وبحزب «المؤتمر» الحاكم المنقسم على ذاته في ثلاث نسخ: الأولى في قبضة الحوثيين، والثانية لهادي، بالإضافة إلى جناح ثالث داخل الحزب يسعى إلى دفع العميد أحمد علي صالح خليفة لوالده في رئاسة الحزب، نهاية بالحوثيين و«القاعدة»، وكلما تكاثرت الأطراف، طالت الحرب.