في الوقت الذي تدور فيه حرب تجارية طاحنة بين قطر والدول المقاطعة لها، تشتعل حرب أخرى من نوع مختلف تسعى فيها دول الحصار لإلحاق الضرر بنظام الدوحة قدر الإمكان، الحرب هذه المرة تستهدف الجهاز المصرفي، إذ تستخدم كل من السعودية والإمارات والبحرين كل نفوذهم المتاحة للتأثير في بنوك الدوحة، فهل يصمد الجهاز المصرفي القطري أمام هذا التحدي؟

تراهن قطر على عدة عناصر في هذه الحرب المصرفية التي تقوم بها دول المقاطعة، وعلى رأس هذه العناصر متانة الاقتصاد المحلي، والملاءة المالية الكبيرة للبنوك، وقوة الاحتياطات لدى الدولة، إذ يؤكد المحللون أن الجهاز المصرفي القطري والعملة المحلية قادران على مواجهة تداعيات الحصار الذي تفرضه عدد من دول الخليج منذ الخامس من يونيو (حزيران) الماضي.

ومع مرور نحو شهر على الأزمة باتت المواجهات المصرفية أهم ملامح الأيام الماضية، فيما تؤكد التوقعات أنها ستكون أهم الأدوات التي ستستخدمها دول الحصار حال استمرت الأزمة مدة أطول، سواء عبر محاولات إضعاف العملة القطرية أو سحب ودائع البنوك من قطر.

جهاز مصرفي قوي

تمتلك قطر جهازًا مصرفيًّا قويًّا، يعد من أمتن الأجهزة المصرفية بالمنطقة، فبحسب تقرير مصرف قطر المركزي يوليو (تموز)، نمت موجودات البنوك ومطلوباتها بنهاية شهر مايو (أيار) الماضي نحو 5.4 مليارات ريال، إذ قفزت من 1.308 تريليون ريال بنهاية شهر أبريل (نيسان) من العام الجاري، إلى نحو 1.313 تريليون ريال بنهاية شهر مايو (أيار) الماضي، مسجلة نموًا منذ العام الماضي بنسبة 12%، بعد أن كانت في حدود 1.117 تريليون ريال بنهاية مايو (أيار) 2016.

وقال التقرير إن إجمالي الودائع في الجهاز المصرفي القطري بلغ نحو 762.2 مليار ريال، وذلك بنهاية شهر مايو (أيار) من العام الجاري، مقارنة بنحو 682.5 مليار ريال بنهاية شهر مايو (أيار) 2016، بزيادة تقدر بنحو 79.7 مليار ريال، أي بنسبة تغير على أساس سنوي تساوي 11.67%، بينما بلغت ودائع البنوك لدى مصرف قطر المركزي نحو 44.6 مليار ريال بنهاية مايو (أيار)، توزعت إلى نحو 35.1 مليار ريال كاحتياطي إلزامي، الذي ارتفع بنحو 54.4 مليون ريال مقارنة بشهر أبريل (نيسان) الماضي، وبنحو 3.3 مليار ريال بنهاية شهر مايو (أيار) من العام الماضي.

وتشير بيانات مصرف قطر المركزي إلى استقرار السيولة وتوافرها بمستويات جيدة، مما ساعد على تحفيز الاقتصاد القطري، يضاف إلى ذلك متانة الاقتصاد المدعوم باحتياطيات نقدية ضخمة لدى «المركزي»، والأجهزة الحكومية، والجهاز المصرفي في البلاد إلى جانب الأصول التي يمتلكها جهاز قطر للاستثمار، والتي تتجاوز سقف 1.3 تريليون ريال.

الاحتياطات تحول دون أي تأثر

مصطفى عبدالسلام، الخبير لاقتصادي، ورئيس قسم الاقتصاد بصحيفة العربي الجديد، يرى أنه من باب الضغوط الاقتصادية النفسية التي تمارسها دول الحصار على قطر، يمكن الحديث عن عقوبات اقتصادية محتملة منها الضغط على الشركاء التجاريين لعدم التعامل مع الدوحة، والتهديد بسحب ودائع خليجية من البنوك القطرية تقدر قيمتها بنحو ١٨ مليار دولار، ونشر شائعات حول تهاوي الريال القطري مقابل الدولار، وانسحاب الاستثمارات الخليجية من قطر.

وتابع: «كما تُمارس دول الحصار ضغوطًا اقتصادية ومصرفية على قطر عبر نشر مزاعم حول توقف بنوك عالمية عن التعامل بالريال القطري، وقطعها العلاقات مع القطاع المصرفي القطري».

وأكد خلال حديثه لـ «ساسة بوست» أن الهدف النهائي من نشر هذه الأقوال هو الضغط الشديد على الاقتصاد القطري، وإحداث قلق في الأسواق، ودفع بعض المضاربين نحو المضاربة على الريال، والنتيجة النهائية دفع صنّاع القرار في قطر لقبول مطالب دول الحصار لتفادي الخسائر.

ويقول عبدالسلام: تكمن قوة الاقتصاد القطري في صلابة قطاعه المصرفي، وقوه علاقته ببنوك العالم، وتوافر أصول لدى البنوك تتجاوز 1.4 تريليون ريال، وودائع 763 مليار ريال، كل ذلك كفيل بإحباط أية محاولات لمعاقبة قطر مصرفيًّا، كما أن احتياطي يتجاوز 34 مليارًا لدى البنك المركزي، وسيولة لدى الصندوق السيادي بقيمة 335 مليار دولار تحول دون تأثر القطاع المالي والمصرفي القطري بأية عقوبات اقتصادية متوقعة من دول الحصار.

سحب الودائع لن يهز الجهاز المصرفي

على الجانب الآخر، يرى بشير الكحلوت، مدير مركز البيرق للدراسات الاقتصادية والمالية، «أن التلويح بسحب دول الحصار ودائعها من المصارف القطرية، لن يهز الجهاز المصرفي بالبلاد، إذ إن تلك الودائع تمثل جزءًا بسيطًا من مطلوبات الجهاز، كما أن تلك الودائع ليست ديونًا على المصارف بقدر ما هي أموال لأصحابها يودعونها من أجل تحصيل فوائد وأرباح».

وعن كيفية تعامل البنوك مع هذا الأمر حال حدوثه، أوضح الكحلوت أن مصرف قطر المركزي يدعم البنوك القطرية من خلال نافذة السوق النقدية القطرية؛ إذ تستطيع البنوك الاقتراض السريع من المصرف مدة أسبوع أو أكثر مبالغ كبيرة بسعر فائدة منخفض، كما أن لدى المصرف احتياطات ضخمة لهذا الغرض.

ووفقًا لمصادر مصرفية فإن الودائع القطرية بالبنوك الخليجية لا تتخطى سقف 50 مليار ريال، وتمثل هذه الودائع جزءًا بسيطًا من إجمالي الودائع القطرية في الداخل التي تتجاوز سقف 762.2 مليار ريال، والودائع الخارجية التي تتجاوز سقف 300 مليار ريال، دون اعتبار الاحتياطيات النقدية التي يستحوذ عليها مصرف قطر المركزي وتتخطى عتبة 200 مليار ريال، والأصول التي يمتلكها جهاز قطر للاستثمار، والتي تفوق 1.3 تريليون ريال موزعة على كامل القارات.

وقال شيراديب جوش المحلل لدى بنك سيكو الاستثماري في البحرين إن البنوك القطرية لديها نحو 60 مليار ريال (16 مليار دولار) في صورة ودائع عملاء، وودائع ما بين البنوك من دول خليجية أخرى.

موجة وقف تداول الريال القطري

في يوم الجمعة الماضي، انطلقت موجة من وقف التعامل بالريال القطري في بنوك عالمية تعمل في بريطانيا، وتمتلك الدول الخليجية المقاطعة لقطر حصصًا كبيرة في هذه البنوك، إذ قال متحدث باسم بنك تيسكو المملوك لمجموعة التجزئة البريطانية تيسكو إنه لم يعد بمقدور عملائه شراء أو بيع الريال القطري في منافذه.
وقال مصدر لوكالة «رويترز» إن بنك باركليز أوقف تداول الريال القطري لعملاء فروعه، فيما قالت مجموعة لويدز المصرفية البريطانية إنها أوقفت تداول الريال القطري، وأن العملة لم تعد متوافرة للبيع أو إعادة الشراء في بنوكها.

على جانب آخر، قال متحدث باسم رويال بنك أوف سكوتلند إن عملاءه لم يعد بمقدورهم بيع أو شراء الريال القطري في فروعه، بالإضافة إلى أن شركة ماني كورب المتخصصة في الوساطة بأسواق العملات الأجنبية قالت أيضًا في نفس اليوم إنها توقفت عن قبول الريال القطري في مكتبها.

وفي المقابل، استأنفت شركة الصرافة العالمية ترافيليكس تداول الريال القطري في فروعها بمختلف أنحاء العالم، وذلك بعد تعليقه مؤقتًا في بعض الفروع، وأوضحت الشركة في بيان لها أنها أوقفت شراء العملة القطرية لفترة وجيزة.

سعر صرف الريال القطري مستقر
تمامًا مقابل الدولار الأمريكي، وقابليته للتحويل داخل قطر وخارجها مضمونة في أي وقت
بالسعر الرسمي.

هكذا رد مصرف قطر المركزي، في بيان له صدر يوم الجمعة الماضي، مؤكدًا أنه سيضمن كل عمليات تحويل العملة للجمهور داخل قطر وخارجها بدون تأخير، وأن كافة البنوك وشركات الصرافة المحلية ملتزمة بإجراء التحويلات حسب ما هو معتاد، إذ شدد المصرف على أن عملة بلاده تبقى مضمونة باعتراف صندوق النقد الدولي بها كعملة رسمية، ولأنها مغطاة من جانب مصرف قطر المركزي باحتياطيات نقدية ضخمة.

الرئيس التنفيذي لشركة «الدار للصرافة» جمعة المعضادي، من جانبه أكد «أنه بمتابعة أسماء البنوك التي أوقفت تداول الريال تبين أن إحدى دول الحصار تتحكم فيها وتستغل ذلك كوسيلة ضغط على الدوحة»، وأضاف: «إن قطر لديها ما يكفي من الموارد المالية لمواجهة أي تداعيات للحصار، سواء تلبية احتياجات السوق المصرفية أو دعم العملة المحلية».

للمزيد حول الريال القطري يمكنك قراءة التقرير التالي:

بنوك امتنعت عن التعقيب

وباتت بعض البنوك العالمية عالقة وسط الصراع الخليجي الحالي، وهو الأمر الذي أجبر بعضها للانضمام إلى بنوك إماراتية وسعودية وبحرينية في وقف أي تعاملات جديدة مع قطر، بينما ما تزال بنوك كبرى آسيوية وأوروبية وأمريكية تقدم تمويلًا، بشكلٍ طبيعي.

بنوك كبرى أخرى لديها علاقات قوية مع قطر والسعودية، في نفس الوقت، فقد شارك إتش. إس. بي. سي، وجيه. بي. مورجان، ودويتشه بنك في إصدارات سندات سيادية لكل من السعودية وقطر العام الماضي، إلا أن هذه البنوك امتنعت عن التعقيب بشأن كيفية استجابتها للأزمة.

المصادر

تحميل المزيد