فتحت الأزمة التي تواجه المملكة العربية السعودية –بحسب وصف وزير الطاقة– جراء مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصليتها بإسطنبول الكثير من الأسئلة حول الجارة قطر، التي تواجه قطيعة سعودية منذ الخامس من يونيو (حزيران) 2017، إثر اتهامات ضدّها بدعم الإرهاب والتدخل في شؤون الغير من طرف السعودية وباقي حلفائها.

عالميًا تحول الرأي العام صوب انتقاد المملكة السعوديّة إثر مقتل خاشقجي، إذ انسحب عدّة مستثمرين من قطاع الأعمال في السعوديّة كما تراجعت الكثير من الشركات ورجال الأعمال عن المشاركة في منتدى الاستثمار المنعقد قبل أيام في الرياض. لكن بعيدًا عن السعوديّة، هل هناك مكاسب اقتصادية فازت بها دولة قطر من قضية خاشقجي؟

يرى أندرياس كريج، الباحث في «كينغز كولدج» في لندن، أن على السعوديين أن يقدّموا تنازلات لقطر، موضحًا أن القطريين قد يستفيدوا بشكل غير مباشر من قضية خاشقجي، وخلال هذا التقرير سنتحدث عن ثلاثة جوانب جاءت نتيجة لمقتل خاشقجي قد تدعم اقتصاد قطر وتستفيد منها الدوحة بشكل مباشر.

«مُهندس الأزمة» يتراجع.. هل ينتهي الحصار قريبًا؟

الاقتصاد القطري قوي

لأول وهلة عندما تقرأ الجملة السابقة ستتوّقع مباشرة أن قائلها هو أحد المسؤولين القطريين وهو يصف وضع اقتصاد بلاده خلال الأزمة الخليجيّة، لكن الحقيقة أنّ هذه الجملة قالها ولي العهد السعودي، خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض المعروف باسم «دافوس الصحراء»، وبالتالي فهي تحمل الكثير من المعاني والرسائل المبطّنة، خاصة أن ابن سلمان يعتبر بحسب المراقبين هو مهندس الأزمة الخليجيّة، فهل حان وقت إنهائها؟

Embed from Getty Images

في الواقع بات هذا الأمر قريبًا على ما يبدو، وهذه التوقعات في حد ذاتها إيجابية بالنسبة لاقتصاد الدوحة وتزيد من ثقة الشركات العالمية في قطر، وفي ظل تمكن قطر من الصمود وتجاوز أغلب الآثار السلبية للحصار فإن عودة العلاقات مرة أخرى يعني أن اقتصاد البلاد سيكون أقوى من ذي قبل.

هل تحطمت أحلام ابن سلمان الاقتصادية على «صخرة» خاشقجي؟

ووفقًا لما نقلته وكالة «بلومبيرج» الأمريكية، فإن الولايات المتحدة تزيد من الضغوط على المملكة بسبب المقاطعة الخليجية لقطر وذلك في أعقاب جريمة مقتل خاشقجي، وأضاف التقرير أن مثل هذه الضغوط قد نتج عنها تحول في اللهجة السعودية من الأزمة الخليجية المستمرة منذ 16 شهرًا، كما تحدث ولي العهد مؤخرًا في مؤتمر «دافوس الصحراء».

على الجانب القطري فإن أي انفراج حالي يعني مكسبًا مضاعفًا إذ استفادت الدوحة من خطتها للتنمية التي أطلقتها منذ أشهر لتكون أكثر اعتمادًا على نفسها في مواجهة الحصار، إذ تعهدت إستراتيجية التنمية الوطنية الثانية 2018-2022 لترشيد استهلاك الطاقة وتشجيع تطوير الطاقة المتجددة مع زيادة مستويات الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الزراعي وصيد الأسماك، كما تسعى لجعل قطر مكتفية ذاتيًا بنسبة 30% في طلبها على الماشية و65% في الطلب على الأسماك محليًا بحلول 2022، ونحن هنا نتحدث عن محاولة قطرية للاستغناء بشكل كامل عن جيرانها أو كما قال وزير الخارجية القطري مؤخرًا: «بإمكان قطر أن تنتظر إلى الأبد».

«ميدل إيست آي»: هكذا يُعزز الحصار الإنتاج الغذائي في قطر

ويشار إلى أن قطر التي تعتبر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، قد طوّرت مسارات جديدة للتجارة، بعد أن هبطت الواردات بنحو 40% بسبب الحصار، وضخت عشرات المليارات من الدولارات من صندوقها السيادي للثروة، الذي يحوز أصولًا تقدر بنحو 320 مليار دولار، وهو الأمر الذي ساعد البلاد على تخطي آثار الحصار وتمكّن الاقتصاد منذ الربع الثالث من 2017، من التعافي إلى حد كبير من تداعيات المقاطعة وعاود النمو بقوة.

الاستثمارات الأجنبية.. قطر بديل المملكة الجاهز

لم تعد الاستثمارات العالمية في العالم الحديث تتحرك في اتجاه الربح الأعلى فقط، إذ أصبحت قضايا مثل احترام حقوق الإنسان مساهمًا رئيسيًا في اتجاه الاستثمارات، وبالنظر إلى الدوحة وعلى مستوى مجلس التعاون الخليجي؛ نجدها الأقل حضورًا على مستوى الإعلام العالمي في انتهاكات حقوق الإنسان، فالعالم الآن يتحدث حول قضية خاشقجي على اعتبار أنها انتهاك صارخ ضد الصحافيين، ومنذ أشهر قليلة اتهمت منظمة العفو الدولية الإمارات بتعذيب محتجزين في شبكة من السجون السرية باليمن، ناهيك عن الاتهامات المتكررة لدبي بغسيل الأموال، هذا الأمر يجعل من الدوحة وجهة آمنة نسبيًّا بالنسبة لملفّات حقوق الإنسان، ممّا يعطيها مناخًا استثماريًّا أفضل من جيرانها.

وفي ظل عزوف المستثمرين الأجانب عن السعودية وهو الأمر الذي عكسه الانسحاب من «دافوس الصحراء» يرى المحللون أن قطر قد تكون الوجهة البديلة للسعودية، وبحسب مصرفية خليجية قالت لوكالة «رويترز» أنها تتلقى أسئلة كثيرة بشأن قضية خاشقجي من عملاء أجانب، موضّحة أن المستثمرين باتت لديهم تراكمات تجاه المملكة من حرب اليمن والنزاع مع قطر والتوترات مع كندا وألمانيا واعتقال ناشطات، وهو ما يثير بواعث قلق المستثمرين، بينما يبرز القلق الأكبر الآن من قضية خاشقجي التي قد تعرقل مسار الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الذي بدأته المملكة.

هل تحاول قطر استنساخ التجربة التركية لتحقيق حلم التنوع الاقتصادي؟

ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» فإن قطر قادرة على جذب الصناديق المالية التي انسحبت من التعامل مع المملكة، خاصة أن قطر تمتلك حاليًا فائضًا محتملاً في الميزانية بنسبة 4.7% في 2018، ويشير التقرير إلى أن الدوحة لا تميل إلى الاستثمار في المشاريع ذات الطراز السعودي الفخم مثل مدينة نيوم، إذ أن قطر تهتم أكثر بالاستثمار في أصول البنية التحتية، لكن الاستثمار في التكنولوجيا على غرار صندوق فيجن قد يستثير البلاد، بينما توقع التقرير أن يتوجه المستثمرون باتجاه الدوحة بحلول العام القادم.

Embed from Getty Images

جدير بالذكر أنه بحسب بيانات صدرت عن وزارة التخطيط القطرية ومصرف قطر المركزي، فإنّ قيمة الاستثمارات الأجنبية في قطر صعدت إلى 682.03 مليار ريال (187.45 مليار دولار) بنهاية الربع الثاني من 2018، واعتمدت البيانات على عدد من أكبر الشركات في القطاع الخاص القطري، شكلت نسبة 84% من قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر.

في المقابل تضرّرت الاستثمارات الأجنبية في السعودية كثيرًا في الأشهر الأخيرة، ففي يونيو (حزيران) 2018 كشفت بيانات صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة في السعودية إلى أدنى مستوياتها في 14 عامًا، إذ انكمشت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.4 مليار دولار في 2017 من 7.5 مليار دولار في 2016.

يشار كذلك إلى أنه في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، انعقد في الدوحة منتدى الأعمال القطري – الأمريكي بحضور وفد تجاري كبير من الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تم التباحث في سبل تعزيز الاستثمارات المتبادلة وعلاقات التعاون التجاري والاقتصادي، وهو مؤشر يعزز فكرة أن فرص الدوحة الاستثمارية القادمة ستكون أكبر عن الماضي.

قوانين وتشريعات جديدة.. هكذا استغلت قطر الأزمة لصالحها

خلال الأيام القليلة الماضية، أصدرت الدوحة عدّة قوانين ربما يكون أهم غرض منها في هذا التوقيت هو كسب الثقة العالمية في الوقت الذي تفقد فيه السعودية أغلب هذه الثقة، وبعيدًا عن حزمة القوانين التي أقرتها الدوحة في الأشهر الأخيرة، سنتحدث هنا عن القوانين التي جاءت بعد قضية مقتل خاشقجي، ففي 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ترأس أمير قطر المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار.

قطر تستخدمه في مشروعات كأس العالم 2022.. ماذا تعرف عن «الاقتصاد السلوكي»؟ 

وكان على طاولة المجلس الحديث عن آخر المستجدات في مجالي الطاقة والاستثمار، ومتابعة سير أعمال استراتيجية التنمية الوطنية الثانية (2018-2022)، لكن بعد أيام قليلة من هذا الاجتماع، أصدرت قطر قانونًا بتنظيم تملّك غير القطريين للعقارات والانتفاع بها.

Embed from Getty Images

كما أصدرت كذلك قانونًا بإنشاء صندوق دعم وتأمين العمال، وبموجب أحكام هذا القانون ستنشئ الدوحة صندوقًا يسمى «صندوق دعم وتأمين العمال» يهدف إلى دعم وتأمين ورعاية العمال، وضمان حقوقهم وتوفير بيئة عمل صحية وآمنة لهم، في خطوة اعتبرت أن الدوحة تظهر أنها تتعامل مع المزاعم المتعلقة باستغلال العمال في الوقت الذي تستعد فيه لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، والتي تسعى من خلالها إلى تسليط الضوء على فرصها الاقتصادية والتجارية، وهي أيضًا تشريعات قد تعزز مكانة قطر كبديل استثماري للهاربين عن المملكة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد