في حالة مغايرة عن باقي دول الخليج، تعتبر قطر جماعة الإخوان المسلمين واحدةً من مكونات قوى الخارطة السياسية في العالم العربي التي ينبغي التعامل معها وإشراكها في الحياة السياسية، وذلك على عكس باقي دول الخليج التي تعتبر الإخوان تنظيمًا إرهابيًا محظورًا، كما هي الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

وصول أعضاء  الجماعة إلى قطر عام 1954 ومرور تواجدها بعدة عواصف حُلت على إثرها الجماعة عام 2003، ثم اندلاع ثورات الربيع العربية وحدوث خلافات سياسية كبيرة نتيجة تأييد الجماعة أو محاربتها، هي مراحل يستعرضها تقرير  “ساسة بوست”  مع التطرق إلى احتمالات ما بعد المصالحة القطرية المصرية.

كيف وصل الإخوان إلى قطر؟

 وصلت موجة الأخوان الأولى إلى قطر من مصر عام 1954، وذلك بعد محاربة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لهم، وأما الموجة الثانية فقد قدمت من سوريا في سنة 1982 بعد أن قام حافظ الأسد بتفجير معقلهم في الحمّة، وأما المجموعة الأخيرة فوصلت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر قادمة من المملكة العربية السعودية.

نالت الجماعة ثقة حاكم قطر آنذاك الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني، حيث هيأ لهم إنشاء تيار إسلامي داخل قطر، وكان لهم تأثير كبير على المجتمع البدوي المحافظ في قطر الذي لم يتعدَ أفراده في سنوات الخمسينات عشرات الآلاف نسمة.

وانتشر الفكر الوسطي المعتدل وسط غالبية أهل قطر بشكل كبير وما زال هذا التأثير قائماً، وأصبح الفكر الإسلامي الوسطي هو السمة الغالبة على أهل قطر بكل توجهاتهم الفكرية، ومارست هذه الحركة أدوارها في التربية والإغاثة والعمل الخيري، والتي كانت تزاولها عن طريق الجمعيات والأندية والمؤسسات واللجان الخيرية.

 يقول عبد الغفار حسين في مقالة بجريدة “الخليج” الإماراتية: “لم يكن الطريق سهل المسالك أمام التوسع الإخواني وغيرهم من الجماعات في الخليج العربي غير المنسجمة مع التيار القومي، ولذلك لم تقم في هذه المناطق تجمعات إخوانية منظمة لها الحول والطول قبل السبعينات من القرن المنصرم”، ويتابع: ” لكن بارقة الأمل لمع وميضها في قطر، حيث لجأ إليها أفراد من الإخوان أخرجوا من مصر أو خرجوا منها، فتبناهم حاكم قطر الأسبق الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني الذي اعتبر الإخوان سلفيين مسلمين اضطهدوا في ديارهم فلجؤوا إلى بلده وعليه نصرتهم”، ويضيف: “كان الشيخ علي (رحمه الله) أميرًا مسلمًا شديد التدين ويقرب إليه أهل العلم، ولم يكن منغمسًا في أمور السياسة خارج إطار بيئته البسيطة، وجاء إليه أفراد من الإخوان المسلمين بينهم رجلان لهما مكانتهما في جماعة الإخوان، وهما الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عبد البديع صقر، ولعب هذا الأخير دورًا قياديًا نفع به الإخوان، وتولى الشيخ عبد البديع مركز المستشار لحاكم قطر ومديرًا لدار الكتب القطرية التي تم تأسيسها في تلك السنين”.

كيف حلت جماعة الإخوان في قطر؟

في عام 1999 بدأت مجموعة من الإخوان  في قطر بالتفكير في حل الجماعة وتفكيكها، وذلك بسبب ملاحقة حكومات دول الخليج الشباب المتأثرين بفكر الإخوان ومطاردتهم في أرزاقهم وإبعادهم عن وظائفهم، وظهر تأثيرهم في تصريحات بعض القادة الخليجيين الذين ما فتئوا يرمون التهم جزافًا على الإخوان بدون إبراز أي دليل على توجسهم هذا.

 هذه الأوضاع سببت وجود حالة من الإرباك في أوساط التيار الإخواني بقطر، فاتخذ البعض قرار إلغاء الجماعة وتفكيكها في عام 2003، ولكن قراراً مثل هذا كانت تترتب عليه تبعات كثيرة، حيث عارضت الجماعة في مصر الحل على لسان الدكتور عصام العريان القيادي الإخواني المصري، الذي قال: “إن الحالة القطرية لم تصل بعد إلى النضج الكافي الذي يجعلنا نحكم عليها”.

ويذكر عبد العزيز آل محمود في مقاله  “الإخوان المسلمون في قطر.. مَن هم؟” أنه خلال تلك الفترة جاء الدكتور عبد الله النفيسي إلى الدوحة واستقبلته المجموعة التي اقترحت حل الجماعة وأقنعته بالفكرة، فخرج النفيسي من ذلك المجلس وكتب مقالته الشهيرة عن الإخوان المسلمين في قطر، والتي أيد فيها قرار الحل أو التفكيك، ودعا لأن يكون مثالاً يحتذى، ولكن الخطأ الذي وقع فيه النفيسي حسب آل محمود أنه لم يستمع إلى وجهة النظر الأخرى حتى تكتمل الصورة لديه، وقد علق الدكتور العريان أيضاً بقوله: «إن دعوة النفيسي غير واقعية، وهناك إخفاق واضح ولبسٌ شديد اتسمت به دعوة النفيسي”.

 حصل هذا الانقسام في الجسم الإخواني القطري، وانقسمت المجموعة إلى قسمين، فبرز في التيار المعارض للإلغاء قيادات جديدة ووجوه شابة أعادت ربط نفسها بالتيار العام، وأعادت إحياء حلقات حفظ القرآن، والأُسَر، والتعليم الشرعي، وانشغلت بالدعوة إلى الله وتهذيب النفس وتزكيتها، ولكنها بقيت مجموعة صغيرة تستقطب نوعيات محددة من الشباب. أما المجموعة التي حلت نفسها فقد بقيت على اتصال ببعضها محاولة جهدها إبقاء التواصل الاجتماعي فيما بينها، وإن كانت أهملت فكرة الأسر والتعليم الشرعي، إلا أنها ما زالت محافظة على اللقاءات العامة بطابعها الديني والدعوي.

لمَ اختلف تعامل قطر مع الإخوان عن باقي دول الخليج؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

استمرت قطر بعد ثورات الربيع العربي في احتضان الإخوان، بينما خاضت الإمارات والسعودية ودول خليجية أخرى حملة واسعة لتأليب دول المنطقة على الجماعة ومحاربتها، وترجع دراسة لوحدة “أوراق خليجية” بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي، ذلك التفاوت إلى عدة أسباب، منها أن قطر تتعامل مع الوضع في تونس وليبيا ومصر بمزيد من الثقة ولديها قناعة تامة بعدم وجود خطر عليها من جماعة الإخوان المسلمين، بينما تتعامل السعودية بحذر أكبر، يعكس عدم ثقتها في هذا التغيير الجذري.

وحسب الدراسة التي أعدها برنارد هاكيل، مدير معهد الدراسات الإقليمية المقارنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى بجامعة برينسيتون، فإن الدوحة وجدت في الثورات العربية فرصة لتعزيز دورها الإقليمي في المنطقة، واعتمدت في تحقيق ذلك على عاملين أساسيين: أولهما قناة “الجزيرة” التي قدمت نموذجًا جديدًا للإعلام الإقليمي العربي الذي يهتم بقضايا الفساد والحريات في الدول العربية، والعامل الثاني يتمثل في دعمها للإخوان المسلمين ماديًا ومعنويًا، إذ ترى قطر في قوة الإخوان، باعتبارها الحركة الأقدم والأكثر تنظيما في المنطقة، وسيلة تحقق لها زيادة نفوذها في المنطقة.

أما السعودية حسب الدراسة فتخشى المد الثوري، لارتباطه بإيران والإخوان المسلمين، وفقًا لوجهة نظرها، لذا دعمت بشدة الإطاحة بالأسد للتخلص من طهران بشكل غير مباشر، فضلا عن تدخلها العسكري في البحرين تحت راية “قوات درع الخليج” لقمع الاحتجاجات التي يقودها الشيعة. كما أن السعودية لم تغفر يومًا ما تصفه بأنه “خيانة عظمى” لها من جانب أعضاء الإخوان المسلمين، حيث ردوا ترحيبها بهم بعد قمعهم أثناء فترتي حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، بدعمهما جماعات سعودية متطرفة كانت ترغب في إنهاء حكم آل سعود، فضلا عن وقوف أعضاء في الإخوان مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أثناء غزو الكويت.

ما هو انعكاس المصالحة القطرية الخليجية المصرية على الإخوان بقطر؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

رغم أن التوقع السائد أن نتيجة التقارب المصري – القطري هو وقوع الإخوان تحت ضغط كبير وفقدان ولو جزء من المساندة التي كانت تجدها الجماعة من قطر، إلا أن المحليين يحصرون أثر تحسّن العلاقات المصرية – القطرية على الإخوان في  احتمالين: أولهما أن هذه المصالحة القطرية – المصرية قد تشكل فرصة إضافية للتضييق على “الإخوان” من قبل الحكومة المصرية، وثانيهما أنه ربما يكون التقارب مقدمة لتسوية سياسية بين الإخوان وبين الحكومة المصرية تجعل احتمال الوصول لأي اتفاق في المستقبل ممكنًا.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة أنه إذا وصلت العلاقات بين مصر وقطر لدرجة جيدة من التفاهم يمكن أن يتحول دور الدوحة من خصم إلى وسيط، ولكن هذا سيتطلب وقتًا بكل تأكيد، كما أنه يتطلب رؤية لدى القيادة السياسية المصرية للوصول لتفاهمات وتقديم تنازلات، حسب نافعة.

من جانبه يعتقد أستاذ السياسة في جامعة القاهرة مصطفى كامل السيد أن التقارب المصري القطري في المستقبل القريب لن يؤدي إلى تغيير في الموقف من الإخوان، لكن التغيير سيستغرق وقتًا داخل الجماعة نفسها، وقد تشجع التطورات الجارية أطرافًا داخل الجماعة على التفاهم والوصول إلى اتفاق، وقد ترفض أطراف أخرى.

ويتوقع السيد أن تكون نتيجة التقارب  في المرحلة الأولى سلبية على الجماعة، وقد يستمر التأثير السلبي لصعوبة تراجع قطر عما التزمت به أمام دول الخليج، لأن تأثير الإخوان ليس فقط في مصر ولكن في دول الخليج أيضًا، وعلى الأقل ستتوقف الدوحة عن المساندة العلنية للجماعة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد