قطر، تلك الدولة الصغيرة الواقعة في شرق الجزيرة العربية على الخليج العربي، وأحد ألغاز التفاعلات السياسية إقليميًا ودوليًا لما قد يراه البعض من أن قطر قد تكون تمارس دورًا يتعدى بكثير ما تسمح به إمكانياتها الجيوسياسية أو حتى كثافتها البشرية، فإلام ترتكز قطر في تحديد هوية وشكل دورها السياسي؟ وما أهم ملامح ومحددات السياسة الخارجية القطرية قبل وبعد الربيع العربي؟ وما التحولات التي قد تشهدها السياسة الخارجية القطرية خلال الفترة المقبلة.

نشر مركز كارنيجي أواخر سبتمبر الماضي دراسة للباحث كريستيان كوتس أولريكسن تناول خلالها بالتحليل أهم التغييرات التي طرأت على السياسة الخارجية القطرية تزامنا مع الربيع العربي محاولا استشراف مستقبل هذه السياسة والتغيرات المحتملة بشأنها خلال المرحلة المقبلة، حيث بدت قطر خلال المرحلة السابقة تتخذ خيارات تحتوي في نظر الكثيرين على قدر كبير من المقامرة خاصة بعد التعثر الكبير في مسيرة الربيع العربي.

يستند هذا التقرير بشكل رئيسي في معلوماته إلى هذه الدراسة معززًا إياها بمصادر أخرى للمعلومات، ويأتي هذا التقرير في جزأين حيث يتناول الجزء الأول منهما مرتكزات السياسة القطرية وأهم عوامل القوة فيها إضافة إلى توصيف السياسة الخارجية القطرية قبل الربيع العربي، أما الجزء الثاني فيتناول تحولات السياسة القطرية في مرحلة الربيع العربي ومستقبلها المنتظر في ظل الأحداث المتغيرة في العامين الأخيرين.

6 أسس و مرتكزات للسياسة الخارجية القطرية قبل الربيع العربي

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“الشيخ حمد آل ثاني أمير قطر السابق”

مع صعود الشيخ حمد آل ثاني إلى سدة الحكم عام 1995 واتجاه قطر نحو الاضطلاع بدور فاعل ومستقل في القضايا الإقليمية عمدت قطر إلى رسم دورها السياسي باعتبارها الطرف الأصلح للقيام بدور الوساطة في النزاعات المتشابكة في المنطقة، مستغلة قدراتها المتاحة في رسم مرتكزات تؤهلها للقيام بهذا الدور.

1- الاستفادة من الاحتياطي النفطي العالمي

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“حاملة قطرية للغاز المسال”

يعد الاحتياطي النفطي الكبير الذي تمتلكه قطر “ثلث الاحتياطي العالمي” أهم المرتكزات التي تستند إليها قطر في صياغة دورها السياسي، فمع صعود الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى سدة الحكم في البلاد، أنفقت قطر أكثر من 120 مليار دولار على البنى التحتية للغاز المسال، أغلبها كديون من المصارف وشركاء صناعيين كعملاق النفط “أكسون موبل” وفي عام 2006 تصدرت قطر قائمة الدول المصدرة للغاز عالميًا متجاوزة إندونيسيا وفي 2010 وصل الإنتاج الحكومي إلى 77 مليون طن سنويًا بنسبة حوالي 30% من صادرات الغاز المسال عالميًا.

إضافة إلى هذه الثروات الهائلة، تمتتلك قطر عددًا قليلًا من السكان الأصليين، الأمر الذي يحرر السلطة في البلاد من الضغوط الاجتماعية الاقتصادية ويمنحها قدرة كبيرة على المناورة مستخدمة فائضها المالي، جدير بالذكر أن قطر قد حققت نموًا اقتصاديا بلغ حده الأقصى 17% سنويًا بعد عام 2008، بينما يتمتع سكان البلاد بأحد أعلى متوسطات الدخل في العالم.

2- التمدد الاقتصادي في أوروبا وأمريكا

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“القطري ناصر الخليفي مالك نادي باريس سان جيرمان”

لم تكتف قطر بمخزونها الغازي وما يمنحه لها من قدرات سياسية، بل عمدت السلطات في البلاد إلى استغلال الفائض المالي الكبير في تعزيز نفوذها الاقتصادي في الخارج خاصة في بريطانيا والولايات المتحدة مستغلة أصداء الأزمة المالية عام 2008 من خلال هيئة الاستثمار القطرية إضافة إلى الاستثمارات الخاصة لأمراء العائلة المالكة في شركات كبرى كفولكس فاجن “شركة سيارات” وسينسيبري “سلسلة سوبر ماركت عالمية” وبنك باركليز، كما شملت الاستثمارات المجال الرياضي وشراء الأندية وأشهرها نادي باريس سان جيرمان الفرنسي إضافة إلى قيام “قطر للغاز” برعاية عدد من أكبر أندية أوروبا.

تمتلك قطر أيضا أيضًا سلسلة محلات “هارودز” الضخمة في بريطانيا والمجمع السكني هايد بارك، إضافة إلى امتلاكها حصة كبيرة من القرية الأوليمية في لندن، وحصة تبلغ 20% من سوق كامدن التجاري و20% من بورصة لندن وغيرها العديد من الاستثمارات التي تبلغ قيمتها بلايين الدولارات، لدرجة دفعت صحيفة الديلي ميل البريطانية أن تضع أحد تقاريرها تحت عنوان “قطر اشترت بريطانيا

إقليميًا، يمكنك أن تلاحظ بوضوح التوسعات في بنك قطر الوطني خلال العامين الأخيرين وشملت الاستحواذ على حصص كبيرة في بنوك: سوستيه جنرال في مصر وبنك الإسكان للتجارة والتمويل في الأردن والبنك التجاري الدولي في الإمارات وبنك المنصور العراقي ومصرف التجارة والتنمية الليبي لإضافة إلى فروع البنك الأخرى في دول كسوريا وأندونسيا وتونس، إضافة إلى توسع الاستثمارات القطرية في العديد من المجالات في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

3- إقامة علاقات شراكة مع كل الأطراف الدوليين في عالم متعدد الأقطاب

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

رغم احتفاظ قطر بالقاعدة الأمريكية الأكبر في الخليج والتي كانت مركزا للعمليات أثناء حرب العراق، إلا أن قطر سعت إلى تطوير علاقة الاعتماد المتبادل مع عدد كبير من الشركاء من خارج المعسكر الأمريكي إذا صح التعبير، ففي نفس العام “2009” الذي وقعت فيه قطر اتفاقًا لتزويد بريطانيا بالغاز، كانت توقع اتفاقًا مماثلًا مع شركتى “شنوك” و”بتروتشينا” الصينيتين لبيع 5 ملايين طن من الغاز سنويًا ولمدة 25 عام حيث يمكن أن تضمن قطر إمدادات غازية متصلة للسوق الصيني المضطرد، في حين تمثل الصين سوقًا مفتوحة ومتنامية للغاز القطري.

لم تكن هذه التوجهات القطرية اعتباطية بقدر ما كانت تعبر عن رؤية واضحة للسياسة القطرية منذ الأزمة المالية العالمية “2007-2008” وتداعياتها عبر عنها المسؤولون القطريون في تصريحاتهم التي أكدت على نشوء عالم متعدد الأقطاب لعل أبرزها تصريحات لأمير قطر في مارس 2009، حين قال إن “الصين آتية، والهند آتية، وروسيا في طريقها أيضًا… لا أدري إذا كانت الولايات المتحدة وأوروبا ستبقيان في موقع القيادة”

4- تسويق نفسها كوسيط في المنازعات الإقليمية

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“حمد بن جاسم”

لم يكن لعب دور الوساطة في النزاعات الإقليمية والدولية مجرد خيار آني بالنسبة لقطر، بل شكل أحد المرتكزات التي حرصت الدولة على تضمينه في دستورها، حيث تنص المادة السابعة من الدستور القطري المقر في 2003 على أن السياسة الخارجية القطرية تقوم على “مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليَّين، عن طريق تشجيع فضّ المنازعات الدولية بالطرق السلمية”.

كان دور الوساطة الذي رسمته قطر لتفسها يستلزم قدرًا كبيرًا من الحياد تجاه القضايا الفاعلة وعلاقات متزنة مع جميع الأطراف، ولذلك لا تكاد تجد انحيازا سياسيًا لقطر تجاه أي من قضايا المنطقة خلال مرحلة ما قبل الربيع العربي تجاه أية قضية، حتى إيران، حرصت قطر من البداية على ألا تستجلب عدواتها على الرغم من التوتر المستمر بينها وبين السعودية “القطب الأكبر في مجلس التعاون الخليجي”، حتى بعض الحركات التي يصنفها الغرب كمنظمات إرهابية كانت تتمتع بعلاقات طيبة مع قطر كحركة طالبان التي افتتحت مكتبًا لها في قطر وحركة حماس إضافة إلى الإخوان المسلمين الذين فروا من مصر في الستينات وسوريا في الثمانينات وأقاموا في قطر وفتحوا أبواب العلاقة مع سائر فروع التنظيم حول العالم.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“خالد مشعل رئس المكتب السياسي لحركة حماس والرئس الفلسطيني محمود عباس بصحبة أمير قطر”

وتعددت أمثلة الوساطات القطرية لتشمل اليمن (2008-2010) ولبنان (2008) ودارفور (2008-2010)، كما عملت الدوحة كذلك على حلّ نزاعات بين السودان وتشاد (في 2009)، وبين جيبوتي وأريتريا ( في 2010(، إضافة إلى وساطاتها المتكررة في المفاوضات مع حركة حماس وسعت في ملف المصالحة أو إنهاء النزاعات المتكررة مع الكيان الصهيوني، مستغلة في ذلك مواردها المالية الواسعة التي استغلتها في حل النزاعات، العلاقات الشخصية لحكامها وعلى رأسهم أمير قطر السابق حمد آل ثاني ورئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق ومهندس السياسات “حمد بن جاسم” اللذان تمتعا بسيطرة كبيرة على السياسة القطرية.

أضف إلى ذلك قيام قطر برعاية العديد من المؤتمرات الدولية في مجالات متعددة من السياسة إلى قمة المناخ في 2013، ورغبتها في استضافة المحافل الرياضية الدولية ككأس العالم لكرة اليد 2015 وكأس العالم لكرة القدم 2022، الثغرة التي عانت منها قطر كانت افتقادها لوجود سلك ديبلوماسي قوي ومتوغل يمكنها من رعاية الاتفاقات الوساطات التي أسهمت فيها، لذلك فإن الكثير من نتائج الوساطات القطرية كانت سرعان ما تتحطم في استجابة سريعة للخلافات المتوغلة ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هي الوساطة القطرية في حل المشكلة ما بين شطري السودان قبل الانفصال.

5- التمدد والنفوذ الإعلامي

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

تأسست قناة الجزيرة في عام 1996 وتوسعت الشبكة سريعًا ومدت بأذرعها في جميع أنحاء المنطقة، بل صارت تبث للولايات المتحدة نفسها، امتد نشاط الجزيرة أيضا إلى خارج سوق الإعلام “الإخباري” إلى الإعلام الترفيهي وبخاصة الرياضي الذي احتكرته الجزيرة تمامًا، اشترت قطر أيضا مجموعة قنوات فرنسا إضافة إلى حصص في مجموعات إعلامية عالمية، برز دور الجزيرة جليًا وصعدت إلى دائرة الضوء كأحد أدوات النفوذ القطري تزامنًا مع الربيع العربي حيث تم استغلال القناة في تعزيز توجهات السلطة في البلاد.

الحكام في قطر يدركون دور الإعلام جيدا، ففي إطار الجهود القطرية لحشد التأييد العربي والدولي لفرض الحظر الجوي على نظام القذافي في 2011، كانت قناة ليبيا تبث من الدوحة وبدعم وتمويل قطريين.

6- حسن الجوار واحترام مناطق النفوذ

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“أمير قطر خلال قمة الكويت”

شابت العلاقات السعودية القطرية نقاطًا كثيرة من التوتر على خلفية مشكلات حدودية تمتد لأكثر من مائة عام كحادثة مركز الخنفوس الحدودي “1992” واتهام قطر للسعودية بالتورط في محاولة انقلاب في البلاد “1996”، شهدت العلاقات قدرًا كبيرا من التحسن منذ بداية الألفية إلى الربيع العربي، وحتى مع اندلاع ثورات الربيع العربي، ففي حين اتخذت قطر موقفا بدعم التغيير في تونس ومصر وليبيا وسوريا، اتخذت مواقف أكثر اتساقًا مع الموقف السعودي تجاه الاحتجاجات في كل من البحرين واليمن حيث شاركت قوات من الحرس الوطني القطري ضمن قوات درع الجزيرة التي قادتها السعودية لقمع الاحتجاجات في البحرين، كما تبنت قطر الحل السعودي للأزمة في اليمن من خلال إعادة هيكلة النظام بشكل سلمي، بما يشير إلى أن قطر وإن كانت تحاول الانعتاق من الهيمنة السعودية على الخليج باتخاذ مواقف أكثر استقلالية إلا أنها لم ترغب مطلقًا في إغضاب السعودية أو الدخول في خصومة معها.

7- خلو البلاد من الاضطرابات الداخلية

قد يكون الأمان النسبي الذي يشعر به الحكام في قطر أحد أهم العوامل التي تعطيهم مساحة للمناورة السياسية سواء قبل الربيع العربي أو في أثنائه، حيث بلغ نصيب المواطن القطري من إجمالي الناتج المحلي خلال عام 2011 حوالي 440 ألف دولار، الأمر الذي أدى إلى نشوء حالة من اللامبالاة السياسية وطمس التطلعات إلى الديمقراطية في قطر، حيث أشارت نتائج استطلاعٍ لرأي الشباب القطري إلى أن نسبة المُستطلَعين الذين اعتبروا الديمقراطية مهمةً، انخفضت إلى أكثر من النصف، من 68% في عام 2008، إلى 33% في عام 2010، تبدو المفارقة واضحة حين مقارنة هذه النسب بمثيلاتها في دولة الإمارات حيث ارتفعت النسبة ذاتها من 58% عام 2008، إلى 75% في العام 2011، حيث يكفي الاطلاع إلى هذه النسب لندرك أسباب التفاوت في موقف البلدين من الربيع العربي، ففي حين شعر حكام قطر بأمان نسبي من أن تصيبهم رياح التغيير، حمل الربيع العربي المخاوف إلى حكام الإمارات من امتداد التغيير إلى بلادهم.

في الجزء الثاني نستعرض أسباب التغير في سياسة قطر الخارجية من الحياد والوساطة إلى النفوذ والتأثير تزامنا مع الربيع العربي، وكيف يمكن أن تؤثر تجربة قطر مع الربيع العربي على سياستها الخارجية على المدى القصير والمتوسط.

المصادر

تحميل المزيد