يعتبر التشابك الكمي (quantum entanglement) هو واحد من أغرب الظواهر التي من المحتمل أن تقابلها في جميع مجالات العلم التي توصل لها الإنسان، حتى إن العالم الألماني الأمريكي الشهير ألبرت أينشتاين اعتقد باستحالة هذه الظاهرة وأكد أنها أمر غريب.

ويقصد بالتشابك الكمي تفاعل اثنين من الجسيمات بطريقة معينة بحيث يصبحان مرتبطين على مستوى عميق، ويتشاركان في الوجود أو الكينونة حتى لو كانا يبعدان عن بعضهما البعض في الواقع مسافة عدة سنوات ضوئية.

التشابك الكمي هو ظاهرة فيزيائية تحدث عندما تتفاعل أزواج أو مجموعات من الجزيئات بطرق معينة بحيث لا يمكن وصف الحالة الكمية لكل مجموعة بشكل مستقل عن الجزيئات الأخرى، مهما كانت المسافة التي تفصل هذه الجزيئات عن بعضها البعض، وبالتالي يجب علينا هنا أن نصف الحالة الكمية للنظام المكون لهذه الجزيئات المتفاعلة ككل.

وكما ذكرنا، فإن العالم الشهير أينشتاين لم يتمكن من استساغة هذه الفكرة، وفي نهاية المطاف، قرر أنها كانت فكرة أو ظاهرة غريبة جدًا لدرجة أنه لا يمكن أن تكون صحيحة. ولكن تجربة جديدة تمكنت من تقديم أكبر إثبات حتى اللحظة لوجود التشابك الكمي، وبالتالي يمكن التأكد بالفعل من غرابة هذا الكون كما كنا ننظر إليه دائمًا.

الأمر الرائع في هذا التقرير ربما سيكون تأكدك من أن حتى علم الفيزياء تحول من علم تجريبي بحت إلى نوع من المزيج بين العلم والفلسفة.

جسيمات متشابكة لكنها بعيدة

وقال ديفيد كايزر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في تصريحات لموقع Phys.org، إن الثوابت التي كان يخلفها المشككون في ميكانيكا الكم وراءهم، انهارت وتكسرت وتقلصت إلى حد كبير الآن. «نحن لم نتخلص منها، لكننا تمكنا من تقليصها بنسبة 16 رتبة أو أس من الدرجات».

بوصفه مفهومًا، فإن التشابك الكمي هو واحد من أصعب الأمور التي يمكن إثباتها، لأنه في حين أن الفيزيائيين يمكنهم بسهولة ملاحظتها -فالجسيمات المتشابكة هي الأساس في الحوسبة الكمية التي تغزو العالم الآن- فإنه من المستحيل أن نعرف على وجه اليقين أن المتغيرات الخفية لا تتلاعب وتعبث بالنتائج لجعلها تبدو فقط مثل اثنين من الجزيئات المرتبطة بإحكام.

إذا كنت لا تستطيع استيعاب التشابك الكمي، فتخيل اثنين من الجزيئات اللذين يبعدان عن بعضهما البعض بمسافة عدة أمتار قليلة أو بضع من السنين الضوئية، لكن بغض النظر عن المسافة التي تقع بينهما فهما متشابكان، هل تستطيع تصور ذلك؟

وهذا يعني، لسبب ما لا يمكن تفسيره، أن هذه الجسيمات البعيدة قادرة على الحفاظ على علاقة خاصة مع بعضها البعض، بحيث إذا جرى قياس جسيم واحد، فإن علماء الفيزياء سيعرفون القياسات الدقيقة للجسيم الشريك.

هذا أمر غريب بما فيه الكفاية في ذاته، ولكن ما يجعل هذه الظاهرة أكثر غرابة بكثير هو حقيقة أن أيًا من هذه الجسيمات التي تملك خواصًا مترابطة يجري تحديد خصائصها فقط بمجرد قياسها، فكيف يمكن للجسيم الشريك أن يكون له خواص معرفة في حين أننا لم نضع أيدينا عليه بعد؟

اختبار بيل

وعلى الرغم من أن تجارب لا تعد ولا تحصى على مدى القرن الماضي، أكدت سلوك التشابك الكمي، فلا يمكن لأحد أن يفسر هذه الظاهرة بشكل كامل، وبقي أينشتاين نفسه من المشككين حتى النهاية، حتى وصفها بأنها «عمل شبحي عبر المسافات البعيدة». ولم ينكر أينشتاين أن الجسيمات بدت متشابكة كميًا، ولكنه جادل قائلًا إن بعض المتغيرات الخفية كانت تتلاعب بظاهر النتائج لتجعل الأمر يبدو في صورته الحالية من الترابط.

هذا ما دفع الفيزيائي جون بيل لإقامة نوع من الاختبار في ستينيات القرن الماضي، التي يمكن لها قياس احتمالية أن يكون ظهور الاشتباك الكمي هو إما وصول لحدوث تشابك فعلي، أو احتمال أن بعض المتغيرات الأخرى جعلت الأمور تبدو متشابكة. وأطلق عليه اسم «تجارب اختبار بيل» -المعروف أيضًا باسم تجارب عدم المساواة لبيل– والتي تنطوي على القيام بقياسات مستقلة على كل جسيم من الجسيمات المتشابكة لمعرفة أي الطريق سنصل إليه، تشابك فعلي أم تلاعب.

وقالت الباحثة إليزابيث جيبني لمجلة نيتشر العلمية، «إن بيل أظهر، إحصائيًا، أن العلاقات المتبادلة بين النتائج، بمجرد أن تكون فوق حدود معينة، لا يمكن تفسيرها على أنها جسيمات ذات خصائص خفية. وبدلًا من ذلك، بدا أن نتائج الاختبار المتناسقة كانت هي نتيجة القياسات على واحد من الأجسام التي يعكس نفس خصائص الجسيم الآخر بشكل غامض». بهذا يثبت بيل أن التشابك الكمي هو أمر حقيقي وليس مجرد تلاعب بالنتائج الظاهرة من قبل الجزيئات.

لكن العلماء سرعان ما أدركوا أن هناك حدودًا حتى للحد الخاص باختبار بيل، نقصد هنا بعض الثغرات التي تركت الباب مفتوحًا أمام تفسيرات غير كمية لهذه الظاهرة. كان واحدًا من هذه الثغرات هو أنه ربما تتبادل الجزيئات المعلومات عند السير بسرعة الضوء، وكانت أدواتنا بطيئة جدًا لالتقاط عملية التبادل هذه. أو ربما أن حقيقة التجارب التي تنطوي على جسيمات متشابكة كميًا ينتهي بها الأمر بفقدان بعض منهم وهي منحرفة عن النتائج النهائية.

وقد جرى معالجة هذه الثغرات أخيرًا في عام 2015، عندما جعلتنا إحدى التجارب التاريخية نرى التشابك الكمي وهو يعبر بنجاح أصعب اختبار له حتى الآن بعد إسقاط هذين الاحتمالين والتأكيد على أن هذه الظاهرة لم تكن مجرد أمر شبحي، كما ذكر أينشتاين.

ثغرة أخيرة

لكن بقيت هناك ثغرة واحدة أخيرة، ثغرة حرية الاختيار. وبالعودة إلى جيبني، فقد شرح لنا هذه الثغرة ببعض التفصيل، ففي كل مرة نستخدم اختبار بيل، نحن نفترض أن العلماء الذين يقومون بالتجربة لهم حرية اختيار فيما يتعلق بالقياسات التي يؤدونها على كل من زوج من الفوتونات المتشابكة (جسيمات الضوء).

وأضاف «لكن بعضًا من التأثير غير المعروف يمكن أن يؤثر على كل من الجسيمين وعلى الاختبار الذي يجري (إما عن طريق التأثير في اختيار القياس مباشرة، أو على الأغلب، من خلال الحد من الخيارات المتاحة)، لإنتاج تصحيحات هي التي تعطينا الوهم بأن هناك تشابك كمي».

وبعبارة أخرى، تخيل معي أن الكون في صورة مطعم به 10 خيارات في قائمة الطعام الخاصة به. يقول أندرو فريدمان، أحد أعضاء الفريق البحثي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، «أنت تعتقد أنه بإمكانك طلب أي من الخيارات العشر، لكن النادل سيخبرك بعد ذلك أن الدجاج نفد لديهم، وبالتالي بقيت في الواقع خمسة خيارات فقط في القائمة».

وبالتالي أنت لا يزال لديك حرية الاختيار لكن ضمن واحدة من الخمسة خيارات المتبقية، لكن في الحقيقة فقد تناقصت حرية اختيارك الكلية. وبالتالي عندما يتعلق الأمر بتجارب التشابك الكمي، فقد يكون هناك عوامل مجهولة أو قيود أو شروط حدية أو قوانين الحفظ التي يمكن أن ينتهي بها الأمر وهي مقلصة للخيارات الخاصة بك بطريقة خفية جدًا، تخيل ألا تعلم أن هذا المطعم كان يقدم وجبات مختلفة للدجاج من الأساس وأنك تعتقد أن وجباته هي من الأسماك فقط.

هذه العوامل قد تخدعنا وتقودنا للتفكير بأن هناك ظاهرة فيزيائية تسمى التشابك الكمي.

واحد من الجناة الأكثر وضوحًا في هذا السيناريو هو الجاذبية، فربما نفوذها يحد من عدد من القياسات الممكنة التي يمكننا أن نجريها على الجسيمات المتشابكة في التجارب التي تحدث على سطح كوكب الأرض. وبالتالي، فكيف يمكن لنا أن نلتف حول ثغرة حرية الاختيار هذه، عندما يبدو أن الكون نفسه سيكون ضدنا؟ الجاذبية موجودة في كل مكان، أليس كذلك؟

الحل وصل

هنا ذكر لنا فريدمان أنه جرى الاستعانة بمصادر خارجية لخيار الكون نفسه. في الماضي، حاول الباحثون التغلب على هذه الثغرة باستخدام مولد رقم عشوائي لتحديد –عشوائيًا- الخصائص التي سيقومون بقياسها، وهو ما يعني أن الباحثين لم يقحموا انحيازاتهم في التجربة عن طريق تحديد الخصائص بأنفسهم.

يقوم الباحثون بإطلاق زوج من الجسيمات الكمية في اتجاهين متعاكسين نحو اثنين من أجهزة الرصد المختلفة، ويقوم مولد الأعداد العشوائي هذا باختيار الخصائص التي سيجري قياسها في آخر لحظة قبل وصول الجزيئات إلى أجهزة الرصد الخاصة بها. وهذا يعني أن الجزيئات بالكاد يكون لديها أي وقت لتبادل المعلومات مع بعضها البعض، وتظهر لنا بأنها جزيئات متشابكة، كما يشتبه أينشتاين.

هذه التجربة كانت قوية بالفعل، لكنها استبعدت فقط تأثير المتغيرات الخفية قبل إطلاق الجزيئات ببضعة ميكروثواني. لكن ماذا لو كانت الأمور محددة بالفعل قبل هذه الميكروثواني؟

قرر فريق يضم باحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة فيينا في النمسا، ومؤسسات في الصين وألمانيا، استخدام النجوم باعتبارها وسيلة لدحر طول الفترة الزمنية التي يمكن فيها خفض التأثيرات الخفية. وشملت التجربة تحديد اللون الأحمر أو الأزرق إلى خصائص معينة والتي يمكن قياسها في الجسيمات المتشابكة. ثم جرى تعيين اثنين من التلسكوبات لرصد ضوء النجوم الوارد، إما الأزرق أو الأحمر، ويحدد اللون الذي يجري كشفه أولًا الخصائص التي كان من المقرر أن تقاس في الجسيمات المتشابكة. وهنا تكمن الخدعة، لأن اللون القادم من النجوم لا يمكن تغييره على طول الطريق، فهذا يعني إن وجدت متغيرات خفية غير كمية تتلاعب وتعبث بالجزيئات وتحدد الخصائص بشكل مسبق، فإنه يعني بالطبع أن التلاعب سيحدث قبل حتى خروج شعاع اللون من النجم نفسه، وبالتالي نحن استبعدنا حدوث تلاعب خلال فترة القياس أو قبلها.

وبملاحظة أن أقرب نجم إلى الأرض (بعد استبعاد شمسنا) اعتُبر عينة تجرى عليها التجربة، يبعد بالفعل عنا بمسافة 575 سنة ضوئية، فهو ما يعني أن عملية التلاعب المسبقة ستكون جرت منذ ما لا يقل عن 600 سنة ماضية تقريبًا.

وقال كايزر «إذا كانت أي آلية فيزيائية تتلاعب بطريقة أو بأخرى مع الخصائص، قلإت هذا لابد أن يكون قد حدث عندما كان النجم على وشك أن يبعث الضوء الذي سنقوم نحن بقياسه»، وبالتالي نستبعد ثغرة حرية الاختيار.

لكن في الواقع فإن هذه التجربة لا تغلق ثغرة حرية الاختيار تمامًا، لكنها تؤكد -لأول مرة- أن الشبح الكمي أو التشابك الكمي كان موجودًا منذ ما لا يقل عن الـ 600 عام الماضية، والآن الباحثون لديهم معرفة كيفية دفع هذا الحد للعودة لفترات زمنية أبعد من ذلك.

فريدمان يعتقد أنه يمكن أن يفعل ذلك عن طريق تطبيق نفس الأسلوب إلى جزيئات متشابكة باستخدام الضوء من النجوم الزائفة البعيدة. هذا يجب أن يدفع الحد لمليارات السنين، كما يقول.

ولكن ما هي نهاية هذه اللعبة؟ بداية الكون، أي الانفجار الكبير؟

هذا ليس بالضبط شيئًا سيحرص الفيزيائيون الآن على تأكيده، تشرح ناتالي وولشوفر، «يمكن أن يكون الكون قام بتقييد حرية الاختيار من البداية، إن كل قياس قد حدد سلفًا من قبل التصحيحات التي نشأت في الانفجار الكبير، وهو ما يطلق عليه اسم Superdeterminism»».

هو أمر مجهول؛ لأن الطاقم المسؤول عن اختبار بيل لن يكون قادرًا على استبعاد تصحيحات كانت موجودة قبل وجود النجوم نفسها، النجوم الزائفة أو أي ضوء آخر في السماء. وهذا يعني أن ثغرة حرية الاختيار لا يمكن أبدًا أن تغلق بشكل كامل».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد