2,011

برغم كون المقاطعة التي يفرضها كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين على قطر تقتصر حتى اليوم على الإجراءات الاقتصادية والسياسية، إلا أنّ شبح المواجهة العسكرية كان حاضرًا في مراحل متعدّدة من الأزمة؛ إذ سبق لأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أن تحدّث عن نجاح وساطة بلاده في «وقف عمل عسكري» خلال الأزمة؛ الأمر الذي رآه الكثيرون علامة على خطط مبيتة من دول المقاطعة للتصعيد ضد قطر بالقوة حال فشلت الجهود الأخرى.

كما تتهم وسائل الإعلام القطرية طائرات عسكرية إماراتية بتكرار اختراق المجال الجوي القطري، وقدّمت الدوحة شكوى للأمم المتحدة على خلفية تلك الحوادث، كما تعددت التقارير الصحفية التي تتحدث عن خطة لدول المقاطعة لغزو قطر أوقفتها جهود للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي حوادث أثارت مخاوف القطريين، ودفعتهم إلى اتخاذ عدة خيارات تحسّبًا للخيار العسكري.

الدوحة ورحلة البحث عن ملاذ آمن

برغم استضافة قطر لقاعدة «العديد» الجوية، التي تتمركز فيها قوات أمريكية، أكثر من 100 طائرة ونحو 11 ألف جندي أمريكي، وتعتبر منطلقًا هامًا لعمليات الجيش الأمريكي في المنطقة؛ إلا أن الإرهاصات الأولى للأزمة، والتقارير الإخبارية التي تحدثت عن تفكير الإدارة الأمريكية في نقل القاعدة من قطر تحت ضغوط دول المقاطعة، – وإن نفاها البنتاجون لاحقًا – كل ذلك أثار شكوك القطريين حول استمرار الأمريكيين باعتبارهم شريكًا يمكن الوثوق بهم لمنع أي عمل عسكري ضد قطر أو نظام الحكم فيها.

سعت قطر إلى تنويع شركائها الدوليين في المجال العسكري، فعقدت عدة صفقات عسكرية بمليارات الدولارات، سيما مع واشنطن وباريس، كما أجرت البحرية القطرية عدة مناورات مشتركة مع دول متعددة، ابتداء من الولايات المتحدة وفرنسا، ومرورًا ببريطانيا والهند وإيطاليا، وليس انتهاء بالسودان الذي أعلن رئيس أركانه عن قرب إتمام مناورات مشتركة مع الدوحة، وهي الخطوات التي تكشف ربما عن حضور الهاجس العسكري لدى صانع القرار القطري، وعدم اطمئنانه إلى حلفائه التقليديين بشكل تام.

أما الخطوة الأبرز قطريُا على الصعيد العسكري، فكانت تسريع اتفاقية التعاون العسكري مع أنقرة، بشكل سمح بنشر آلاف الجنود الأتراك على الأراضي القطرية بعد ساعات قليلة من اندلاع الأزمة، وهي الخطوة التي يرى الكثيرون أن لها أبلغ الأثر في قطع الطريق على الخيار العسكري، وإبقاء التوازن قائمًا بين الدوحة وخصومها.

اقرأ أيضًا:-

«دفاع مرِن وهجمات مرتدة»: تعرف على خطة قطر للالتفاف على الحصار الخليجي

لكن يبدو أن الإجراءات السابقة لم تكن كافية بالنسبة للقطريين؛ فقد كشفت الأيام الماضية عن طموحات قطرية أخرى تصل إلى عنان السماء، وكشفت في المقابل عن مخاوف لبعض دول المقاطعة من أن تخلّ بعض الخطط العسكرية للدوحة من توازن الردع في منطقة الخليج، نتحدث هنا تحديدًا عن نقطتين هما: سعي الدوحة إلى امتلاك منظومات «إس-400» الروسية المتطورة، وتصريح وزير دفاعها بتطلع بلاده إلى نيل عضوية كاملة في حلف «الناتو».

قطر تتطلع إلى «إس-400».. والسعودية تهدد بالتدخل العسكري

إلى الحد الذي يتيحه تعاوننا المشترك، فإن الأمر لا يتعلق فقط بشراء أنظمة للدفاع الجوي، وإنما يمتد ذلك إلى نقل تكنولوجيا التشغيل الخاصة بها، نودّ أن تكون لدينا القدرة على نقل هذه الصناعة وجلب هذه التكنولوجيا إلى قطر

كانت تلك هي كلمات وزير الدفاع القطري خالد بن محمد العطية، والتي صرح بها خلال حضوره أحد المعارض الكبرى للأسلحة في العاصمة الروسية موسكو أواخر العام الماضي، وكان يعبر من خلاله عن رغبة بلاده من الاستفادة من تكنولوجيا الدفاع الجوي الروسي المتطورة «إس-400»، وهي الإشارة التي تلقّفها وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي أكد على هامش «المنتدى العسكري التقني الدولي 2017» أنّ الوفد القطري سيحظى بشروحات وتوضيحات خاصة بخصوص تقنية «إس-400».

وقد ترجم السعي القطري سريعًا إلى إجراءات ومفاوضات على الأرض، فوقّعت الدوحة في أكتوبر (تشرين الأول) اتفاقُا لتبادل التكنولوجيا العسكرية مع موسكو، قبل أن تتقاطر الوفود العسكرية على العاصمة الروسية، ويتحدث السفير القطري في موسكو فهد بن محمد العطية عن «مفاوضات متقدّمة» تجري مع روسيا بشأن شراء المنظومة.

ويبدو أن أن «التاجر» الروسي قد وجد في القطريين عميلًا مناسبًا لتسويق منظومته الأكثر تطورًا، خاصة بعد الضغوط التي تعرّضت لها تركيا الراغبة في شراء المنظومة ذاتها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت الذي لم تحاول فيه واشنطن ثني قطر عن شراء تلك الصواريخ، وهو ما عزّز جاذبية الدوحة كشريك عسكري محتمل لموسكو، يسهل التفاوض معه، وأقل تعرضًا للضغوطات الخارجية.

لكن الطموحات القطرية كانت تحت مجهر «الخصوم» الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية – التي تسعى هي الأخرى لامتلاك التكنولوجيا ذاتها – فقد أوردت صحيفة «لوموند» الفرنسية مطلع يونيو (حزيران) الجاري، أن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، قد بعث بخطاب إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يطلب منه التدخل لإقناع قطر بالعدول عن شراء منظومة «إس-400» من الروس، وهي الخطوة التي ترى الرياض أنّ من شأنها أن تهدّد «الأمن القومي» لمنطقة الخليج، وتهدد سلامة مجالها الجوي، وقد حمل خطاب الملك سلمان تهديدًا بالتدخل العسكري ضد قطر ما لم يتم التراجع عن الصفقة، كما ذكر جورج مالبرونوت كبير مراسلي صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية أن الرياض قد وجهت الطلب نفسه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ أملًا في التدخل لدى الدوحة لوقف الصفقة، وقد جاء الرد القطري سريعًا، إذ اعتبر وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أن قرار الدوحة شراء تلك المنظومة هو قرار سيادي قطري «لا شأن للسعودية أو لغيرها من الدول به»، وأنها في النهاية منظومة دفاعية، وليست هجومية؛ بما يعني أنها لا تشكل أي خطر على أية دولة، في الوقت الذي أكد فيه وزير الدفاع القطري خالد العطية أن بلاده «لا تلتفت لمثل هذه الترهات، خاصة إذا كانت صادرة من جهات تضمر لها الشر» حسب قوله.

ويرى أنس القصاص مستشار الأمم المتحدة والمحاضر في العلاقات الدولية أن «من شأن «إس-400» أن تغير منظومة التوازن في الخليج، إذ إنّ توازن الردع يقوم على انكشاف المجالات الجوية حتى يتحقق مبدأ التدمير المتبادل المؤكّد MAD وستقوم هذه المنظومة بإغلاق الأجواء القطرية تمامًا، وهذا الأمر هو بالتأكيد ضد الرغبة السعودية»، وفق تعبيره.

«بي بي سي»: بدأت برسوم ساخرة.. ماذا تعرف عن حرب الإنترنت بين السعودية وقطر؟

الطموحات القطرية لا تستبعد عضوية الناتو

فيما يتعلق بالعضوية، فنحن حليف رئيس خارج حلف الناتو. أمّا الطموح فهو موجود لعضوية كاملة في حال تطورت شراكات الناتو، ورؤيتنا في هذا الشأن واضحة

بطل هذا المشهد هو وزير الدفاع القطري مجددًا، إذ أدلى بهذا التصريح في حوار مع المجلة الرسمية لوزارة الدفاع القطرية «الطلائع» مبرزًا رغبة بلاده في الحصول على عضوية كاملة في الحلف العسكري الأهم عالميًا، مؤكّدًا أن قطر صارت «من أهم دول المنطقة فيما يتعلق بجودة التسليح».

حوار الوزير القطري نفسه شهد سردًا لمجالات تعاون الدوحة مع الحلف، إذ أكد العطية أنّ «قطر لديها تعاون فعلي وحقيقي مع الناتو، يتطوّر يومًا بعد يوم»، ولفت إلى أن هذا التعاون «قد يفضي إلى استضافة قطر لإحدى وحدات الناتو أو أحد مراكزه المتخصصة»، مؤكدًا أن «الناتو يقدّر مساهمات قطر في مكافحة الإرهاب ومكافحة تمويله».

ولم يكد العالم يستفيق من وقع هذا التصريح «الغريب»، الذي يشي بطموح قطري يصل عنان السماء فيما يتعلق بالخطط الدفاعية والاستراتجية، حتى جاء رد الناتو ليضع المزيد من النقاط على الحروف، فقط رُفض الطلب القطري سريعًا، ربما أسرع من المتوقع، حين أعلن متحدث رسمي باسم الحلف أن «معاهدة واشنطن تنص على أن الدول الأوروبية فقط هي من يمكنها أن تنال عضوية الناتو»، وإن لم يفته التأكيد على أن قطر شريك مهم ومستدام بالنسبة للحلف.

Embed from Getty Images
سكرتير حلف الناتو في قطر

وعن الرغبة القطرية في الانضمام للناتو يقول القصّاص: إن «الوزير ربما خانه التعبير، وإنما كان يقصد توسعة الإطار الحمائي للناتو كما كان الحال في أيام الحرب الباردة، ومثلما كان يتم التعامل مع حلف بغداد غير الواقع في النطاق الجغرافي الأوروبي أو الأمريكي».

«فورين بوليسي»: كيف فازت قطر وخسرت دول الحصار؟