قيس سعيد.. «الأستاذ الجامعي» الذي يصارع الجميع في حلبة السياسة

أصبح الرئيس التونسي قيس سعيد في عام واحد وشهور معدودة من حكمه للبلاد ملء السمع والبصر، وأصبحت يومياته في قصر قرطاج الرئاسي ورسائله التلفزيونية مصدرًا للإثارة السياسية تارة وللسخرية من البعض على مواقع التواصل الاجتماعي تارة أخرى، وعنوانًا رئيسيًا للصحف العربية أحيانًا، بعدما باتت صراعاته مع خصومه ونوادره في أحاديثه وظهوره التلفزيوني أمرًا اعتياديًا.

هذه الصراعات التي باتت السمة الرئيسية لحُكم الرجل ومجازفاته التي لا تنتهي والتي يعتبرها البعض «غير محسوبة العواقب»، حوَّلت الأنظار من صورته الأولى باعتباره أكاديميًا محبًا لفلسطين وللغة العربية، إلى الرئيس الذي تستهويه المعارك السياسية الحادّة، والذي يتصرّف ربما بطريقةٍ «غير سياسية».

يحاول التقرير التالي التعرُّف إلى أين ستمضي هذه الصراعات المفتوحة للحاكم السابع للبلاد التي تعيش أزماتٍ اقتصادية واضحة، وهل تُمهد هذه الخصومات «لقيادة البلاد نحو ديكتاتورية جديدة» في بلدٍ ما زال فيه عهد زين العابدين بن علي (1987 – 2011) ماثلًا في الأذهان.

الرجل الذي يستشعر «المؤامرة» ويخاصم الجميع

خلال العام الذي أمضاه الرئيس التونسي قيس سعيد في قصر قرطاج، دخلت مؤسسة الرئاسة في خصوماتٍ كُبرى مع مكوّنات السلطة الحاكمة، متوعدًا دائمًا في خطبه ورسائله التلفزيونية بالتصدِّي لما سماهم بـ«المتآمرين على الدولة».

كرجلٍ حديث العهد بالسياسة، لا يؤمن بالعمل الحزبي، ويرى في الأحزاب السياسية أنها «بمثابة أدوية منتهية الصلاحية»، بدأ أستاذ القانون الدستوري الفخور بكونه أوَّل رئيس لم ينتمٍ لحزبٍ سياسيّ، بترجمة قناعاته حول الأحزاب بصراعٍ مع  عدد من قادة الأحزاب السياسية المُمثلة في البرلمان، غير عابئ كما بدا بانعكاسات ذلك على التحالف الحاكم الذي تُعد الأحزاب شريكًا رئيسيًا فيه من خلال تمثيلها في البرلمان.

كانت معركة الرجل الأكبر ضد الأحزاب السياسية مع حزب النهضة، الذي يترأس زعيمه راشد الغنوشي البرلمان، الذي أثارت لقاءاته واتصالاته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج غضب الرئيس التونسي، ليخرج قيس بعد ثلاثة شهور فقط من رئاسته، منتقدًا الغنوشي قائلًا إن تونس «لديها رئيس واحد فقط في داخل البلاد وخارجها».

كان صراع قيس سعيد مع الغنوشي محطة أولى لصراعاتٍ أكبر كان أبرزها حول شخص رئيس الحكومة، إذ نجحت أحزاب سياسية بقيادة حزب النهضة التونسي في الإطاحة برئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ، المدعوم من الرئيس التونسي، بعد خمسة أشهر من توليه المنصب، إثر إعلان حزب النهضة أنه قرر سحب الثقة من الفخفاخ على خلفية شبهات «تضارب مصالح».

ستنتقل لاحقًا صراعات قيس سعيد لخصمٍ آخر هو هشام المشيشي، وزير الداخلية التونسية، الذي اختاره قيس لرئاسة الحكومة التونسية، والتي بلغت أوجها في الأسبوعين الماضيين، عقب اتهام الأخير للرئيس التونسي «بتعطيل مصالح الدولة» مؤكدًا أنه «لن يستقيل» في ضوء الخلاف القائم بينهما حول أسماء الوزراء التي رفضها الرئيس التونسي.

وتتبع تونس منذ عام 2014، نظامًا سياسيًّا خليطًا، بين البرلماني والرئاسي، إذ حدّ دستور 2014، من هيمنة رئيس الجمهورية على الدولة، ووزع السلطات السياسية لإدارة البلاد على ثلاث مؤسسات، هي مجلس نواب الشعب وهو البرلمان المنتخب مباشرة من الشعب، ورئيس الجمهورية المنتخب أيضًا مباشرة، إضافة إلى حكومة يمنحها البرلمان الثقة.

ويعكس صراع الرئيس التونسي مع رئيس الحكومة وقبله رئيس البرلمان رغبته في تحقيق «مشروعه» الذي أقره في بداية ترشحه بأنه «ليس لديه برنامج للحكم»، عبر تحويل بلاده من نظام حكم شبه برلماني يحصر اختصاصات رئيس الجمهورية في مجالات الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية فقط، إلى نظام رئاسي.

ولا يكتفي الرئيس التونسي في سبيل سعيه لتحقيق مشروعه بالصراعات فقط، إذ يندرج تحت هذا المشروع إحداث نقلة في تصرفات الرئيس وكسر الصورة السائدة عنه، ببعض السلوكيات التي فعلها قيس سعيد كنزوله للشارع متجولًا، أو ذهابه إلى سوق للخضار، أو تأديته صلاة الجمعة في «حي التضامن» الشعبي.

تزامن مع تفاعلات هذا الصراع الذي خرج للعلن، استمرار الرئيس التونسي في بثّ رسائله التي لم تتوقَّف منذ اختياره رئيسًا للبلاد بتوجيه الاتهامات لمنظومة الحكم القائمة حاليًّا بأنها سعت بكل الوسائل إلى إجهاض جميع مبادراته، قائلًا إنه «لولا المسؤولية لذكرت ما حصل مع عواصم أجنبية ومع دوائر مشبوهة في الخارج».

هذه الرسائل شملت أيضًا، تأكيد الرئيس التونسي وسط خصوماته المتكررة على صورته بوصفه رجلًا «زاهدًا في الدنيا، ولكن ليس زاهدًا في دولتنا وشعبنا»، مكررًا عزمه على التصدّي لمحاولات ابتزاز الدولة التونسية، ولما وصفها مراكز القوى التي تعمل على ضرب الدولة التونسية في وجودها وضرب مرافقها العمومية.

صورة قيس سعيد كرجل ساعٍ لحصار خصومه بالضربة القاضية، ليست الوحيدة التي كشفتها تجربة الحكم، حيث ظهرت صورة أخرى لأستاذ القانون الدستوري وهو موقفه الحاد من بعض التظاهرات، ظهر ذلك في اتهامه للمتظاهرين في جنوب البلاد بأنهم «متآمرون ومتاجرون بقضايا الناس» على خلفية مطالب بفرص عمل وبمشروعات للتنمية، وقد مضى الرجل إلى أكثر من ذلك الاتهام إلى التلويح باستخدام القوات المسلحة لمواجهة «أي تهديد للدولة وللشرعية، سواء من الداخل أو الخارج».

الأستاذ الجامعي الذي يخوض صراعاته على طريقة الأفلام

تقول شيراز بن مراد، مؤسسة موقع «الجمهورية» التونسي، في حديثها مع «ساسة بوست» أن الخلاف بين رئيس الجمهورية مع رئيسي الحكومة والبرلمان يمكن أن يظل قائما لسنين أي الى غاية نهاية العهدة الدستورية عام 2024. وهذا التجاذب حول السلطة لا يمكن أن يُفرز في كل الحالات منتصر وخاسر لأن الطرف الاول الذي سيدفع ثمن هذه الخلافات هو الشعب التونسي الذي تدهورت معيشته بصفة كبيرة وتفاقمت فيه البطالة وتدنت مقدرته الشرائية فضلا عن جائحة الكورونا التي اثقلت كاهل الدولة.

وبحسب الصحافية التونسية، فأحد نقاط القوة التي يتمتَّع بها رئيس الحكومة التونسية أمام خصومه هي خلفيته الدستورية والقانونية التي يحاول توظيفها في معركته خصوصًا مع طرح بعض المنتمين لحزب النهضة فكرة عزله من منصبه، قائلة إن الرئيس التونسي بحكم تكوينه القانوني مدرك جيدًا لقواعد العملية السياسية وكيف يمكن ان يضمن تطبيق الدستور لفائدته اذا ما اخذنا الموضوع من الجانب الشخصي، موضحة أن غياب المحكمة الدستورية التي يحق لها النظر في موضوع عزل الرئيس من عدمه تزيده نقطة قوّة، وهي الوسيلة التي طرحها الطرف البرلماني في الاستنجاد بها بعد رفض الرئيس تنظيم جلسة اداء اليمين للحكومة الجديدة.

وتعتقد الصحافية التونسية أن الرئيس قيس سعيد لم يكن مضطرًا لهذه الصراعات التي أقحم نفسه فيها، موضحة أن التحاق هشام المشيشي، رئيس الحكومة التونسية الذي اختاره الرئيس بصفّ رئيس البرلمان والأغلبية المتكونة من أحزاب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة التي أصبحت بدورها حزامًا داعما للحكومة هو العامل الذي قلب الموازنات وأدخل البلاد في حالةٍ من التجاذبات كان الرئيس في غنى عنها. هذه التجاذبات جعلت من قيس الطرف الأضعف في نزاعه.

ويرسم هادي يحمد، وهو إعلامي وباحث تونسي متخصص في الحركات الاسلامية، صورةً لقيس سعيد في ضوء صراعاته المتشعبة، متحدثًا لـ«ساسة بوست» أن أحيانًا لا تؤدي النيات السليمة ولا نظافة اليد الى أيّة نتيجة جيدة في السياسة، موضحًا أننا أمام رئيس ليست له أي خبرة في إدارة الدولة للأسف ويتصرف بمقتضى مخيال استاذ في الجامعة أو «كاتب تأثَّر بافلام الفتوحات الاسلامية التي لا علاقة بادارة شؤون الدولة».

وأضاف الباحث التونسي أن هذه السياسة التي يتبعها الرئيس التونسي  قد تُلبي رغبات احتياطي جماهيري شعبوي يكتنفه الحنين إلى أمجاد الماضي ويريد استنساخها ولكنها لا تحل مشاكل تونس اليوم فما بالك بمواجهة ذئاب السياسة واكراهاتها، مؤكدًا أن غالبية التونسيين تجد انفسها بين خياران احلاهما مر.

وتابع هادي أن الخيارين هما «إما الاصطفاف وراء الشعوبية في ادارة شؤون الدولة ممثلة في الرئيس او التسليم بحصار اخطبوط الإسلام السياسي التي تحاصر الرئيس سياسيًا في قصر قرطاج»، مؤكدًا أنّ الرئيس بتصرّفاته الاستعراضية الشعبوية يزيد من تضييق فسحة مساندته في مقابل تقوية خصومه الأشد مكرًا والأكثر حنكة في السياسة.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أنه عند الحديث عن السياسة ومعادلة التوازنات فإن الرئيس التونسي خسر الكثير من هامش المناورة قائلًا :«اخشى ما اخشاه ان يمضي ويستمر في أخطائه الاتصالية وحساباته البعيدة عن السياسة، والتي قد تلقى استحسانا من الجمهور الشعوبي الذي يرى فيها بعضا من امجاد الماضي التليدة وان كانت تقليدا بليدا لا اقل ولا اكثر».

رجلٌ بلا حليف حقيقي في الخارج

شمل الاضطراب الذي خيَّم على حقبة الرئيس التونسي سياسة الرجل الخارجية التي يبدو أنّه غابت عنها أي استراتيجية شاملة واضحة سواء خالفت أو اتفقت مع أسلافه في المنصب، وكان أبرز مؤشرات هذا الاضطراب سلسلة الاستقالات التي شهدها ديوانه الرئاسي من عدد من مستشارييه للسياسة الخارجية الذي اختارهم مع بداية تنصيبه، فضلًا عن إقالة مندوب تونس في الأمم المتحدة، والتي انتهت آيضًا بإقالة وزير خارجيته ضمن التعديل الحكومي.

تجسَّد هذا الاضطراب في سياسة الرجل التي خطها تجاه كثير من القضايا على رأسها الأزمة الليبية إذ استقبل ضمن تفاعله مع أزمتها ممثلين مفترضين للقبائل الليبية محسوبين على خليفة حفتر، صدر بعدها تصريح لوزير الدفاع الجديد (من تعيينات الرئيس) أنَّ قوات حكومة الوفاق الليبية مجرد مليشيات؛ قبل أن يتراجع الرئيس التونسي عن هذا المسار باضطراره لإجراء مكالمة مع رئيس الحكومة الليبية، فايز السراج، لتوضيح الموقف والتراجع عن تصريحات وزير دفاعه.

وانعكس هذا التضارب لاحقًا في التجاهل الدولي لتونس في الشأن الليبي، كما فعلت ألمانيا حين استثنت تونس من الحضور في مؤتمر برلين، هذا الاضطراب تجسَّد في موقف آخر بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لتونس بعدما خرجت المستشارة الإعلامية لرئيس الجمهورية التونسية، رشيدة النيفر، متحدثة لقناة «سكاي نيوز» الإماراتية إن «أردوغان طلب استخدام الأراضي التونسية، والمجالين الجوي والبحري، لأجل التدخُّل العسكري في ليبيا البلد المجاور، وأن الرئيس سعيد رفض طلب أردوغان».

لاحقًا، خرج مدير الديوان الرئاسي مضطرًا إلى تكذيب زميلته، ووصف تصريحاتها بخصوص خفايا زيارة الرئيس أردوغان إلى تونس بالإشاعات، ونفى طلب الرئيس التركي من قيس سعيد استغلال المجالين الجوي والبحري لتونس للتدخل في ليبيا.

أمام هذه الاضطرابات التي تشهد سياسة تونس الخارجية، فترى الصحفية التونسية شيراز بن مراد، أنّ الأطروحة الرائجة باحتمال تدخُّل الحلفاء من العواصم الدولية لدعم قيس سعيد في صراعاته أمر ليس في محله للتدخل في هذه الأزمة، قائلة :«قد يمارسون تأثيرًا هنا أو هناك؛ لكن الرئيس التونسي ليس الشخص الذي نجح في كسب حلفاء يجعلهم يتدخلون بكل أوراقهم لصالحه».

عربي  منذ شهرين

معركة ثلاثية في تونس.. ما الذي يحدث بين الحكومة والرئاسة والبرلمان؟

احتجاجات تونسالغنوشيالنهضةبرلمان تونسثورة تونسقيس سعيد

المصادر