اشتمل كشف وزارة المالية القطرية عن بيان الموازنة العامة لعام 2019، على أرقام يمكن القول إنها مثيرة للاهتمام، إذ تتوقع الدوحة أن تحقق فائضًا للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات، بالإضافة إلى عدة أرقام تبدو إيجابية، وهو الأمر الذي دفع كثيرين إلى القول بأن الدوحة تمكنت من التغلب على الحصار –مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر منذ الخامس من يونيو (حزيران) 2017- في إشارة إلى نجاح اقتصادي ملموس. فهل تغلبت قطر على المقاطعة الرباعية فعلًا؟ أم أن ظاهر الأرقام لا يدل على الواقع حقًّا؟

خلال هذا التقرير سنتناول هذه الأرقام بالتحليل الواقعي دون تهويل أو تهوين، وفق البيانات الرسمية القطرية المتوفرة، ولكي يكون الحديث أكثر تركيزًا سنتناول ثلاثة أرقام أو موضوعات رئيسية، وهي: الفائض المحقق، والإيرادات والمصروفات، والضرائب.

اقتصاد

منذ شهر
4 أسئلة تشرح لك ما تريد معرفته عن انسحاب قطر من «أوبك»
2259
أحمد طلب

قبل الخوض في تفاصيل هذه الأرقام يجب ملاحظة أننا نتحدث هنا عن تقديرات الموازنة، أو توقعات موازنة العام المالي القادم، وهذه التقديرات الحكومية من الممكن أن تتحقق كما هي، ومن الممكن أن يرتفع الفائض أو يحدث عجز، ولفهم هذه النقطة أكثر علينا التفرقة بين مفهوم الموازنة والميزانية، إذ يحدث دائمًا خلط واضح بينهما، فالموازنة -التي سنتحدث عنها بالنسبة لقطر- هي عبارة عن خطة مالية تضعها الدولة باعتبارها منهاجًا للسير عليه في العام المقبل، وهي دائمًا ما تعكس سياسة الحكومة العامة وأهدافها السياسية.

أما الميزانية، فهي تلك الأرقام الفعلية للنفقات المالية والإيرادات بنهاية العام المالي، ومن المفترض أن تحقق أهداف الموازنة العامة لكن لا تتحقق دائمًا الأرقام المتوقعة دائمًا في بداية العام.

فائض متوقع لأول مرة منذ 3 سنوات

وزارة المالية القطرية أعلنت مساء 13 ديسمبر (كانون الأول) الجاري أن موازنة قطر العامة لعام 2019، ستحقق فائضًا بنحو 4.3 مليار ريال، موضحة أن هذا الفائض جاء بسبب ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، وزيادة الإيرادات الأخرى (غير النفطية)، وهذه المرة الأولى منذ ثلاث سنوات الذي تتوقع فيها قطر فائضًا في موازنتها، فهل هذا الفائض دليل على تعافي قطر من حصار جيرانها؟

Embed from Getty Images

بحسب مبرر قطر في بيان المالية، فإن هذا الفائض ليس دليلًا على التعافي من تبعات الحصار، فالدوحة -أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم- اعتمدت في توقعاتها على الزيادة المتوقعة في أسعار الطاقة العالمية، والتي هي المصدر الرئيسي للموازنة، بالإضافة إلى أن الحصار منذ أيامه الأولى لم يكن له تأثير في حركة صادرات الغاز والنفط القطري، أي أن الطاقة خرجت من هذه المعادلة من البداية فلا يمكن القول الآن إن هذا الأمر يعتبر تغلبًا على الحصار.

ميزانية قطر 2018

البيان ذكر أن تقديرات موازنة قطر 2019 جاءت على أساس متوسط سعر برميل النفط عند مستوى 55 دولارًا للبرميل، وذلك مقابل 45 دولارًا للبرميل في موازنة عام 2018، ومن الطبيعي مع ذلك هذه الزيادة أن تشهد موازنة البلاد زيادة ملحوظة، إلى جانب أن قطر خلال الفترة الماضية قد توسعت بشكل ملحوظ في إنتاج الغاز، إذ تخطط لزيادة طاقتها الإنتاجية بحلول أوائل 2024 إلى 110 ملايين طن سنويًا، ارتفاعا من 77 مليون طن حاليا، من خلال إضافة خط رابع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال.

ووفقا لوكالة «بلومبرج» فإن أرباح قطر من توسعة مشاريع الغاز الطبيعي ستصل إلى 40 مليار دولار في عام 2024، وبالطبع لا يمكن إنكار أن الخطط القطرية في هذا الصدد تمثل نجاحًا اقتصاديًّا بشكل عام، لكن ربط هذا الأمر بالحصار غير دقيق إلى حدٍّ ما.

سياسة

منذ شهرين
بلغة الأرقام.. ماذا استفاد الاقتصاد القطري بمقتل خاشقجي؟
2166
فريق العمل

الإيرادات 20.5%.. والمصروفات تنمو بواقع 1.7%

أشارت تقديرات الموازنة أيضًا إلى أن إجمالي الإيرادات بالعام الجديد ارتفعت بنسبة 20.5% لتصل إلى 211.0 مليار ريال، مقارنة مع تقديرات الإيرادات في الموازنة الحالية والتي بلغت 175.1 مليار ريال، بينما جاء الارتفاع في المصروفات أقل كثيرًا من الإيرادات، إذ من المتوقع أن تصل إلى 206.7 مليار ريال مقارنة مع تقديرات بلغت 203.2 مليار ريال لعام 2018، بزيادة نسبتها 1.7%، فماذا يعني هذا؟

Embed from Getty Images

فيما يخص الإيرادات فقد ذكرنا أن أهم أسباب هذا الارتفاع الكبير يعود إلى الزيادة المتوقعة في إيرادات الطاقة، لكن بالنسبة للنفقات فهناك نوعان من المصروفات خفضت قطر الإنفاق عليها بشكل ملحوظ، وأولها المصروفات الرأسمالية، أو ما تسمى مخصصات الباب الثالث من موازنة قطر، والتخفيض جاء بنسبة 13.3%؛ لتبلغ 3.9 مليار ريال في موازنة 2019، مقابل 4.5 مليار ريال في 2018.

هذا بالإضافة إلى خفض مخصصات المشروعات الرئيسية بنسبة 3.6% لتصل إلى 89.6 مليار ريال مقارنة مع 92.9 مليار ريال في موازنة السنة المالية 2018، ويبرر بيان الموازنة هذا الخفض بأنه جاء نتيجة للانتهاء من عدد من المشاريع الكبرى لتطوير البنية التحتية في مختلف أنحاء الدولة، لكنه ورغم الانخفاض فإن هذا الباب يستحوذ أكبر حصة من إجمالي المصروفات، تصل إلى 43.3 %، لكن هذا الخفض أيضًا لا يتماشى مع خطط الدوحة لاستكمال المشاريع المرتبطة باستضافة كأس العالم 2022.

والسؤال هل للحصار علاقة بهذا الجزء؟ من الصعب القول بأن الدوحة تغلبت على الحصار من خلال هذه الموازنة في الوقت الذي تخفض إنفاقها في جوانب رئيسية فيها، بالرغم من وضع مبرر الدوحة في عين الاعتبار، وبهذا أيضًا لا يمكن القول إن الدوحة انتصرت فقط لمجرد تحقيق فائض ما، أو زيادة إيرادات في الموازنة المتوقعة.

اقتصاد

منذ سنة واحدة
الاقتصاد القطري أمام الاختبار الأصعب.. هل يصمد أمام المقاطعة؟
5844
أحمد طلب

قطر تنشئ الهيئة العامة للضرائب وتُرجئ «المضافة»

يمكن اعتبار قرار الدوحة بإنشاء الهيئة العامة للضرائب هو الموضوع الأهم عند مناقشة ملامح هذه الموازنة، فخلال السنوات الماضية دائمًا ما كان التعامل الخليجي مع الضرائب محدودًا جدًا، ولم يتم اللجوء إليه سوى مع هبوط أسعار النفط، وخطط مجلس التعاون الخليجي لتنوع مصادر الدخل، وبالرغم من أن قطر قررت أنها سترجئ فرض ضريبة القيمة المضافة التي كانت متوقعة لعام 2018، إلا أنها لجأت إلى أنواع أخرى من الضرائب، وهو أمر يمكن اعتباره ناتجًا من تعرض الدوحة لضغوط مالية بسبب الحصار دفعتها إلى هذا الإجراء.

سياسة

منذ سنة واحدة
السياحة.. كيف دفع الحصار قطر لاستكشاف بوابتها السحرية لتحسين اقتصادها؟
1403
أحمد طلب

وفي اليوم نفسه الذي تم إعلان الموازنة فيه، أعلنت قطر إصدار قانون الضريبة على الدخل، وقانون بشأن الضريبة الانتقائية، بالإضافة إلى قرار بإنشاء الهيئة العامة للضرائب، وجاءت مبررات هذه القرارات بأن الهدف هو تطوير المالية العامة لقطر لدعم النمو الاقتصادي؛ تحقيقًا للاستقرار المالي، وذلك في الوقت الذي تعتبر الضرائب ركيزة رئيسية للسياسة المالية في معظم دول العالم.

Embed from Getty Images

وبالرغم من أن القانون نص على عدم إخضاع رواتب وأجور الأفراد من المواطنين والمقيمين لأية ضريبة، إلا أن قانون الضريبة الانتقائية الذي سيتم تطبيقه مع بداية 2019 فرض ضرائب على بعض السلع المنتقاة، إذ سيتم فرض ضرائب بنسبة 100% على منتجات التبغ ومشروبات الطاقة، بينما سيتم فرض ضريبة بنسبة 50% على المشروبات الغازية المحلاة.

ولا شك أن الحديث عن الضرائب في قطر أمر جديد، خاصة أن كثيرًا من المنابر الإعلامية المحسوبة على البلاد دائمًا ما كانت تتناول الضرائب الجديدة التي تفرضها الدول المقاطعة لقطر بالنقد الحاد، لذلك على أي حال لا يمكن اعتبار هذا الجزء أيضًا نجاحًا قطريًّا في وجه الحصار.

وتجدر الإشارة إلى أن التقرير ناقش أرقام موازنة 2019 المعلنة فقط، دون التطرق إلى تقييم الأداء الاقتصادي القطري إجمالًا خلال فترة الحصار، سواء نجح في التغلب عليه أم لا.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!