في نهاية مايو (أيار) 2018، أعلن صندوق النقد الدولي أنه سيبدأ بتطبيق المبادئ الأساسية لمجلس الخدمات المالية الإسلامية بدءًا من عام 2019، في الإشراف على المؤسسات التي تعتمد الصيرفة الإسلامية، أحد فروع الاقتصاد الإسلامي، إذ اعتمدت اللجنة التنفيذية للصندوق اقتراحًا لإدراج المبادئ الأساسية لمجلس «الخدمات المالية الإسلامية» في ماليزيا في تقييمات المنظمة الدولية من أجل تنظيم عمل «البنوك الإسلامية» والإشراف عليها.

ويعد هذا التاريخ بداية لمرحلة مختلفة في المعاملات الإسلامية، خاصة أنه جاء بعد أول تقرير عالمي عن التمويل الإسلامي، والذي صدر عن «البنك الدولي» و«البنك الإسلامي للتنمية» في فبراير (شباط) 2017. تقرير «البنك الدولي» تناول بالتفصيل آفاق صناعة التمويل الإسلامي العالمي، والإمكانات التي يمتلكها للمساعدة في الحد من التفاوت في مستويات الدخل في جميع أنحاء العالم، وتعزيز الرخاء المشترك، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

هذه التقارير صنعت وضعًا مختلفًا للاقتصاد الإسلامي، وساهمت بوضوح في توسع سوق المعاملات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية توسعًا ملحوظًا، لكن هناك بعض الدول التي تحاول حاليًا الاستفادة من هذا الاهتمام العالمي، وتعزيز مكانتها العالمية في ما يخص الاقتصاد الإسلامي، وعلى رأسها قطر.

وخلال هذه السطور القادمة سنستعرض أبرز خطوات قطر للاستحواذ على نصيب كبير من سوق المعاملات الإسلامية، والاعتماد بنسبة أكبر على الاقتصاد الإسلامي؛ إذ تتبنى البلاد هذا النوع من المعاملات بصورة مكثفة مؤخرًا، وتستهدف الوصول بأصول الصيرفة الإسلامية إلى نحو 400 مليار ريال بحلول 2020، بالإضافة إلى زيادة حصتها من الأصول المالية الشاملة.

في البدء كان التعليم.. كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد نموذجًا

يرتبط مستوى التعليم مع توقعات نجاح الخطط المستقبلية الخاصة بهذا القطاع أو المجال، وفي ما يخص الاقتصاد الإسلامي في قطر، فقد بدأت «كلية الدراسات الإسلامية» التابعة لـ«جامعة حمد بن خليفة»، وهي من الكليات الرائدة في مجال التمويل الإسلامي، في تقديم برنامج الدكتوراه في التمويل الإسلامي والاقتصاد خلال عام 2018، وذلك بعد أن شرعت في تخريج طلابها الحاصلين على درجة الماجستير في التمويل الإسلامي منذ عام 2010.

ويأتي هذا التوجه التعليمي بقطر في ظل أن متوسط معدل النمو السنوي للخدمات المالية الإسلامية، على مدار السنوات الخمس الأخيرة، قد استقر عند نسبة 11%، ليتفوق بذلك على معدل نمو الأسواق التقليدية، بينما كشف طارق الله خان، أستاذ التمويل الإسلامي ومنسق برنامج الدكتوراه في التمويل الإسلامي والاقتصاد بكلية الدراسات الإسلامية، عن أن هناك إقبالًا على هذه البرامج في قطر خلال الآونة الأخيرة، إذ تسعى الكلية لخدمة «رؤية قطر الوطنية 2030»، من خلال تقديم القيمة المضافة، والتأثير في كل من القطاعين المالي والأكاديمي في مجال تعليم التمويل الإسلامي.

وبعيدًا عن الاستفادة عند الحديث عن الجانب التعليمي، فإن الخطوات القطرية لم تتوقف عند هذا الجانب فقط، بل ذهبت إلى جوانب لم يسبقها بها أحد، وهو ما سنوضحه الآن.

بنك الطاقة.. أول وأكبر بنك إسلامي من نوعه في العالم

في 19 مارس (آذار) الماضي، أعلنت قطر إطلاق أول وأكبر بنك إسلامي في العالم، يركز نشاطه في عالم الطاقة والتمويل، برأس مال يبلغ نحو 10 مليارات دولار، ويهدف إلى تمويل مشاريع عالمية في مجالات الطاقة، ومن المنتظر إطلاق البنك في الربع الأخير من 2019، برأس مال مدفوع قيمته 2.5 مليار دولار، تحت مظلة مركز قطر للمال.

وسيكون هذا البنك نقطة تحول كبيرة في المنطقة؛ مما يساهم في ارتفاع نسبة صادرات قطر من الطاقة من جانب، ويعزز نشاط نظام العقود الإسلامية، فالبنك سيكون مؤسسة استثمارية إسلامية دولية مقرها قطر، تهدف إلى إيجاد تمويل، لتمكين مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها.

«السياحة الحلال».. هكذا تتّسع صناعة المليارات

ويرى محللون أن «التمويل الإسلامي لديه القدرة على استيعاب المستجدات التي تطرأ على الأسواق، ويوفر فرص تمويل أقل تكلفة، ويوفر قدرًا كبيرًا من المرونة للجهات المقترضة»، وهو ما دفع قطر نحو تلك الخطوة، إذ من المرجح أن يوفر بنك الطاقة فرص تمويل جيدة لمشروعات الطاقة المتجددة، مع التوجه إلى الحد من الانبعاثات الحرارية عالميًّا، وهو جانب آخر قد يعزز أيضًا من نجاح هذه الخطوة.

قريبًا.. بنك إسلامي عالمي متخصص في الذهب

على الجانب الآخر، كشف خالد بن أحمد السويدي، رئيس مجلس إدارة مجموعة «قاف» القابضة مؤخرًا، عن أن قطر تعمل حاليًا على إنشاء بنك إسلامي تجاري استثماري عالمي متخصص في قطاع المعدن الأصفر، وستكون المهام الاستثمارية الأساسية لهذا البنك المزمع إنشاؤه تخزين الذهب والتعاملات التجارية المتخصصة في المعدن النفيس، بالإضافة إلى إنشاء مصهر الذهب، وغيرها من الأنشطة ذات الصلة بالقطاع.

فكرة إنشاء بنك متخصص في هذه المعاملات ربما ليست جديدة، ولكن أن تكون تعاملات البنك وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها، هذا هو الأمر الجديد، وسيكون الأول من نوعه، في خطوة تكشف أيضًا عن الاهتمام الكبير للدوحة بالمعاملات الإسلامية، وهذا الأمر ليس على مستوى القطاع العام فقط، ولكن القطاع الخاص أيضًا بات يركز على الأمر نفسه، لكن في النهاية هذه الخطوات لا يمكن الحكم على نتائجها إلا بعد العمل بها فعلًا، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

«آي-دينار».. أول منصة إلكترونية إسلامية

على الجانب الآخر كانت الخطوة الفعلية التي اتخذتها قطر مؤخرًا، وهي إطلاق أول منصة إلكترونية إسلامية لتبادل العملة الرقمية المدعومة بالذهب «آي-دينار»، وهي خطوة لا تقتصر ميزتها على أنها تعمل وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها، لكن تسعى الدوحة للاستفادة من التقدم الملحوظ والمستمر في تكنولوجيا سلسلة التبادل الإلكتروني، فيمكن استخدام المنصة قاسمًا مشتركًا لتنفيذ العديد من العمليات المالية وأعمال الصرف والتجارة وتسويتها، وهو ما سيساهم في توسع نصيب الاقتصاد الإسلامي في البلاد.

بينما تشير هذه الخطوة إلى إمكانية دمج المعاملات الإسلامية مع التطور التكنولوجي، وهو الأمر غير المسبوق على أرض الواقع، فبحسب القائمين على المنصة؛ اجتازت «آي-دينار» كل مراحل الاختبار حتى من خلال المعايير الإسلامية في التعامل بالعملات، كونها عملة حقيقية لها رصيد حقيقي تشابه العملات الورقية المدعومة برصيد من الذهب، وهو ما يجعلها تجمع بين القبول العالمي، والتطور التكنولوجي، بالإضافة إلى الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، إذ باتت وفق محللين، هي أول تجربة لتبادل رقمي «مختلط» من نوعه في العالم؛ إذ تستخدم رمزًا رقميًّا، وفي الوقت نفسه مدعومًا بالذهب، ولها قيمة حقيقية.

وجاء إعلان قطر عن «آي-دينار» خلال أعمال «مؤتمر الدوحة الخامس للمال الإسلامي»، والذي عقد خلال مارس الماضي، والذي قدم رؤية استشرافية عن المصارف الإسلامية الرقمية في ضوء الأحكام الشرعية، بالإضافة إلى مناقشة تأثيرات التطور الرقمي في التمويل الإسلامي.

قطر وماليزيا وتركيا.. تحالف البحث عن الهيمنة على سوق الاقتصاد الإسلامي

مع نهاية 2018، أعلنت قطر خطة لمبادرة طموحة بالشراكة مع ماليزيا وتركيا، لبسط نفوذها وإحكام السيطرة على سوق التمويل الإسلامي العالمية، البالغ قيمته تريليوني دولار أمريكي، إذ كشفت البلاد عن أن المبادرة ستتم من خلال تشكيل مثلث قوى آسيوي عالمي من مراكز في الدول الثلاث، وباستخدام منصات وتكنولوجيا مشتركة.

ويمكن القول إن بنك الطاقة والذهب ومنصة «آي-دينار» إحدى نتائج المبادرة، لكن طموح البلدان الثلاثة يتجاوز هذا الأمر، فبموجب الخطة ستغطي تركيا احتياجات التمويل الإسلامي في أوروبا، وتخدم قطر الشرق الأوسط، بينما ستتخصص ماليزيا في آسيا، وجدير بالذكر هنا أن وجود قطر بين ماليزيا وتركيا هو نجاح كبير للدوحة، فماليزيا تعد واحدة من أكبر مصدري الصكوك في العالم، فقد استحوذت على 34% من السوق العالمية في 2017، بينما تركيا رائدة في مجال المنتجات الحلال والسياحة الحلال.

لكن أيضًا وجود قطر في هذه المكانة ليس من فراغ، فرغم أن هناك أكثر من 10 دول يشكل فيها النظام المصرفي الإسلامي أكثر من 20% من النظام المصرفي ككل، تستحوذ المصارف الإسلامية على 24.7% من أصول البنوك القطرية، وهي نسبة كبيرة تعزز من نجاحها في خطط الريادة في مجال المعاملات الإسلامية، وبحسب «مصرف قطر المركزي»، بلغت أصول المصارف الإسلامية 350.6 مليار ريال بنهاية فبراير الماضي، من إجمالي أصول البنوك العاملة في قطر البالغ نحو 1421.33 مليار ريال.

هكذا أصبح «التمويل الإسلامي» حلًا لإنعاش الاقتصاد العالمي

ويوجد في قطر خمسة بنوك إسلامية، وهي: «مصرف قطر الإسلامي»، و«بنك قطر الدولي الإسلامي»، و«مصرف الريان»، ومجموعة «بنك بروة»، و«بنك قطر»، الذي يعد أول بنك استثماري متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتبلغ احتياطات هذه المصارف نحو 12.1 مليار ريال، بينما تصل قيمة الائتمان المحلي بهذه المصارف إلى 228.92 مليار ريال، تمثل 25.71% من إجمالي الائتمان في البنوك العاملة بقطر، والبالغ 890.48 مليار ريال.

يشار إلى أن علي بن أحمد الكواري، وزير التجارة والصناعة، كان قد ذكر مؤخرًا أن بلاده تعتبر خامس أكبر سوق للتمويل الإسلامي، إذ بلغت الأصول المصرفية فيها حوالي 120 مليار دولار بمعدل نمو تجاوز 10%، على حد ذكره.

مؤتمر المنتجات الحلال 2020 في قطر

لم تقف خطوات الدوحة لتبني الاقتصاد الإسلامي عند المنصات الإلكترونية والمصارف الإسلامية والتحالفات العالمية فقط، ولكن البلاد استهدفت سوقًا إسلامية كبيرة أيضًا، وهي سوق المنتجات الحلال، فقد وافق مجلس إدارة الغرفة الإسلامية على مقترح استضافة دولة قطر لمعرض ومؤتمر الحلال خلال العام المقبل، كذلك تمت المصادقة على الربط بين جميع الغرف الإسلامية من خلال مواقعها الإلكترونية، مع إطلاق منصة تفاعلية تتضمن الفرص الاستثمارية، وهي فرصة كبيرة لقطر في هذه السوق التي تنمو نموًا سريعًا.

وبحسب توقعات «منظمة التعاون الإسلامي»، فإن حجم سوق المنتجات الحلال العالمية سيصل إلى 6.4 تريليون دولار في 2019، بعد أن بلغ نحو 3.7 تريليون دولار في 2012، ووفقًا لمدير عام «المركز الإسلامي لتنمية التجارة»، الحسن حزين، فإن قطاع الأغذية الحلال فقط يمتلك إمكانات تزيد على تريليون دولار في العالم.

ووفق تقرير حديث يحمل عنوان: «واقع الاقتصاد الإسلامي العالمي لعام 2018– 2019»، وصادر عن «مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي»، و«وكالة تومسون»، بالتعاون مع «دينار ستاندارد»، و«مركز دبي المالي العالمي»، فإن إنفاق المسلمين على قطاعات المأكولات والمشروبات وأسلوب الحياة في عام 2017 بلغ نحو 2.1 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 3 تريليونات بحلول 2023.

وتشير التوقعات كذلك إلى أن إنفاق المسلمين على المأكولات والمشروبات فقط قد يصل إلى نحو 1.9 تريليون دولار بحلول عام 2023، وهو ما يعني أن هناك فرصًا كبيرة للاستثمار، وإنشاء علامات تجارية عالمية للأطعمة الحلال، وهو ما يشجع قطر وغيرها من الدول للاستثمار في هذا القطاع.

اقتصاد «المنتجات الحلال».. منافسة عالمية مشتعلة وتركيا تبحث عن القيادة

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد