عززت الخصومة السياسية بين السعودية وقطر، بعد قطع العلاقات بينهما، من حالة التنافس بين كلا البلدين من أجل اكتساب مساحة أكبر للنفوذ والتأثير في  العديد من البلدان العربية. وقد شكلت العراق أحد أهم مواضع هذا التنافس عبر حجز دور أكبر من جانب الدوحة والرياض في العامين الأخيرين، خصوصًا مع شروع كلا البلدين في بلورة أدوات وخطط متباينة، مثل آليات الاشتباك مع النموذج العراقي.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن مآلات التأثير لكلا البلدين في العراق، وكيف ربحت قطر المعركة في جولتها الأولى، وما هي عوامل التراجع السعودي في الملف العراقي، وإلى أي مدى سيستمر هذا الخفوت في الأدوار على المدى البعيد؟

بعد التقارب الأخير.. هذه أبرز مراحل العلاقات العراقية السعودية

«بغداد» لا تعبأ بالضغوط السعودية في الأزمة الخليجية

تحولت العراق إلى هدفٍ رئيسيٍ، للدول العربية الأربعة التي أعلنت مقاطعتها لقطر؛ وذلك لجذبها إلى معسكرها من أجل مزيد من الضغط على الدوحة، فضلًا عن رهن تغير موقفها السياسي تجاه الأزمة الخليجية بمكاسب مالية وسياسية، وذلك عبر اتخاذ موقف هجومي على الدوحة، من خلال إصدار بيان يتهم الأخيرة بدعم الإرهاب في العراق، وتقديم أموال لعناصر محسوبة على تنظيمات متشددة.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء العراقي خلال زيارة سابقة له للسعودية

ووفقاً لتصريحات صادرة عن نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية العراقية في البرلمان، لموقع العربي الجديد، محمد العبد ربه، فإن: «العراق تعرض إلى ضغوط من هذه الدول (دول الحصار) لقطع العلاقات مع قطر بشكل نهائي والاصطفاف مع الدول المحاصرة لكن الحكومة رفضت». وأضاف: «اليوم، وفي هذا الوقت تحديدًا، لا نريد أن نقف بجانب دولة ضد أخرى».

وتجاهلت بغداد مطالب الدول الأربعة، وأخذت موقف الحياد من المعسكرين مع الميل قليلًا تجاه قطر، عبر إطلاق بيان رسمي يطالب بضرورة الحوار بين كافة الأطراف، وإنهاء الأزمة التى وصفها رئيس وزرائها بـ«الحصار»؛ وهى المسألة التى تعززت بزيارات رفيعة المستوى بين الطرفين خلال فترة الأزمة الخليجية.

وفي أول تعليق له على الأزمة الخليجية، قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إنه يعارض العزلة التي تفرضها السعودية ودول عربية أخرى على قطر لأنها تضر المواطنين العاديين، وأضاف أن: «الأنظمة لا تتأثر بالحصار ولكنه يضر بالشعوب».

ولقد عززت العراق علاقاتها مع قطر غير عابئة بالضغوط السياسية من جانب الدول الأربعة؛ وشكلت عاملًا رئيسيًا في تخفيف تبعات إغلاق الدول الأربعة مجالها الجوي أمام الطيران القطري والحدود البحرية والبرية، وذلك عبر إطلاق خط ملاحي جديد بين قطر والعراق؛ والذي ستصل من خلاله السفن القطرية لميناء «أم قصر» جنوبي العراق.

ورسم الموقف العراقي من أزمة مُقاطعة قطر صورة أشمل عن النفوذ القطري في بلاد الرافدين؛ والذي نجحت الدوحة في تشكيله عبر أكثر من وسيلة، أبرزها: تقديم المنح المالية، ونسج علاقات دبلوماسية نافذة مع الفاعلين الرئيسين، سواء كانوا في السلطة أو المعارضة.

بعد رفضهما المساعدة.. لماذا قد ترغب السعودية وإيران في إسقاط النظام العراقي؟

«الحشد الشعبي» و«المعارضة العراقية» في العراق.. قطر: 1 – السعودية: صفر

شكلت أحد أدوات النجاح القطري، في كسب نفوذ سياسي في العراق على حساب السعودية، إدراك الدوحة أهمية فتح قنوات اتصال مع تيار «الحشد الشعبي»، وذلك منذ سنوات سابقة على وقوع الأزمة الخليجية؛ وهو ما دفع قطر للتحرك عبر خطوات مدروسة لنسج علاقات نافذة مع قادتها؛ وحصد نتائج هذه العلاقات، عقب تعزيز نفوذ الحركة العراقية  داخل السلطة، وتبعيتها للقيادة العامة للقوات المُسلحة.

Embed from Getty Images

صورة تجمع أمير قطر مع الرئيس السابق لمجلس النواب العراقي والمُرشح وزيرًا للدفاع

يؤكد ذلك ما ينقله الباحث في معهد «جاثم هاوس» بلندن، ريناد منصور خلال مقابلة مع «المونيتور» قائلًا إن: «السعودية واجهت صعوبات في خلق حُلفاء لها في العراق، لذا تسعى للبحث عن قادة شيعة من الذين ينتقدون إيران، بينما قطر تمتلك علاقات قوية وقادة في الحشد الشعبي وكذلك في المحور الوطني السُني بالإضافة إلى مقربين من إيران».

التحركات القطرية الناجحة في  توطيد علاقاتها مع تيار الحشد الشعبى، والتي شكلت بدورها حائط صد أمام أي تحركات مناوئة من جانب السعودية والإمارات لحلحلة هذا التحالف؛ قد ظهرت مؤشراته في دفاع المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية عن قطر، عن أدوار ميلشيات «الحشد الشعبي»، بعدما اتهم وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات العربية المتحدة، أنور قرقاش، «الحشد الشعبي» بتلقي أموال دعم من قبل قطر.

والتقى وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال زيارته الأخيرة لبغداد، بعدد من قادة ميلشيات «الحشد الشعبي»، ودعاهم لزيارة بلاده، في دلالة على الرغبة القطرية في استمرار علاقتهم بـ«الحشد الشعبي» على الرغم من الضغوط السياسية المستمرة من جانب السعودية والإمارات عليها لقطع علاقاتها معهم.

وقد عزز تقارب الدوحة مع «الحشد الشعبي» موقف قطر من إيران، صاحبة النفوذ الأكبر في العراق، وعدم دخولها في معركة التصريحات مثلما فعلت السعودية والإمارات، والتزامها الحياد في علاقاتها مع طهران، وحرصها على وجود قناة اتصال دائمة بين الجانبين؛ ما سهل لها نسج علاقات مؤثرة في  العراق.

لاحقًا؛ أدركت السعودية أهمية تكوين حلفاء لها داخل التيار الشيعي في  العراق؛ وحتمية التعويل عليهم رغم الخصومة السياسية الكبيرة، لتبدأ في التواصل مع أعداد منهم مثل الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، الذي التقاه ولي العهد السعودي في جدة، وهو ما شكل تحولًا نوعيًا في سياسة المملكة تجاه العراق.

وقد أوضح أهداف هذه السياسة الجديدة النائب العراقي المقرب من الصدر، ضياء الأسدي، الذى أشار إلى أن: «المملكة العربية السعودية أدركت أنها عاجزة عن مقارعة إيران دون التعايش مع المذهب الشيعي أو التغاضي عنه. في الوقت الحالي، يريد السعوديون إخبار العالم أنهم ليسوا ضد الشيعة، لكنهم ضد الشيعة المتأثرين بإيران».

هل بدأت نهاية الحشد الشعبي في العراق؟ 3 أسباب تؤيد تلك النظرية

الورقة الثانية في كسب قطر لمعركة النفوذ في العراق تمثلت في استضافة العديد من الشخصيات ذات ثقل سياسي ومحسوبة على تيار المعارضة في العراق، مثل وزير الخارجية الأخير في نظام صدام حسين، ناجي صبري الحديثي، والمرافق الأقدم لصدام حسين أرشد ياسين، كما يتواجد في قطر شخصيّات أخرى، مثل نائب رئيس الجمهوريّة الأسبق المدان بالإرهاب بحسب القضاء العراقي طارق الهاشمي، وشخصيّات معارضة تحمل صفات أكاديميّة وعسكريّة.

أحد محددات نجاح قطر في كسب معركة النفوذ داخل العراق هو اقتراب رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، المدعوم قطريًا، من تولي منصب وزير الدفاع في حكومة عادل عبد المهدي، على خلاف وجهة النظر السعودية التى كانت تدفع نحو ترشيح مرشح من ائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي أو الأطراف التي لا ترتبط بعلاقة مع تُركيا وقطر.

كيف أضاع «ثامر السبهان» ما تبقى من نفوذٍ للمملكة في بغداد؟

تبلورت تحركات الرياض نحو التعامل مع الملف العراقي من جديد، في العامين الأخيرين، عبر تفويض أشخاص جُدد محسوبين على ولي العهد السعودي؛ أدوا أدوارًا غاب عنها التقدير السياسي لأوزان القوى الفاعلة في العراق، والأبعاد المجتمعية للتنافس داخل المجتمع العراقي؛ وهو الأمر الذى عزز من ترجيح كفة قطر على حساب السعودية في امتلاك نفوذ حقيقي ومؤثر داخل بغداد.

Embed from Getty Images

صورة لولي العهد السعودي مطبوعة على إحدى التيشيرتات

ثامر السبهان كان على رأس هؤلاء الأشخاص، ممن جرى تفويضهم لإدارة هذا الملف من جانب ولي العهد السعودي، إذ قدمته الرياض، ليكون أول سفير جرى تعيينه في بغداد، منذ إعادة فتح السفارة السعودية في العاصمة العراقية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وذلك بعدما أغلقت سفارتها عقب الغزو العراقي للكويت في أغسطس (آب) 1990.

أدى تفويض رجل مثل السبهان، لا يحمل خبرة دبلوماسية كبيرة، وتقتصر مُحددات اختياره على كونه أحد رجال ولي العهد السعودي، إلى وقوع العديد من الأزمات لبلاده؛ أفقدها الكثير من حضورها وتأثيرها لصالح منافسين آخرين مثل قطر.

كانت هذه الأزمات كفيلة بتحرك عراقي رسمي من خلال تقديم طلب إلى المملكة العربية السعودية بتغيير سفيرها لدى بغداد، على خلفية تصريحات، وُصفت بأنها تغذي الفتنة الطائفية وتتدخل في شؤون العراق الداخلية، فيما اعتبر وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري تحركات السفير السعودي «تدخلًا بالشأن الداخلي»، وأشار إلى أن «ما يقوم به لا علاقة له بدوره سفير». وكان السفير السعودي قد ذكر أن: «الاستخبارات العراقية زودته بمعلومات عن مخططات لاغتياله»، كما اتهم العراق بالاستعانة بـ«شخصيات إيرانية إرهابية» لـ«حرق العراقيين» في حرب طائفية أثناء عمليات الفلوجة.

ثامر السبهان.. دبلوماسيٌ تتمسك به السعودية رغم أخطائه

تشكُل سياسة قائمة على الصدام الدائم مع أوزان سياسية فاعلة داخل العراق؛ أفقدت السعودية نفوذ المملكة في الداخل العراقي؛ لتستجيب الرياض في  نهاية المطاف إلى تغيير سفيرها، وتعيين دبلوماسي آخر هو خالد الشمري، وذلك في  مؤشر واضح على إدراك الرياض فشل سياسة السبهان، وعدم جدوى هذه السياسة في توسيع رقعة نفوذ المملكة في العراق. وربط العديد من المراقبين بين اختيار الشمري لهذا المنصب ومكانة قبيلته (شمر) وامتدادها في عدة مناطق في العراق.

Embed from Getty Images

ثامر السبهان

وقد تمثلت خطة السبهان الأساسية في توسيع عملية شراء ذمم الإعلاميين وشيوخ العشائر العراقية، وإحداث اقتتال بين التيار الصدري وباقي الفصائل، وذلك وفقًا لوثيقة نشرتها جريدة «الأخبار» اللبنانية، والتي أشارت كذلك إلى أن هذه الأدوار كانت كفيلة بخروجه من بغداد تحت ضغط سياسي ورسمي.

إلى جانب السياسة الصدامية للسبهان مع القوى السياسية الفاعلة في الداخل العراقي، أدت حملة التصعيد من جانب الرياض تجاه رجال الدين الشيعة في الحد من نفوذها وعرقلة تحركاتها لتحسن العلاقات مع بغداد، خصوصًا بعدما قررت السعودية إعدام رجل الدين السعودي الشيعي نمر النمر في يناير (كانون الثاني) 2016، والتي أعقبها اندلاع مظاهرات غاضبة في إيران والعراق ولبنان تنديدًا بإعدام النمر.

لاحقًا، سعت الرياض لتجاوز تعثرات خطة ولي العهد تجاه الملف العراقي، وفشل سياسته في تعزيز النفوذ السعودي، عبر استبدالها بسياسة أكثر احتواء نسبيًا، ومقاربة جديدة للعلاقة مع بغداد. وقد عزز من هذه المُقاربة التجاوب مع الضغوط العراقية بتغيير السبهان، إلى جانب تكثيف زيارات مسؤولي السعودية للعاصمة العراقية.

ثامر السبهان.. دبلوماسيٌ تتمسك به السعودية رغم أخطائه

وقد انعكست هذه السياسة الجديدة على بوادر تحسن في علاقات السعودية والعراق خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ زار رئيس وزراء العراق حيدر العبادي السعودية مرتين مؤخرًا، وعادت الرحلات الجوية بين البلدين، فضلًا عن إعادة العمل إلى معبر عرعر البري بينهما. وأدى هذا التحسن لدخول السعودية غمار التنافس مع قطر على حصص المُساهمة في ملف إعمار العراق؛ حيث أعلنت السعودية استثمار 1.5 مليار دولار، بينما خصصت قطر حزمة من القروض والاستثمارات للعراق بقيمة مليار دولار.

المصادر

تحميل المزيد