في السنوات الأخيرة برزت دولة قطر كقوة سياسية مميزة، ليس المقصود على صعيد التحالفات، لكن برزت السياسة القطرية من خلال لعبها الدور الوسيط بين الفرقاء، سواء كدول أو مجموعات سياسية أو جماعات مسلحة.

نجحت قطر ـ من خلال دبلوماسييها ـ في إتمام صفقة تبادل الأسرى بين الحكومة اللبنانية وبين جبهة النصرة منذ يومين، كآخر نجاح للدبلوماسية القطرية، لم تكن هذه هي المرة الأولى، بل سبقتها سنوات من الجهود الدبلوماسية على صعيد الوساطة للدولة الخليجية الصغيرة.

السياسة الخارجية القطرية

في العقد الأول من الألفية الثالثة، اتخذت السياسة الخارجية لقطر مبدأ الوساطة والحياد فيما يتعلق بجميع القضايا في منطقة الشرق الأوسط، وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي، بدأت السياسة الخارجية القطرية تدخل في طور التأثير والنفوذ، بعدما اتخذ صانع القرار في قطر موقفا مؤيدا للربيع العربي، بشكل عام، ولأنظمة الحكم الناتجة عنها.

وبعدما تولى الأمير تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم خلفاً لوالده، تغيرت السياسة الخارجية مرة أخرى؛ عدة تغيرات حدثت في دول ثورات الربيع العربي أدت لهذا التغير، بينها الانقلاب على الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، وتحول الصراع السياسي في ليبيا إلى صراع مسلح، وسقوط العاصمة اليمنية في أيدي الحوثيين، وزيادة قوة ونفوذ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وسيطرته على مساحات واسعة من الدولتين، كل هذه الأمور جعلت قطر تفضل العودة إلى دور الوساطة من جديد، واتخاذ مواقف أكثر حيادا من جديد، مع الانخراط بهامش يسمح بإمكانية الانخراط في أي تحالفات دولية أو إقليمية؛ لصد أي تهديد يمكن أن يمس أمنها القومي.

وكانت القضايا التالية أبرز القضايا التي شهدت وساطات قطرية ناجحة خلال الألفية الجديدة:

الأسرى اللبنانيون

بعيداً عن الضوضاء الإعلامية وبصمت تام، كانت الدبلوماسية اللبنانية طوال 14 شهر تقوم بجهودها من أجل محاولة الإفراج عن الجنود اللبنانيين الستة عشرة الذين تم أسرهم من قبل جبهة النصرة في شهر أغسطس2014 ، الحكومة اللبنانية كانت قد طلبت من الدوحة تولي مهام الوساطة بينها وبين الجبهة؛ في محاولة لإطلاق سراح الجنود المختطفين من مدينة عرسال اللبنانية على الحدود السورية.

في يوم 1 ديسمبر الماضي تمت عملية تبادل الأسرى المختطفين مقابل إفراج الحكومة اللبنانية عن 25 سجين؛ طالبت النصرة بإطلاق سراحهم، بينهم 17 امرأة وأطفالهن.

وقد تضمنت الصفقة عدة شروط ملزمة منها فتح ممر آمن بين عرسال وجرودها للمدنيين بشكل آمن، ومن بين شروط الصفقة أيضا،ً تأمين إغاثة بشكل شهري للاجئين في عرسال والجرود، وتأمين مواد طبية، وتجهيز المشفى في عرسال وتأمين المواد الطبية في جرود عرسال للاجئين، وتأمين نقل الجرحى في عرسال إلى تركيا، وتأمين الجرحى في لبنان، وتسوية وضعهم القانوني مع الإقامة، وحل ملف اللاجئين السوريين في لبنان، وتأمين كافة الأسرى إلى جرود عرسال، ثم تخييرهم بالانتقال إلى أي مكان يشاءونه.

الاتفاق ما بين التبو والطوارق

وقبل الاتفاق اللبناني بأسبوع واحد تمكنت قطر من لعب دور وساطة ناجح بين قبائل “التبو”  و”الطوارق” الليبيتين، ففي يوم 23 نوفمبر 2015، تم في العاصمة القطرية الدوحة توقيع اتفاق سلام بين القبيلتين، بعد مفاوضات استمرت طوال أربعة أيام برعاية قطرية.

ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الطرفين، وعودة النازحين إلى مدنهم، وفتح الطريق إلى مدينة أوباري، وكانت اشتباكات متقطعة تدور بين القبيلتين منذ شهر سبتمبر 2014 أسفرت عن سقوط 300 قتيل، وأكثر من 2000 مصاب من الطرفين.

جذور المشكلة بين القبيلتين تعود إلى مشاجرة بين رجال أمن من الطوارق ومواطنين من التبو، ازدادت حدتها لتتحول إلى اشتباكات مسلحة، بعدما قام مسلحون من التبو بالهجوم على مركز الأمن الوطني الذي تسيطر عليه جماعة مسلحة من الطوارق.

يذكر أن الطوارق هم قبائل من الرحل الذين يعيشون قي صحراء الجزائر ومالي والنيجر وليبيا وبوركينا فاسو، بينما التبو فهم قبائل غير عربية، ويمثلون مجموعة من القبائل البدوية التي تسكن جنوب ليبيا وشمال النيجر وشمال تشاد.

اتفاق دارفور

في شهر فبراير 2013 وقعت الحكومة السودانية وجماعة متمردة منشقة في دارفور، يطلق عليها اسم حركة العدل والمساواة، اتفاقا بوساطة قطرية، شمل الاتفاق وقف إطلاق النار؛ في محاولة لإعادة إحياء عملية السلام المجمدة هناك، هذا الاتفاق جاء في أعقاب تصاعد القتال في إقليم دارفور، وجاء الاتفاق الجديد بعد خرق اتفاق كان قد تم توقيعه بوساطة قطرية في عام 2011م.

فتح وحماس

جرى توقيع اتفاق بين حركتي حماس وفتح الفلسطينيتين، بحضور أمير قطر في العاصمة القطرية الدوحة يوم 6 فبراير 2012، ووقعه محمود عباس أبو مازن نيابةً عن حركة فتح، وخالد مشعل نيابةً عن حماس؛ وذلك بهدف تسريع وتيرة المصالحة الوطنية بين الفصيلين الأكبر في فلسطين.

وقد نص الاتفاق على 4 نقاط أساسية هي التأكيد على استمرار خطوات تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية من خلال إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بشكل متزامن مع الانتخابات التشريعية والرئاسية، وتشكيل حكومة التوافق الوطني الفلسطينية من كفاءات مستقلة برئاسة أبو مازن، والتأكيد على عمل اللجان التي كان قد تم تشكيلها، والتأكيد على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً في القاهرة.

وثيقة سلام دارفور

وقع ممثلو الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة يوم 14 يوليو 2011 الوثيقة النهائية للسلام في دارفور، وجرت مراسم الاحتفال بالتوقيع في العاصمة القطرية الدوحة بعد وساطة قطرية ناجحة بين الطرفين المتنازعين. وجاء التوقيع بعد عامين ونصف من المفاوضات؛ لانسحاب حركة العدل والمساواة في ذلك الوقت.

شملت وثيقة الاتفاق سبعة محاور: تتضمن التعويضات، وعودة النازحين، واللاجئين، واقتسام السلطة، والوضع الإداري لدارفور، وتقسيم الثروة، والوقف الدائم لإطلاق النار.

جيبوتي وإريتريا

بعد سلسلة من الجولات الدبلوماسية التي وصفت بالمكوكية والتي استغرقت عدة أشهر بقيادة الدوحة تم إبرام اتفاقية سلام بين حكومتي جيبوتي وإريتريا؛ لتسوية النزاع الحدودي القائم بينهما في شهر مارس 2011م.

ونتيجة لهذا الاتفاق قامت قطر بنشر مئات من جنودها على الحدود بين البلدين، بعدما قامت إريتريا بسحب قواتها العسكرية من المناطق المتنازع عليها، بهذا تكون قطر قد نجحت في إخماد حرب كانت على وشك الاندلاع بين الطرفين.

وقد وافقت الحكومة الإريترية على تعويض جيبوتي عن الأضرار التي سببتها لها، كما أعلنت عن وقف جميع أنشطتها المتعلقة بمساعدة ودعم المعارضة الجيبوتية واستخدامها ضد الحكومة الحالية.

اتفاق الدوحة  2008

تمكنت قطر من لعب دور مميز في التوصل لاتفاق بين الفصائل اللبنانية بعد 18 شهر من الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد وتخللتها أحداث دامية.

في يوم 21 مايو 2008 تم توقيع اتفاق السلام بين الفصائل اللبنانية المتصارعة، وكان من أبرز بنوده انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وإقرار قانون الانتخابات، الذي يشمل تقسيم بيروت إلى 3 مناطق، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تتكون من 16 وزيرا للموالين: السنيورة وجنبلاط والحريري وجعجع و11  وزيرا للمعارضين :بري وميشال عون وحزب الله والأرمن و3  وزراء لرئيس الجمهورية.

الممرضات البلغاريات

استطاعت الوساطة القطرية النجاح في إنهاء أزمة الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات في ليبيا بعد صفقة تم بموجبها الإفراج عن هؤلاء، بعد 8 سنوات قضوها في السجن، وذلك عام 2007 ، وكانت الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني، الذي تم منحه الجنسية البلغارية لاحقاً، قد تمت محاكمتهم في ليبيا بتهمة نقل فيروس الإيدز عمداً إلى 450 طفل ليبي، ليصدر عليهم حكماً بالإعدام، ويتم تخفيف الحكم لاحقاً إلى السجن مدى الحياة.

وشمل الاتفاق: إنشاء “الصندوق الليبي من أجل الأطفال المصابين بالإيدز” والذي ساهمت فيه قطر والتشيك، هذا الصندوق قام بصرف مليون دولار أمريكي لعائلة كل طفل من المصابين، الصفة تضمنت تعهد فرنسا بتجهيز مستشفى بنغازي، وتدريب طاقمه لمدة 5 أعوام، بالإضافة إلى تدريب 50 طبيباً آخرين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد