مع سقوط نظام الرئيس السابق عُمر البشير، وصعود المجلس العسكري السوداني لموقع الحُكم، وقع تغير كبير في سياسات الخرطوم الإقليمية، كان العامل الأهم منها انحسار نفوذ قطر على خلاف السنوات الماضية حين كانت الدوحة ركيزة أساسية، وفاعلة هامة في سياسات الخرطوم.

تزامن هذا الخفوت القطري في الساحة السودانية مع مساحة حضور وتأثير أكبر للمحور المعادي للدوحة، والذي يشمل السعودية والإمارات ومصر، ليطرح ذلك أسئلة مفتوحة حول مؤشرات هذا التراجع القطري، واستمراريته من عدمه، في ظل هيمنة كاملة للمحور السعودي الإماراتي المصري على الملف السوداني، واضطلاع الدول الثلاثة بسياسة تتفق في خطها الأساسي على تهميش الدور القطري في الخرطوم.

بعد سقوط «صديق الجميع».. ما مصير الاستثمارات القطرية التركية في السودان؟

هل تُعاقَب الدوحة على دعمها البشير؟

في أول مهمة رئاسية للبشير (75 عامًا)، أثناء اندلاع الاحتجاجات التي كان قد مر على اندلاعها آنذاك نحو شهر، زار الرجل السبعيني الدوحة، بهدف تلقي دعم مالي في هيئة منح مالية نقدية، آملًا في الحصول على مليارات الدولارات؛ التي قد تُمكنه من تخطى أزمة التظاهرات في الشوارع، عبر إطلاق سلسلة إجراءات لخفض الأسعار والتراجع عن رفع أسعار الوقود وتعويم العملة المحلية، الذي كان أحد عوامل احتجاج المُتظاهرين.

Embed from Getty Images

كان اختيار البشير لقطر قائمًا على دعم الدوحة لحكومته في بيان رسمي أثناء اندلاع التظاهرات، وتلقيه اتصالًا هاتفيًا من أمير قطر تميم بن حمد، اطمأن فيه الأخير على أوضاع البلاد مع تزايد حدة الاحتجاجات الشعبية، وعبّر عن «وقوف بلاده مع السودان وجاهزيتها لتقديم كل ما هو مطلوب لمساعدتها على تجاوز هذه المحنة مؤكدًا حرصه على استقرار السودان وأمنه».

وقد شكلت مواقف قطر الرسمية تأييدًا لبقاء البشير رئيسًا للسودان، وتجاهلت مطالب المحتجين بالإطاحة به، واستمرار الرهان على الرجل الذي كان وجوده في السلطة عاملًا في اتساع النفوذ القطري في الساحة السودانية.

على مدار سنوات حُكم البشير، تحولت قطر لفاعل رئيسي في السودان، وأحد الأطراف الإقليمية الهامة المؤثرة، وشهد على ذلك نجاحها في رعاية وساطة بين الحكومة السودانية ومتمردين في إقليم دارفور في النزاع الذي اندلع بينهما، كما برزت تجاريًا بوصفها أهم داعم مالي للخرطوم طيلة سنوات حُكم البشير، إذ بلغ حجم استثماراتها في عام 2017 نحو 3 مليار دولار، وهو الرقم الذي ظل آخذًا في النمو السنوات اللاحقة.

العامل الرئيسي الذي يقف وراء هذا الدعم الرسمي للدوحة مع البشير في أيامه الأخيرة، من خلال استعراض محطات العلاقات الثنائية بين البلدين في الشهور الأخيرة، هو موقف الخرطوم الذي اعتبرته الدوحة داعمًا له في الأزمة الخليجية.

فقد سبق وأن أصدر مركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، الذي يتخذ من الدوحة مقرًا رئيسيًا له، تقدير موقف، أشار فيه إلى أن «السودان يصطف في الجانب القطري، على الرغم من الضغوطات الكبيرة التي يواجهها من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات لإعلان وقوفه إلى جانب دول الحصار».

كما أوضحت صحيفة «السودان اليوم» في تقرير منشور أن محمد مصطفى الضو رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان السوداني، ونائب رئيس القطاع السياسي في «حزب المؤتمر الوطني»، قال: «إن دولة عرضت عليهم تقديم مساعدات تتمثل في وقود ودقيق للخروج من الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد، مقابل قطع السودان علاقاته مع كل من قطر وتركيا وإيران وجماعة الإخوان المسلمين».

غير أن زيارة البشير لم تأت بجديد، وأتت نتائجها «مُخيبة» لآماله، وفقًا لمصدر صحفي سوداني وآخر دبلوماسي عربي على اطلاع بالأيام الأخيرة للرجل، بعدما وافقت قطر على منح الخرطوم أموالًا شريطة أن تكون في صورة استثمارات وليست نقدية كما طلب خلال لقائه بأمير قطر تميم بن حمد.

يقول خالد مدى الصحافي السوداني بصحيفة «الانتباه» السودانية، والمتخصص في العلاقات الخارجية، إنه: «فيما يتعلق بالتنافس الإقليمي حول السودان، يمكن تقسيمه إلى فترتين: مرحلة ما قبل الثورة والمرحلة التي تلتها بعد خلع المشير البشير. إذ مثلت قطر حاضنة تاريخية لنظام البشير ووفرت له الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي. وكان للنظام علاقات متميزة بقطر وتركيا وايران حاول اللعب على التناقضات في منطقة الخليج، واستعدى أقرب جيرانه، وتقف مصر مثالًا حيًا وشاهدًا على ذلك».

ويُضيف مدى خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه عند تصاعد المظاهرات ضد النظام؛ امتنعت دول مثل السعودية والإمارات عن تقديم يد العون له لأنهما كانتا تعلمان بلعب النظام على كل المحاور.

لكن جولة البشير الإقليمية التي بدأت بقطر، وانتهت بمصر، لم تأتِ بأي فائدة سياسية ولم تمكنه من الحصول على دعم مالي يُنجيه من اتساع رقعة الاحتجاجات التي عمت كافة ربوع السودان؛ ليُطيح به الجيش السوداني ويصعد للحُكم مدعومًا آنذاك ببيانات رسمية من المحور السعودي المصري الإماراتي.

تبع هذه البيانات الرسمية تقديم دعم مالي من السعودية والإمارات قيمته 3 مليار دولار للسودان، شملت نحو «500 مليون دولار مقدمة من البلدين، وديعة في البنك المركزي لتقوية مركزه المالي، وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني، وتحقيق مزيد من الاستقرار في سعر الصرف».

تزامنًا مع هذا الدعم المالي، انتقل قائد قوات الدعم السريع، ونائب رئيس المجلس الانتقالي محمد حمدان (حميدتي) للسعودية، بينما ذهب عبدالفتاح برهان، رئيس المجلس العسكري إلى القاهرة للقاء رئيسها عبد الفتاح السيسي، تبعها بزيارة لأبوظبي في سلسلة زيارات لا تنفصل عن بلورة سياسة خارجية جديدة داعمة للمحور الثلاثي.

Embed from Getty Images

كانت أولى إشارات هذه السياسة الجديدة سريعة؛ بعدما صدر قرار بإعفاء السفير بدر الدين عبد الله محمد أحمد من منصب وكيل وزارة الخارجية، بعدما ذكر أن هناك «ترتيبات تجري لزيارة وفد قطري رفيع المستوى للخرطوم قريبًا». تلا ذلك موقف آخر هو استدعاء سفير السودان لدى قطر، فتح الرحمن علي محمد، إلى الخرطوم، فضلًا عن قرار أجهزة الأمن السودانية بإغلاق مكتب «شبكة الجزيرة» في الخرطوم، والتحفظ على الأجهزة المملوكة لأعضاء المكتب.

روجت آنذاك وسائل إعلام عربية أبرزها «العربية» الإخبارية السعودية، نقلًا عن مصادر سودانية مُطلعة أن «السلطة السودانية الانتقالية تدرك أن الدوحة مصدومة من عزل حليفها عمر البشير وغير راضية عن الوضع الجديد، وتحرض ضده وتدعو للفوضى والتغيير، ليس فقط من خلال وسائل الإعلام مثل «الجزيرة» بل أيضا عبر جماعات لها علاقة بالنظام السابق».

تأكدت هذه السياسة من واقع تصريحات لحميدتي، الرجل الأكثر نفوذًا من بين كافة أعضاء المجلس العسكري، والتي أكد خلالها أن قناة «الجزيرة» موجهة ضد قوات الدعم السريع، وضد المجلس العسكري، ووراءها دولتها طبعًا، «لكي نكون واضحين، يجب أن نقول الحقائق، وراءها دولتها قطر، الآن هي دولة موجهة كامل قوتها لكي تدمر المجلس العسكري، والدعم السريع».

يوضح ذلك خالد مدى بالقول: «حسم المجلس العسكري الانتقالي موقفه بالوقوف إلى جوار المحور السعودي، الاماراتي، والمصري، وقطع علاقته بقطر دون الإعلان عن ذلك رسميًا. وأكد نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو عن عدم استقبالهم لرئيس الوزراء ووزير الخارجية القطريين بعد وصلوهما للخرطوم بعد الثورة. وتم سحب سفير السودان من قطر دون الإعلان عن ذلك رسميًا أيضًا. الدولتان صاحبتا النفوذ الأكبر في السودان الآن هما السعودية والإمارات ومصر بدرجة أقل منهما».

ويمكن القول بأنه مع اختيار البشير لقطر محطة أولى لزياراته الخارجية، دون النظر لنتائج الزيارة، واستمرار دعم الدوحة على نظام حكمه، وتقاطع هدف الانتفاضة الشعبية في إسقاط البشير كممثل للإسلام السياسي مع مصالح المحور السعودي الإماراتي المصري ضد جماعات الإسلام السياسي، خسرت قطر جزءًا كبيرًا من نفوذها بالسودان.

للعودة من جديد.. قطر تسعى من كل الجهات

نجحت قطر، خلال سنوات حُكم البشير، في نسج صلات مع كافة الفاعلين السياسيين شاملة في ذلك الحركات المسلحة داخل السودان؛ وكافة أعضائها، لتكون هذه الجهات هي الأبواب المُحتمل تسلل النفوذ القطري في الملف السوداني عبرها، في محاولة لتعويض غيابها الرسمي، وطرح نفسها وسيطًا مُحتملًا في الوصول لاتفاق سلام في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة.

يظهر ذلك في متابعة قناة «الجزيرة» الفضائية الإعلامية لرحيل ياسر عرمان، نائب رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، إلى جنوب السودان، وإنجاز سلسلة مقابلات تلفزيونية معه وعدد من أعضاء الحركة بعد انتقالهم خارج السودان، فضلًا عن العلاقات الوثيقة التي تجمع الدوحة بقادة الحركة منذ رعايتها وساطة بين الحكومة السودانية ومتمردين في إقليم دارفور.

أمير قطر مع عدد من مسؤوليه في زيارة خارجية

وتحاول أبوظبي، أيضًا، نزع هذا الملف من رعاية الدوحة عبر دعوتها لمالك عقار، رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال»، ونائبه ياسر عرمان. إلى جانب ابنة الصادق المهدي، رئيس وزراء السودان السابق، ونائبته في رئاسة «حزب الأمة» لزيارتها قبل انتقالهما للخرطوم،  محاولة «لفرض أجندتها في السودان».

منفذ آخر لتسلل النفوذ القطري يتمثل في سعيها الدؤوب لتوطيد صلاتها مع بعض دوائر النظام القديم خلال نظام البشير، وفقًا لعبد الفتاح عرمان، الباحث مُتخصص في السياسة الخارجية السودانية، والمُقيم في واشنطن، الذي يُضيف لـ«ساسة بوست» أنه: «على الرغم من أن المجلس العسكري قد حسم أمره فيما يتعلق بتحالفاته الخارجية، ولكن اعتقد أن بعض دوائر النظام القديم ظلت علاقتها متصلة بقطر».

مضيفًا: «قد تمت دعوة إحدى الحركات المسلحة وحزب سياسي سوداني منشق عن الإخوان المسلمين لقطر مما يعني أن النفوذ القطري على الرغم من محدوديته يظل يحتفظ بتأثير -ولو محدود- على المشهد السياسي السوداني. وتلك الأطراف التي قدمت الدعوة لا تريد أن تصبح قطر خميرة في المشهد السوداني».

ويُميز عرمان بين طموحات الدول الثلاثة قائلًا: «إنه فيما يتعلق بالسعودية، دعمها لاستقرار السودان وحصول توافق سياسي -كما حدث في الاتفاق الأخير- واستثماراته في مختلف المجالات في السودان، سيضمن لها رصيدًا كبيرًا في السودان، بينما الإمارات فتسعى لاقتلاع الإسلام السياسي من جذوره بالاشتراك مع مصر في هذا البند، مما يشكل لهما أجندة عمل مشتركة مع حكومة «قوى الحرية والتغيير» المرتقبة والتي بدورها عانت من الإسلام السياسي الذي حكم وقسم السودان. بالإضافة للاستثمارات الإماراتية الكبيرة في السودان».

ويوضح أنه فيما يتعلق بمصر، كما أسلفت أجندة الحرب على الإسلام السياسي والأجندة المشتركة في حاجة كل منهما للآخر لضمان الاستقرار السياسي، سيعمل الجانبان بصورة جدية لتمتين علاقتهما لأن خطر الإسلام السياسي لا زال يهدد حكومتيهما. بالإضافة إلى ذلك، فإن رئاسة مصر للدورة الحالية للاتحاد الأفريقي وعلاقتها الجيدة مع بعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، تجعل الحكومة السودانية بحاجة اليها لرفع العقوبات والديون عن السودان واستقطاب الدعم الدولي لبناء ما حطمه النظام السابق من مشاريع تنموية.

لكن عرمان يستدرك: «أما فيما يتعلق بـ«قوى الحرية والتغيير»، فإن موقفها المعلن هو أنها ضد سياسة المحاور ومع علاقات متوازنة مع جميع الدولة العربية والأفريقية، والعالم بشكل عام. وقيادة قوى الحرية تتمتع بعلاقات جيدة مع الجميع، وأعتقد بعد تشكيل الحكومة الجديدة ستشهد العلاقات الخارجية انفراجًا كبيرًا لأن مشاكل السودان تكفيه لسنوات وليس بحاجة لخلق عداء غير مبرر لدول الجوار أو أصدقائه في المحيطين العربي والأفريقي».

على عكس المعارضة.. كيف ينظم عسكر السودان صفوفهم ضد الثورة؟

المصادر

تحميل المزيد