دفعت إجراءات المقاطعة من جانب الدول الأربع  حيال قطر، إلى تغيير عدد من الأولويات في القضايا والمصالح المشتركة بين الجانبين، فضلًا عن تخوُّف أعداد كبيرة من الجالية المصرية من فقد وظائفهم بسبب حملات الهجوم من جانب الحكومة المصرية والإعلام المصري ضد السلطة القطرية.

واحدة من هذه القضايا المشتركة بين الجانبين لم تتأثّر بهذا الحصار بشكل كبير هي: الاستثمارات القطرية  داخل مصر، والتي خرجت تطمينات من جانب المسئولين المصريين  بشأنها، تؤكد على أنها  في مأمن، ومحمية بقوة القانون.

«مليار دولار».. الاستثمارات القطرية خارج دائرة الحصار

أظهر تقرير صادر من الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، أنَّ إجمالي الاستثمارات القطرية في مصر يصل إلى 1.105 مليار دولار، وذلك عن الفترة الممتدة بين عامي 1970 حتّى أوائل 2017، وأوضح التقرير ذاته  أن قطر تحتلّ المركز التاسع من بين قائمة الدول المستثمرة في مصر.

ويصل عدد الشركات القطرية التي تعمل في مصر 210 شركة، وتتركَّز 80 % من تلك الاستثمارات في قطاع الخدمات، يليه مجال الصناعة، وتحتل الاستثمارات الزراعيّة المرتبة الأخيرة. وتزامن اندلاع الأزمة الخليجية بين مصر ومجموعة دول المقاطعة مع قطر، وصدور القرارات التي تتعلق بمنع تسيير رحلات بين دول الحصار وقطر، فضلًا عن إلزام مصر مواطني قطر بالحصول على تأشيرة لدخول البلاد، بسلسلة تصريحات من جانب المسئولين المصريين مثل وزيرة التعاون الدولي التي أكدت أن «الاستثمارات القطرية في مصر محمية وفقًا للقانون، والدولة المصرية تحترم تعاقداتها وتوفّر المناخ الآمن لاستثمارات الأفراد والمؤسّسات على أرضها».

لقاء بين أمير قطر – ولي العهد حينها – والمشير طنطاوي 2011

وسعت كافة المؤسسات الرسمية المعنية بالاستثمار للتأكيد على النأي بالاستثمارات القطرية خارج توتر العلاقات بين كلا الجانبين، كما أكد البنك المركزي المصري على استمرار تداول الريال القطري، والتأكيد على أنّ ودائع جميع العملاء في بنك قطر الوطني الأهلي بمصر آمنة، مثلها مثل كل البنوك التي تخضع إلى رقابة البنك المركزي المصري.

عدم تعرُّض الاستثمارات القطرية الحالية داخل مصر للتضييق، أو طرد القائمين عليها من الأراضي المصرية، لا ينفي تراجع أعداد كبيرة من المستثمرين القطريين عن الاستثمار في مصر، أو التوسع في الاستثمارات الحالية؛ حسبما أوضحت  شهادات مُقربين منهم لوقع المونيتور، والتي جاء فيها «أن رأس المال دائمًا يخاف ولا يجازف».

يُدلل على حالة القلق الحذر المسيطر على المستثمرين القطريين في مصر تراجع استثمارات قطر في مصر، حسبما أظهرت بيانات البنك المركزي المصري خلال الربع الأول من العام المالي 2016-2017 من 123.5 مليون دولار إلى 10.9 مليون دولار في الربع الثاني من العام المالي الجاري، بانخفاض 91.2% على أساس ربع سنوي.

وبحسب الإحصائية، بلغت استثمارات قطر في مصر نحو 194.8 مليون دولار في عام 2015-2016، مقابل استثمارات بقيمة 94.4 مليون دولار في العام المالي 2014-2015.

بنك قطر الوطني.. الواجهة الاستثمارية الأبرز لقطر داخل مصر

تُقدَّر ودائع عملاء البنك في نهاية الربع الأول من العام الحالي 161 مليار جنيه، وتبلغ أذون الخزانة المصرية بالبنك 34 مليار جنيه، وتُقدر كذلك إجمالي قروض وتسهيلات العملاء إلى 95 مليار جنيه، فيما يصل إجمالي أصول البنك 192 مليار جنيه.

ويساهم البنك في استثمارات بعدد من الشركات التي تعمل بقطاع الاستثمار داخل مصر وهي كيو إن بي الأهلى أسيت مانجمنت – إيجيبت (100.00%)، كيو إن بي الأهلي لتأمينات الحياة (100.00%)، كيو إن بي الأهلي للتأجير التمويلي (100.00%)، كيو إن بي الأهلي للتخصيم (99.99%)، سنوحي لمواد البناء ش.م.م (23.09%)، جلاكسو سميثكلاين (5.89%)، المصرية للاستعلام الائتماني ش.م.م (نسبة غير معلومة)، بنوك مصر للتقدم التكنولوجي.

وتُعد  شركة «قطر الوطني الأهلي لتأمينات الحياة QNB»، واحدة من الشركات الرائدة في مجال التأمين البنكي في مصر، والتي حذر خبراء، بعد قطع العلاقات المصرية مع قطر،  من أن المساس بشركة التأمين القطرية سينتهي بتأثير ملحوظ لكافة شركات التأمين المصرية في حالة إلغاء التأمين على تلك الاستثمارات.

وتستحوذ الاستثمارات القطرية على حصة كبيرة في قطاع التأمين، سواء التأمين المباشر أو إعادة التأمين؛ عبر حصة ضخمة لشركات إعادة التأمين القطرية من محفظة العمليات التي يعيدها سوق التأمين المصرية. وضمت قائمة إعادة التأمين للعام الجاري 5 شركات إعادة قطرية هي «Al Koot» و«Doha»و«Qatar General»و«Qatar Reinsurance» بالإضافة إلى «Qatar Insurance Co» وجميعهم حاصلون على تصنيفات ائتمانية ما بين «A-»و«A» من مؤسستي التصنيف العالميتين «S&P» و«A.M Best».

رجال أعمال موالون للسيسي.. شركاء تجاريون مع القطريين

أحمد أبوهشيمة.. موالٍ للسيسي وشريك تجاري لـ«آل ثاني»

يظل أحمد أبوهشيمة، رجل الأعمال المصري، حالة استثنائية في أنماط صلاته التجارية؛ فهو رجل الأعمال المصري الأكثر ولاءً للسلطة الحالية بين قطاع رجال الأعمال داخل مصر، وواجهة للأجهزة السيادية في الاستثمار، وهو أيضًا الشريك التجاري لرجل الأعمال القطري محمد بن سحيم آل ثاني، الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من شراكته مع أبوهشيمة مصانع «حديد المصريين»، وتتوزع استثماراته داخل مصر في كافة المناحي.

ورجل الأعمال القطري محمد بن سحيم آل ثاني، منتسب بالطبع للعائلة الحاكمة في قطر، وتجمعه صلة نسب بأمير قطر، الذي اعتاد على حضور مناسبات عائلية له، بدأت استثماراته التجارية في مصر منذ عام 1982 باستثمار في مجال العقار السياحي بمنطقة رأس سدر قبل أن تتوسع حجم هذه الاستثمارات متمثلة عبر المساهمة في شركة القلعة وشركة نعيم، من كُبريات الشركات الاستثمارية في مصر، ويدخل ممثلًا للشركة القطرية القابضة «ستيت» في استثمارات تجارية ضخمة في مصر، أبرزها الاستحواذ على النسبة الأكبر من شركة حديد المصريين.

أبوهشيمة، الذي تتبنى وسائل الإعلام المملوكة له مثل «اليوم السابع» حملة استهداف للأسرة الحاكمة في قطر، ونشر ادعاءات عن صراعات داخل العائلة الحاكم، لا يجد مانعًا من شراكتهم التجارية، ويبرر ذلك في مقابلة سابقة له مع جريدة «المصري اليوم»، قائلًا «شريكي الشيخ محمد بن سحيم آل ثاني يحترم مصر ودورها في العالم العربي، ويستثمر فيها من سنة 1985، ولم تتأثّر شراكتنا منذ عام 2011 رغم تصاعد الأزمة بين مصر وقطر في مرحلة زمنية سواء في مسألة الإجراءات أو التراخيص للمصانع الجديدة، وهذا كان دورًا مهمًا للمسؤولين في مصر في النأي بعملية الصناعة والمستثمرين عن أي مشاكل سياسية، كما أن الشركاء في الشركة من الكويت والإمارات».

أبو هشيمة

ويتحدث أبوهشيمة بدبلوماسية باهتة عن العلاقات الثنائية بين البلدين، ويقول في الحوار ذاته :«الأزمة ستنفرج بين البلدين الشقيقين، لأن مصر دائمًا لا تعادي أحدًا، وأن البلدين سينجحان في تجاوز هذه المُشكلة».

وتوسعت استثمارات أبوهشيمة مع شريكه القطري، بعد عزل الإخوان المسلمين من السلطة، عبر تأسيس أكثر من مصنع للشركة خارج القاهرة، والوصول بإنتاج الشركة إلى نحو 20 % من إنتاج الحديد في مصر بعد تشغيل 4 مصانع، بما يعادل 2 مليون طن سنويًا، والذي كان قد بلغ إجمالى الطاقة الإنتاجية للشركة إلى 3.5 مليون طن قبل منتصف 2016.

وتبدو استثمارات رجل الأعمال المصري مع شريكه القطري في مأمن من أي حصار أو توتر بين الجانبين، رغم ما طال رجل الأعمال القطري من استهداف شخصي من جانب أصوات إعلامية موالية للسلطة تصفه «بجاسوس البيزنس القطري».

«New Giza».. شراكة تجارية بين «الديار القطرية» ورجال أعمال مُبارك

تُعدّ شركة الديار القطرية للاستثمار العقاري، إحدى شركات جهاز قطر الاستثماري، وواحدة من كبرى الشركات الأجنبية التي تستثمر في مشاريع استثمارية كُبرى داخل مصر. يُذكر أن رأس مال شركة الديار القطرية بلغ بحلول العام الجاري 7 مليار دولار أمريكي، فيما تجاوز عدد مشاريعها 39 مشروعًا قيد التطوير في قطر وفي 21 دولة حول العالم، باستثماراتٍ تقدر بأكثر من 35 مليار دولار أمريكي.

وتتضمن مشاريع الشركة القطرية داخل مصر حاليًا مشروع «سيتي جيت»، وهي مدينة مكتفية ذاتيًا تتوافر فيها مساحات مختلفة من الفيلات والشقق على مساحة تمتد إلى 8 ملايين و500 ألف متر مربع بمدينة القاهرة الجديدة، ومشروع كورنيش النيل، وهو واحد من أهم مشاريع الديار القطرية الكبيرة في مصر، إذ يقع المشروع على ضفاف نهر النيل في قلب القاهرة، وهو عبارة عن مجمّع راق يضم برجين شاهقين وساحة مخصصة للمحلات والمتاجر، وفندق عالمي على مساحة 9360 متر مربع.

مشروع New Giza، هو أحد أهم مشاريع الشركة القطرية، التي دخلت فيه الشركة مع شراكة مع شركة مصرية مملوكة لرجلي الأعمال البارزين محمود الجمّال، وهو والد زوجة جمال مبارك نجل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والآخر صلاح دياب، مؤسس جريدة المصري اليوم، والذي تتنوع استثماراته داخل مصر وخارجها، وهو كذلك محسوب على جناح الرئيس السابق محمد حسني مبارك.

يبدو أن التوتر السياسي الملحوظ بين الجانب المصري ونظيره القطري على المستوى الرسمي، وحملات الإعلام المنظمة حيال كُل من يعمل داخل الدولة الخليجية، لم يجد صدى لدى كبار المستثمرين المصريين، الذين يجهرون بولائهم للسيسي، ويطالبون المواطنين بالتضحية، وتحمل الظروف العصيبة التي تعيشها البلاد لتجاوز المرحلة الحرجة الحالية، ودعم «رجل المرحلة» من أجل غدٍ أفضل.

المصادر

تحميل المزيد