يمتلك القطريون برج شارد، والقرية الأوليمبية، ولا يأبهون بمخالفات المرور حين يوقفون سياراتهم اللامبورجيني أثناء تسوقهم من هارودز، الذي يمتلكونه أيضًا.

يناطح برج شارد سحاب لندن، ليس فقط ليثبت أنه أطول مبنى من الصلب والزجاج في أوروبا، ولكن أيضًا ليجسد الطموح الكبير الذي يرمز إلى تنامي نفوذ مُلاَّكه القطريين هنا في المملكة المتحدة، ويُظهِر كيف اخترقت هذه الدويلة الخليجية الصغيرة حُجُب الأزمة المالية، واستحوذت على مجموعة من أشهر الأصول البريطانية.

برج شارد

برج شارد

تمتلك قطر مساحات شاسعة من حي كناري وارف المالي، عبر استحواذها على أغلبية في سونغ بيرد العقارية، وحينما واجه باركليز ورطة في خضم الاضطرابات المصرفية، ظهرت هيئة الاستثمار القطرية QIA كمستثمر يمتطي حصانًا أبيض، وأصبحت أكبر مساهم في البنك.

إذا تجولتَ داخل أيّ “سينسبري” في بريطانيا، فتذكر أن قطر هي المستثمر الرئيس في شبكة المتاجر البريطانية، وهي تمتلك أيضًا 20% من بورصة لندن، ونسبة مماثلة في سوق كامدن، وإذا عرفتَ أنها تمتلك بجانب ذلك مباني القرية الأوليمبية في ستراتفورد، وأغلى مجموعة شقق فاخرة في بريطانيا، التي تطل على ميناء ترسو فيه يخوت ملياريَّة الأثمان بجانب سيارات الـBMW، واستثمارات تقدر بـ 10 مليارات إسترليني في المملكة المتحدة، تدرك مدى تغلغل نفوذ هذه الدويلة، الأصغر من بلجيكا، في كل مكان، وكيف أن تأثيرها الحقيقي، الذي يمكن أن يشكل حياة ملايين من البريطانيين العاديين، قد لا يكون مرئيًّا لكنه مستمر في النمو؛ حيث تستعد قطر لعقود مقبلة أكثر ازدهارًا، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد سكانها في غضون عقد، مع تدفق المزيد من الشركات الأجنبية وعمال البناء.

متجر سينسبري

متجر سينسبري

منذ أربعة أعوام أصبحت قطر أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال (LNG) إلى بريطانيا، ولم تكتفِ بالاستحواذ على 85%، بل صعدت بحلول الربع الأخير من العام ذاته إلى مستوى 95.5%. وإذا ما علمتَ أن هذا الغاز الطبيعي المسال يمثل بالفعل ربع إمدادات الغاز في المملكة المتحدة، تفهمتَ مخاوف البعض من هذا الاعتماد البريطاني المتزايد على قطر، أو كما قال زعيم نقابيّ: لديهم أموالاً طائلة لينفقوها، وهم يستثمرون في صناعاتنا الإستراتيجية، وهو ما يتيح لهم التأثير على شكل مجتمعنا، ومع تقلص احتياطيات النفط في بحر الشمال، أصبحت هذه الدويلة الخليجية الصغيرة بالتأكيد محورية لازدهار بريطانيا وأمنها المستقبلي من الطاقة. ولا غروَ إذا أن يجتهد ديفيد كاميرون، وسلفه في رئاسة الوزراء جوردون براون، في مغازلة الزعيم القطري السابق الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، وزوجته الفاتنة الأنيقة، الشيخة موزة بنت ناصر المسند، فضلاً عن الاستقبال الملكي والإقامة الفخمة اللتين يحظيان بها حين يزوران بريطانيا رسميًّا، استنادًا إلى علاقاتٍ ملكية ممتازة، تجعل مثلاً رسالة اعتراض إلكترونية خاصة من الأمير تشارلز إلى أمير قطر كافية لتسحب الأخيرة يدها من التطوير العقاري في ثكنات تشيلسي.

ورغم ذلك كله، لا تزال قطر كيانًا غير معروف لكثير من البريطانيين، الذين ربما يعتمدون على غازها لإعداد كوب من الشاي، وتشغيل التلفاز أو تدفئة المنازل. وكانت المرة الوحيدة التي أثارت فضول البريطانيين، حينما ثبَّتت مخالفة مروريَّة سيارتين فيروزيتين متطابقتين من طراز لامبورجيني تمتلكهما الأسرة المالكة القطرية خارج هارودز، الذي يمتلكونه أيضًا.

لم يمرُّ وقت طويل على إعلان استقلالها عام 1971، حتى اكتشفت قطر أكبر حقول الغاز الطبيعي المسال في العالم قبالة سواحلها، وثالث أكبر احتياطيات العالم من الغاز بعد روسيا وإيران، وبامتلاكها اليوم 900 تريليون قدم مكعب من الاحتياطيات المؤكدة، أصبحت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، بل إن الدول ذاتها، وثرواتها، تحولت حتى صارت خلقًا آخر.

وبفضل النفط والغاز، تبوأت قطر عرش أغنى دولة في العالم على أساس نصيب الفرد من الدخل؛ حيث بلغ متوسط دخل الفرد فيها ما يعادل 87 ألف إسترليني في عام 2010، ويتمتع سكانها البالغ عددهم 1.7 مليونًا بنمو اقتصادي بلغ 20% في 2011، وأجور جيدة، وبطالة من بين المعدلات الأدنى في العالم، وتخطط لإنفاق 50 مليار إسترليني على البنية التحتية العامة ما بين 2011 و2016، لتحويل هذه الدولة التي كانت يومًا صحراوية إلى مركز سياحي وتجاري، عبر الجو والبر وما تحت الأرض وفوق الماء، ببناء مطار جديد وسكك حديد وطنية ومترو، وجسرًا لـ”المحبة” يربطها بمملكة البحرين، وبحلول العام 2022 سوف تلفت هذه الواحة الصغيرة أنظار سكان الكوكب حين تستضيف مباريات كأس العالم، من أجل ذلك كله لم تشهد قطر ربيعًا عربيًّا؛ حيث كان الأمير السابق حريصًا على إدخال بعض الإصلاحات الليبرالية، وهناك صحافة حرة تتمثل في قناة الجزيرة.

بموازاة هذه الثروة، اشرأبَّ طموح قطر السياسي، فشملت قائمة أصدقائها الطويلة أسماء غير تقليدية؛ من أمريكا وإيران حتى حماس وطالبان اللتان تستضيف الدوحة مكاتب لهما، ولا غروَ والحال هكذا أن تساعد في المحادثات بين أمريكا وطالبان، وأن تصبح إحدى البلدان القليلة القادرة على تبادل التجارة وتجاذب أطراف السياسة مع أي طرفٍ تقريبًا، وأن تلعب دورًا رئيسيًّا في الربيع العربي، حتى رأى أنصارها أنها تتمتع بوضع مثاليّ للمساعدة في إعادة تشكيل “الشرق الأوسط”، ما منحها نفوذًا عالميًّا.

زائر قطر يرى فيها مدينة الأضداد: تَجَاوُر أغنياء النفط والطبقة الأجنبية الكادحة.. ومتاخَمَة الحداثة للتقاليد البدوية العربية.. وتزاوُج الانحلال الغربي بالالتزام الإسلامي، وبينما تبدو أكثر ليبرالية من بعض جيرانها، لا سيما المملكة العربية السعودية، لكن فنادقها ومطاعمها ذات الخمس نجوم لا تقدم الكحول، وللحصول على مشروب واحد في أحد الفنادق طُلِبَ مني إبراز جواز سفري، لكن عطش مشجعي كرة القدم في درجة حرارة تصل إلى 50 مئوية، سوف يعفي كأس العالم القادم من هذه القيود.

حين تخطو إلى مدينة رأس لفان الصناعية ذات الربع مليون عامل، والتي تبعد ساعة واحدة بالسيارة عن الدوحة، تشعر كما لو أنكَ داخل فيلم لـ جيمس بوند، وسوف تحتاج أيضًا لموافقة مسبقة للدخول، وتدابير أمنية من تلك التي وجدتُها في المطار، واصطُحِبنا إلى رصيف هو واحد من ستة تُستخدم لتحميل السفن المتجهة لبريطانيا، يمكن لبعضها أن يحمل 266 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، وتستغرق الواحدة 18 يومًا لبلوغ المملكة المتحدة، لتوصيل ما يكفي من الغاز لتلبية احتياجات كل بيوت لندن طيلة أسبوع واحد.

بريطانيا إحدى أكبر عملاء قطر، لكن اليابان هي الأكبر، لاعتمادها الكبير على هذه الدويلة الخليجية بعد كارثة فوكوشيما النووية عام 2011، وهو الأمر الذي كان له تأثير مدوٍ في المملكة المتحدة، وأدى لارتفاع تكلفة الغاز القطري بعد زيادة الطلب.

لكن هذه السفن لا بُدّ وأن تمرّ عبر مضيق هرمز، الذي تهدد إيران المجاورة بمحاصرته كلما صعَّدت من لهجتها ضد الغرب، رغم تعهد أمريكا بإبقاء المضيق مفتوحًا، وهو ما يمثل تهديدًا لقطر، ويثير بشدة ليس قلقها فقط بل والعالم أجمع، فضلاً عن أنه يمثل كارثة محتملة لبريطانيا، ويقول الرئيس التنفيذي لشركة قطر للبترول الدولية، التي تدير راس لفان، ناصر الجيدة: “تخيل مصير الاقتصاد العالمي إذا تعطلت الإمدادات، التي يمثل توقفها لبضعة أيام مشكلة كبيرة”، ومن غير المستغرب أن حرصت قطر بعناية على بناء تحالفات في المنطقة وخارجها، والإبقاء على دبلوماسيتها فاعلة وذراعها طويلة.

يقول “الجيدة”: “من مصلحتنا أن يكون العالم مستقرًّا، لنزع فتيل الصراع في المنطقة”، مضيفًا: “ما يحدث حولنا يؤثر على قدرتنا على تزويد عملائنا وتنمية اقتصادنا، ومن ثمَّ، نحن لا نريد الثورات. وكما أننا أصدقاء للغرب، فنحن على مقربة من الإسلاميين الذين صعدوا بعد الربيع العربي. لماذا؟ لأنهم الجانب المنتصر. لكن تذكَّر أننا نتمتع بهذا النفوذ لأننا أقوياء اقتصاديًّا”.

كما تمتلك قطر في جعبتها “قوة ناعمة”؛ فصاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر ترأس أيضًا مؤسسة قطر للتنمية، وهي مبادرة تعليمية تُمَوِّل ما يسمى بمناظرات الدوحة، التي أُنشئت قبل ثماني سنوات لتعزيز حرية التعبير في قطر، بطراز قديم على غرار اتحاد أوكسفورد، لكنها تغطي منطقة “الشرق الأوسط” بأكملها، تحت إدارة صحفي الـ BBC المخضرم تيم سيباستيان.

شعار مؤسسة قطر

شعار مؤسسة قطر

تعرف قطر أنها دويلة صغيرة، لكنها تروج لكلمتها باعتبار أنها ذات قيمة، وقادرة على توفير جسر بين الأعداء القدامى، لكن هذا لا يقنع الجميع. فالنقابات البريطانية على وجه الخصوص شنت حملات ضد الاستثمار القطري في المملكة المتحدة، واصفة رجال هيئة الاستثمار القطرية بأنهم: مستثمرون سريون مستهترون، لدرجة أن شبههم جوستين بودين، من الاتحاد العام للعمال في بريطانيا GMB، بالمافيا السرية، متسائلاً: “من يستثمر في المملكة المتحدة ولماذا؟ هل يدفعون الضرائب، وهل سيستمرون لفترة طويلة، أم أنهم هنا للربح السريع؟ نحن لسنا بحاجة إلى استثمارات، بل إلى إجابات وانفتاح. مصدر قلقنا أن هذه الشركات القوية جدًّا، تمتلكها حكومات أجنبية، ونحن نضع قدرًا هائلاً من السلطة في أيديهم. ومن ثم ينبغي على بريطانيا التأكد أننا لن نستيقظ ذات يوم لنجد أنفسنا تحت رحمة هذه الدويلة الخليجية. كما حذر بنك دويتشه مؤخرًا من اعتماد المملكة المتحدة المفرط على الغاز الطبيعي المسال القطري، واحتمالية ارتفاع أسعاره في المستقبل.

صحيح أن بعض الصفقات القطرية تتميز بالشفافية التامة، ومعروفٌ أنها استثمرت مؤخرًا مليار إسترليني في قطاع الغاز البريطاني، وتنوي ضخ المزيد من الأموال في بريطانيا، ومن المتفهم أن بلدًا محاطًا بكل هذه النزاعات الإقليمية، ستجد في الأصول البريطانية ولا شك ملاذًا آمنًا لرهاناتها، لكن كلما زادت استثماراتها، كلما زاد اعتماد بريطانيا عليها، ما يعني مزيدًا من المخاطر التي يخشاها المواطن البريطاني بالتبعية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد