علاء الدين السيد

5

علاء الدين السيد

5

2,785

تمكن قمر صناعي كمي صيني من إرسال رسائل «شبحية» عبر مسافة هائلة، في خطوة يمكنها أن تغير تمامًا من مستقبل تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت؛ ففي دراسة جديدة، نجح العلماء في نقل «الفوتونات التشابكية» بين قمر صناعي والأرض على مسافة أكثر من 1200 كيلومتر. هذا يحطم الرقم القياسي السابق للانتقال التشابكي، والتي وصلت إلى حوالي 100 كيلومتر فقط.

وجرت هذه العملية من خلال تسخير ظاهر ة غريبة في الفيزياء تدعى «التشابك الكمي»، حيث يمكن للجسيمات أن تؤثر على توأم آخر لها، بعيدًا في الفضاء، وقد أطلقت الصين هذا القمر الصناعي الكمي (المعتمد على ميكانيكا الكم) في أغسطس (آب) 2016، على أمل أن يمكن استخدامه للمساعدة في إقامة اتصالات خارقة السرعة بين الفضاء والأرض.

التشابك الكمي وأينشتاين

يعتبر التشابك الكمي (quantum entanglement) واحدًا من أغرب الظواهر التي من المحتمل أن تقابلها في جميع مجالات العلم التي توصل لها الإنسان، حتى أن العالم الألماني الأمريكي ألبرت أينشتاين اعتقد باستحالة هذه الظاهرة، وأكد أنها «أمر غريب»، ويقصد بالتشابك الكمي تفاعل اثنين من الجسيمات بطريقة معينة بحيث يصبحان مرتبطين على مستوى عميق، ويتشاركان في الوجود أو الكينونة حتى لو كانا يبعدان عن بعضهما البعض – في الواقع – مسافة عدة سنوات ضوئية.

التشابك الكمي هو ظاهرة فيزيائية تحدث عندما تتفاعل أزواج أو مجموعات من الجزيئات بطرق معينة، بحيث لا يمكن وصف الحالة الكمية لكل مجموعة بشكل مستقل عن الجزيئات الأخرى، مهما كانت المسافة التي تفصل هذه الجزيئات عن بعضها البعض، وبالتالي يجب علينا هنا أن نصف الحالة الكمية للنظام المكون لهذه الجزيئات المتفاعلة ككل.

وكما ذكرنا، فإن أينشتاين لم يتمكن من استساغة هذه الفكرة، وفي نهاية المطاف، قرر أنها كانت فكرة أو ظاهرة غريبة جدًا لدرجة أنه لا يمكن أن تكون صحيحة، ولكن تجربة جديدة تمكنت من تقديم أكبر إثبات حتى اللحظة لوجود التشابك الكمي، وبالتالي يمكن التأكد بالفعل من غرابة هذا الكون كما كنا ننظر إليه دائمًا.

وقال خوان يين، المؤلف الرئيس والفيزيائي بجامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية فى شانغهاى، فى الورقة البحثية «لقد تمكنا من مراقبة توزيع فوتونين متشابكين من قمر صناعى إلى محطتين أرضيتين على مسافة 1203 كم».

وأضاف أن توزيع التشابكات لمسافات طويلة ضروري لاختبار فيزياء الكم والشبكات الكمومية، وبالرغم من محاولة أينشتاين التخلص من فكرة هذه الظاهرة، لكن التشابك الكمومي هو أمر حقيقي بالفعل، وظاهرة غريبة تحدث عندما يرتبط جسيمان أو أكثر، ويؤثران على بعضهما البعض، بغض النظر عن مدى انفصالهما ماديًا.

على سبيل المثال، عندما نجعل جسيم واحد يدور في اتجاه عقارب الساعة، فإن التداخل الكمي أو التداخل الكمومي يتنبأ بأن الجسيمات الأخرى سوف تدور في اتجاه عكس عقارب الساعة، سواء كانت المسافة بين الجسيمين سنتيمترًا واحدًا أو أحدهما في طرف والآخر في الطرف الآخر من الكون.

اتصالات فائقة السرعة

وفي حين أن أينشتاين لم يكن متأكدًا من أن هذا السلوك الغريب للجسيمات كان يتواجد ويتلاعب بالفعل في الكون والحياة، أصبح التشابك الكمي الآن مفتاحًا لاستكشاف كيف يمكن أن تنتقل المعلومات عبر مسافات طويلة، ويمكن لهذه التقنية التي بدأت تصبح في متناول أيدينا أن تغير كثيرًا من حياتنا، وسيكون لها تطبيقات كبيرة في مجالات الاتصالات وتعاملات البنوك والحوسبة الفائقة.

وحتى وقت قريب، تمكن الفيزيائيون فقط من توزيع الجزيئات المتشابكة على مسافة تصل إلى 100 كيلومتر. الشيء الصعب حول تحقيق التشابك الكمي لمسافات طويلة هو أن الجسيمات تميل إلى أن تضيع أثناء سفرها على طول الألياف البصرية، أو على الأرض المفتوحة.

هناك طريقتان يمكن للفيزيائيين معالجة هذه المشكلة بهما. الطريقة الأولى هي كسر خط النقل إلى أقسام أصغر، ومن ثم مبادلة وتنقية وتخزين المعلومات الكمية على طول الألياف البصرية. قد يبدو هذا كل شيء جيدًا هنا، ولكن الحصول على كل هذه العناصر، وهي تعمل معًا بسلاسة، لا يزال مهمة صعبة عندما تحتاج إلى تخزين المعلومات لفترات طويلة واسترجاعها بسرعة.

ولحسن الحظ، أظهر يين وفريقه للتو طريقة أفضل لتحقيق شبكات كمومية عالمية باستخدام أشعة الليزر وتكنولوجيا الأقمار الصناعية، وبمساعدة «ميسيوس» – أول قمر صناعي كمي جرى إطلاقه في العالم والذي ذهب للفضاء العام الماضي – بدأ الباحثون بالتواصل مع ثلاث محطات أرضية في جميع أنحاء الصين باستخدام فوتونات متشابكة (جزيئات خفيفة).

وكانت كل محطة من هذه المحطات تبعد مسافة 1200 كيلومتر تقريبًا عن بعضها البعض، وبين 500 إلى 2000 كم عن مدار القمر الصناعى، وباستخدام فاصل أشعة، فإنه يقوم بتقسيم شعاع الليزر من الأقمار الصناعية إلى حزمتين في حالتي استقطاب متمايزتين. وجرى استخدام واحدة من هذه الحزم المنقسمة لإرسال الفوتونات المتشابكة، في حين أن الحزمة الأخرى كانت بمثابة مستقبل الفوتونات.

وعلى الرغم من الرحلة الطويلة، حافظت الفوتونات على تشابكها واستقبلتها بنجاح المحطات الأرضية التي تبعد آلاف الكيلومترات هذه المرة وليس 100 كيلومتر فقط. يقول الفريق في ورقته البحثية «النتيجة تؤكد مرة أخرى السمة غير المحلية للتشابك الكمي وتستثني نماذج الواقع التي تستند إلى مفاهيم المحلية والواقعية».

وأضاف الفريق أنه بالمقارنة مع الطريقة السابقة لتوزيع التشابك الكمي عن طريق الإرسال المباشر لنفس مصدري الفوتون، «فقد كانت كفاءة الطريقة التي استخدمناها عبر الأقمار الصناعية أعلى بمقدار 12 و17 مرة»، والميزة الرئيسة لهذا النهج هي أن الأقمار الصناعية يمكن أن تغطي بسهولة موقعين أرضيين يقعان على بعد آلاف الكيلومترات، كما أن معظم مسار الإرسال في الفراغ، ولا يوجد هناك تقريبًا أي فقدان للجسيمات.

وذكر الفريق «حتى لو جرى إنتاج الألياف البصرية بصورة كاملة متكاملة في المستقبل، فإن أسلوبنا القائم على الأقمار الصناعية لا يزال من أربع إلى ثماني مرات أكثر كفاءة في سرعة وإرسال الاتصالات»، وفي حين أن التشابك الكمومي سوف يتسبب دائمًا في تشتت عقولنا كي نحاول استيعاب فكرته، إلا أن هذه النتائج الجديدة تفتح مجالًا جديدًا كليًا من التطبيقات في العالم الحقيقي، من شبكات الاتصال الأفضل وحتى تأمين أنظمة دفع الأموال والمعاملات البنكية.

انهيار التشكيك في التشابك الكمي

وقال ديفيد كايزر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في تصريحات لموقع Phys.org، إن الثوابت التي كان يخلفها المشككون في ميكانيكا الكم وراءهم، انهارت وتكسرت وتقلصت إلى حد كبير الآن. «نحن لم نتخلص منها، لكننا تمكنا من تقليصها بنسبة 16 رتبة أو أس من الدرجات».

بوصفه مفهومًا، فإن التشابك الكمي هو واحد من أصعب الأمور التي يمكن إثباتها، لأنه في حين أن الفيزيائيين يمكنهم بسهولة ملاحظتها – فالجسيمات المتشابكة هي الأساس في الحوسبة الكمية التي تغزو العالم الآن – فإنه من المستحيل أن نعرف على وجه اليقين أن المتغيرات الخفية لا تتلاعب وتعبث بالنتائج لجعلها تبدو فقط مثل اثنين من الجزيئات المرتبطة بإحكام.

إذا كنت لا تستطيع استيعاب التشابك الكمي، فتخيل اثنين من الجزيئات اللذين يبعدان عن بعضهما البعض بمسافة عدة أمتار قليلة أو بضع من السنين الضوئية، لكن بغض النظر عن المسافة التي تقع بينهما فهما متشابكان، هل تستطيع تصور ذلك؟

وهذا يعني، لسبب ما لا يمكن تفسيره، أن هذه الجسيمات البعيدة قادرة على الحفاظ على علاقة خاصة مع بعضها البعض، بحيث إذا جرى قياس جسيم واحد، فإن علماء الفيزياء سيعرفون القياسات الدقيقة للجسيم الشريك.

هذا أمر غريب بما فيه الكفاية في ذاته، ولكن ما يجعل هذه الظاهرة أكثر غرابة بكثير هو حقيقة أن أيًا من هذه الجسيمات التي تملك خواصًا مترابطة يجري تحديد خصائصها فقط بمجرد قياسها، فكيف يمكن للجسيم الشريك أن يكون له خواص معرفة في حين أننا لم نضع أيدينا عليه بعد؟

وعلى الرغم من أن تجارب لا تعد ولا تحصى على مدى القرن الماضي، أكدت سلوك التشابك الكمي، فلا يمكن لأحد أن يفسر هذه الظاهرة بشكل كامل، وبقي أينشتاين نفسه من المشككين حتى النهاية، حتى وصفها بأنها «عمل شبحي عبر المسافات البعيدة»، ولم ينكر أينشتاين أن الجسيمات بدت متشابكة كميًا، ولكنه جادل قائلًا: إن بعض المتغيرات الخفية كانت تتلاعب بظاهر النتائج لتجعل الأمر يبدو في صورته الحالية من الترابط.

هذا ما دفع الفيزيائي جون بيل لإقامة نوع من الاختبار في ستينات القرن الماضي، التي يمكن لها قياس احتمالية أن يكون ظهور الاشتباك الكمي هو إما وصول لحدوث تشابك فعلي، أو احتمال أن بعض المتغيرات الأخرى جعلت الأمور تبدو متشابكة، وأطلق عليه اسم «تجارب اختبار بيل» – المعروف أيضًا باسم تجارب عدم المساواة لبيل – والتي تنطوي على القيام بقياسات مستقلة على كل جسيم من الجسيمات المتشابكة لمعرفة أي الطريق سنصل إليه، تشابك فعلي أم تلاعب.

وقالت الباحثة إليزابيث: جيبني لمجلة نيتشر العلمية، «إن بيل أظهر – إحصائيًا – أن العلاقات المتبادلة بين النتائج، بمجرد أن تكون فوق حدود معينة، لا يمكن تفسيرها على أنها جسيمات ذات خصائص خفية، وبدلًا عن ذلك، بدا أن نتائج الاختبار المتناسقة كانت هي نتيجة القياسات على واحد من الأجسام التي يعكس نفس خصائص الجسيم الآخر بشكل غامض». بهذا يثبت بيل أن التشابك الكمي هو أمر حقيقي، وليس مجرد تلاعب بالنتائج الظاهرة من قبل الجزيئات.

لكن العلماء سرعان ما أدركوا أن هناك حدودًا حتى للحد الخاص باختبار بيل، نقصد هنا بعض الثغرات التي تركت الباب مفتوحًا أمام تفسيرات غير كمية لهذه الظاهرة. كان واحدًا من هذه الثغرات هو أنه ربما تتبادل الجزيئات المعلومات عند السير بسرعة الضوء، وكانت أدواتنا بطيئة جدًا لالتقاط عملية التبادل هذه، أو ربما أن حقيقة التجارب التي تنطوي على جسيمات متشابكة كميًا ينتهي بها الأمر بفقدان بعض منهم وهي منحرفة عن النتائج النهائية.

وقد جرى معالجة هذه الثغرات أخيرًا في عام 2015، عندما جعلتنا إحدى التجارب التاريخية نرى التشابك الكمي، وهو يعبر بنجاح أصعب اختبار له حتى الآن بعد إسقاط هذين الاحتمالين والتأكيد على أن هذه الظاهرة لم تكن مجرد أمر شبحي، كما ذكر أينشتاين.