في الوقت الذي تترقّب فيه أسواق النفط العالمية الاجتماع الساخن لأعضاء منظّمة الدول المصدّرة للنفط «أوبك» في السادس من ديسمبر (كانون أول) الجاري، بالعاصمة النمساوية فيينا، من أجل اتخاذ قرار نهائي حول خفض إنتاج النفط من عدمه في 2019؛ فوجئ منتجو النفط حول العالم، صباح الإثنين، بمؤتمر صحفي لوزير شؤون الطاقة، والرئيس التنفيذي لقطر للبترول، سعد بن شريده الكعبي، يعلن فيه أن قطر قررت الانسحاب من منظّمة «أوبك» بدءًا من الأول من يناير (كانون الثاني) 2019، وذلك بعد عضوية دامت لنحو 57 عامًا، موضحًا أن بلاده أبلغت المنظمة صباح اليوم بقرارها.

وفي بيان أفاض فيه الوزير القطري في شرح أسباب وتداعيات قرار بلاده، أرجع القرار إلى رغبة الدوحة في التركيز على قطاع الغاز باعتباره هو القطاع الأهم بالنسبة لها، وهو الذي يخدم أهداف واستراتيجية قطر على المدى البعيد، وسيعزّز من مكانة قطر باعتبارها رائدة في إنتاج الغاز الطبيعي، بينما أوضح أن بلاده ستحضر الاجتماع المقبل للمنظمة، باعتباره آخر اجتماع ستحضره بصفتها عضوًا في «أوبك».

النظر أسفل الأقدام.. كيف تغامر السعودية بمستقبلها من أجل بيع «أرامكو» بسعر أفضل؟

وحول تأثير قرار الدوحة على أسعار النفط، أكّد الكعبي أن إنتاج بلاده من النفط ليس ضخمًا، وبالتالي فإن سوق النفط لن يتأثر بهذا القرار، إلا أنه وبحسب المحللين فإن تأثير القرار على السوق لن يكون بسبب حجم الإنتاج، ولكن بسبب الأثر السلبي الذي قد يعود على «أوبك» بسبب القرار، فخروج دولة عضو في المنظمة منذ عام 1961، ربما يقلص من دور التكتل النفطي الأكبر في العالم.

1- ما هو حجم إنتاج قطر من النفط؟

تشير البيانات الصادرة عن موقع «وورلد إنفو» المتخصص في الإحصاءات أن قطر تنتج نحو 600 ألف برميل نفط يوميًا، وتأتي في المرتبة 17 بين أكبر الدول المنتجة للنفط الخام في العالم، بينما يوجد في قطر 2% فقط من احتياطي النفط العالمي، إلا أنّها تعدّ المنتج والمصدّر العالمي الأول للغاز الطبيعي المسال، وهو ما جعلها بين أغنى دول العالم.

Embed from Getty Images

وبعد هذا القرار باتت قطر أوّل دولة من الشرق الأوسط تنسحب من «أوبك» بعدما كانت أوّل دولة تنضم للمنظمة عام 1961، عقب عام واحد من تأسيسها إلى جانب خمس دول هي السعودية وإيران والعراق والكويت وفنزويلا.

جدير بالذكر أن قطر ليست الدولة الخليجية الوحيدة التي باتت خارج «أوبك»، إذ إنّ كلًّا من البحرين وعُمان ليستا عضوًا في المنظمة بالمنظمة، وبلغ إنتاج عمان من النفط 980 ألف برميل يوميًا في 2015، بينما تجاوز الإنتاج المليون برميل مؤخرًا.

هل تكون إيران خليفة السعودية في السيطرة على «أوبك»؟

2- هل قرار قطر بالانسحاب من «أوبك» سياسي؟

منذ إعلان قطر عن قرارها، توالت الأنباء عن أن القرار سياسي أكثر منه اقتصادي، وبالرغم من أن الكعبي نفى أن يكون القرار سياسيًا، مؤكدًا أنه يرجع لأسباب فنية فقط تتعلق باستراتيجية قطر في المستقبل تجاه قطاع الطاقة.

لن نخرج من نشاط النفط لكن من المنظمة التي تسيطر عليها دولة واحدة

وبالرغم من النفي إلا أن هذه الكلمات التي قالها الوزير القطري في إشارة واضحة للسعودية تجعل من افتراض أن القرار سياسي أمر لا يمكن التغاضي عنه، خاصة أن هذا الإعلان المفاجئ يأتي في وقت يشهد فيه مجلس التعاون الخليجي أزمة عميقة، في خضم مقاطعة السعودية وحلفائها للدوحة منذ أكثر من عام، كما أن رئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، قال خلال تغريدة له على حسابه على موقع «تويتر»: «انسحاب دولة قطر من منظمة أوبك هو قرار حكيم، فهذه المنظمة أصبحت عديمة الفائدة ولا تضيف لنا شيئًا. فهي تُستخدم فقط لأغراض تضر بمصلحتنا الوطنية».

Embed from Getty Images

ويرى خبراء أن أسباب الدوحة غير مقنعة، إذ إنّ تطوير الطاقة في قطر لا يؤثر على كونها عضوًا في «أوبك»، موضحين أنه لا يوجد سبب اقتصادي لانسحاب قطر من المنظّمة، بالإضافة لهذا فإن الدول التي تعاني من مشكلات أمنية مثل ليبيا ونيجيريا، أو مشاكل فنية مثل فنزويلا، أو مشكلات في الإنتاج كما هو الحال في أنجولا، لم تقدم على هذه الخطوة.

على الجانب الآخر يرى تيري بروس، الباحث في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، أنه من غير المنطقي أن تذهب دولة مثل قطر إلى فيينا للقاء شخص يقود الاجتماع وهو بمثابة عدو، في إشارة إلى السعودية، موضحًا أن الانسحاب كان سيحدث في نهاية المطاف.

وتباينت ردود الفعل من الدول الأعضاء في «أوبك»، فالإمارات من جانبها ترى الانسحاب من زاوية مختلفة، بحسب ما جاء على لسان أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، الذي قال إن البعد السياسي للقرار بالانسحاب من «أوبك» إقرار بانحسار الدور والنفوذ في ظل عزلة الدوحة السياسية، بينما يرى محافظ إيران في «أوبك» أن خروج قطر من المنظمة أمر مؤسف لكن يمكن تفهمه.

3- هل ارتفع النفط بسبب قرار الدوحة؟

بالرغم من أن القرار غير متوقع، ولكنه في النهاية يعدّ إجراءً رمزيًّا أكثر من كونه مؤثّرًا على سوق النفط العالمي، فبحسب فيونا سينكوتا، المحللة في مجموعة «سيتي إندكس»، فإن بعض قرارات الإنتاج الرئيسية (سيتم اتخاذها خارج «أوبك»)، في إشارة إلى أن الخروج أو الدخول في «أوبك» لن يحرك الأسعار لأن القرارات المهمة تأتي من خارج المنظمة.

Embed from Getty Images

ولكن مع رمزية القرار قفزت أسعار النفط صباح اليوم، بنسبة 5%، وأرجع البعض هذه القفزة إلى الإعلان القطري عن الخروج، إلا أنّ هذا الارتفاع قد يرجع إلى أسباب أخرى، إذ إنّ قرار الدوحة هو الأقل تأثيرًا، أو مساهمة في ارتفاع الأسعار، إذ كانت الهدنة بين الولايات المتحدة والصين لمدة 90 يومًا في نزاع تجاري، وتوقعات أن يسفر اجتماع «أوبك» القادم عن خفض للإمدادات هما أهم أسباب ارتفاع الأسعار.

هل يستطيع العرب إنقاذ نفطهم من فخ القانون الأمريكي «نوبك»؟

وتعتبر الحرب التجارية من أهم المؤثرات على أسعار النفط العالمية حاليًا، فكلما اشتعلت تراجع النفط بينما يرتفع النفط في حال حصل أي اتفاق إيجابي لحل الأزمة ما بين أمريكا والصين، وهو الأمر الذي حدث  على هامش قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين عندما اتفقت الصين والولايات المتحدة على عدم فرض رسوم جمركية إضافية لمدة 90 يومًا على الأقل، بينما يجري الجانبان محادثات لحل النزاعات القائمة.

وبحسب تُجار في مجال النفط فإن المعنويات الإيجابية بفعل الهدنة تحرّك أسواق الخام، بينما هناك سبب آخر يدفع النفط للارتفاع وهو إعلان إقليم ألبرتا بكندا أنه سيرغم المنتجين على خفض إنتاج الخام بنسبة 8.7% أو 325 ألف برميل يوميًا، لمواجهة اختناقات في خطوط الأنابيب قد تؤدي لزيادة في المخزونات، وذلك في الوقت الذي من المنتظر أن تعلن فيه أوبك في السادس من ديسمبر (كانون الأول) عن خفض الإمدادات بهدف كبح فائض الإنتاج، الذي دفع أسعار النفط للهبوط بمقدار الثلث منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

4- هل انسحاب قطر يدفع «أوبك» إلى النهاية؟

منذ انهيار أسعار النفط في منتصف 2014، ودائمًا ما يثار الحديث حول مصير «أوبك» ودورها في سوق النفط الذي يتقلص بشكل واضح، ومع انسحاب قطر من المنظّمة، عادت هذه الأحاديث إلى الواجهة مرة أخرى، إذ يرى محللون أن مغادرة قطر قد تضعف «أوبك» في وقت تتعرض فيه الرياض لضغوطات دولية بعد مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، فالأوضاع داخل «أوبك» الآن أكثر تعقيدًا مما مضى.

وبحسب روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة قمر للطاقة، فإن قطر باعتبارها منتجة للنفط ليست مُهمة في حد ذاتها، ولكن خروجها يعتبر خيبة أمل لدول «أوبك» لأنهم كانوا يحاولون جذب المزيد من الأعضاء، بينما ترى «بلومبيرج» أن قرار انسحاب قطر يهدد تماسك أكبر تكتل للدول المصدرة للنفط.

بينها رغبة ترامب نفسه.. 5 أسباب تدفع أسعار النفط للتراجع إلى مستويات قياسية

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!