ملابسي القليلة تلونت بالكثير من الدماء.. لا أستطيع أن أصف مهما حاولت شعوري في كل مرة أغسل فيها يدي من دماء أحد زملائي أو أصدقاء عمري، ولا يمكن لأحد تخيل كم الألم الذي يعتصرنا ونحن ندخل بيوت أصدقائنا ونحن نحملهم على أعناقنا بعد إصابتهم ونتركهم أمام زوجاتهم وأطفالهم بعدما نحوقل ونسترجع ولا يوجد شيء آخر بأيدينا لنفعله لهم *الحاج خالد في حديثه لـ«ساسة بوست»

في الطريق إلى قرية الزاوية بمحافظة المنيا كان الحاج خالد يجلس بين جنبات الدار، ناظرًا إلى أطفاله الثلاثة، كان يحدث نفسه عن اليوم الذي ستصل فيه إليهم جثة أبيهم بعدما يفقد حياته أثناء عمله اليومي في المحاجر، ربما سيحرمه القدر من الموت ويعود إليهم ذات يوم غارقًا في دمائه بعدما يكون قد فقد أحد أطرافه، لم يكن الحاج خالد متشائمًا بطبعه لكن ما رآه أمامه على مدى 20 عامًا من العمل في المحاجر من موت زملائه وإصاباتهم المتكررة أثناء العمل، جعله يمارس عمله كل يوم وهو فزِع منتظرًا تلك اللحظة التي سيصبح فيها محمولًا على أعناق زملائه في العمل وليس حاملًا لهم.

أطفال الموت والغبار الأبيض

ليس الشقاء في العمل وصعوبة الظروف التي يتعرض لها عمال المحاجر بالإضافة إلى قلة الأجر الذي يحصلون عليه هو أقسى ما يتعرض له هؤلاء العمال، إنما الأقسى على الإطلاق، وفقًا للحاج خالد، الخمسيني الذي لا يزال يحاول تحدي سنوات عمره بصعوبات العمل الشاق، هو تلك اللحظة التي ينظرون فيها إلى أبناء زملائهم الذين فقدوا حياتهم أثناء العمل، وهم يعانون في الحياة بعدما فقدوا الجنيهات القليلة التي كان يحصل عليها والدهم ويعود بها إليهم، كل منهم يعرف أنه ليس ببعيد عن الموت، وأن أطفاله لا يبتعدون كثيرًا عن هذا المصير، الأكثر ألمًا أن أطفال العمال الذين يتوفون قد ينتقلون إلى العمل مكان آبائهم، فتجد من بين وجوه عمال المحاجر وجوهًا لم تتجاوز العاشرة من عمرها بعد.

ووفقًا لتقارير «مؤسسة وادي النيل لعمال المحاجر»، فإن حالات الوفاة بين هؤلاء العمال تحدث عادة بسبب الماكينات غير الآمنة وعدم توافر أي مستلزمات للأمن الصناعي؛ إذ يفتقر هذا القطاع لإشراف جاد يضمن للعمال حقوقهم، ولا يحصل عمال المحاجر المصابون على تعويضات أو معاشات تُذكر بعد الإصابة، فعادة ما يدفع صاحب المحجر الذى شهد الإصابة تعويضًا محدودًا للعامل المصاب بعد ضغوط محلية، ويُقدر عدد المحاجر في شرق المنيا بـ700 محجر مسجل، بالإضافة إلى عشرات المحاجر غير المسجلة لدى إدارة المحاجر بالمحافظة، وتقول دراسة أعدتها «مؤسسة وادي النيل لعمال المحاجر» أن «الأطفال يمثلون 23.2% من عمال المحاجر في المنيا، ما يشير إلى خطر آخر في امتهان أطفال تلك المهنة».

«السرارية» و«جبل الطير» و«بنى خالد»، ثلاثة أماكن صحراوية يذهب إليهم عمال المحاجر بالمنيا يوميًا حيث أماكن التحجير، يجتمعون على سيارات ربع نقل تحت شمس الصعيد الحارقة مخترقين الصحراء لكي يبدؤوا يوم عملهم، وأثناء العمل يمكن أن تقع كتلة صخرية حادة فوق رأس أحدهم، ويمكن أن تستوحش عليهم إحدى الآلات التي يتعاملون معها لتقطع أحد أطراف واحد منهم.

صوت الآلات هو الأعلى

«الكسارة»  و«الفصالة» و«الحشاشة» ثلاث آلات يتعامل معها عمال المحاجر بشكل يومي، حيث ينقسمون إلى ثلاثة فرق كل فريق منهم يتولى كل منها العمل أمام آلة من هذه الآلات، فيقف فريق أمام «الكسارة» التي تُفتت الأحجار، وفريق ثانٍ أمام «الفصالة» التي تفصل البلوكات عن بعضها البعض، وفريق ثالث أمام «الحشاشة» التي تُقطع المادة الخام لأجزاء متساوية، ربما الأكثر حظًا من كل هؤلاء هو الفريق الرابع الذي يتولى مهمة نقل الحجارة إلى سيارات النقل، حيث يُعفى هذا الفريق من التعامل مع هذة الآلات، وتصبح الخطورة المحتملة عليه هي أن تسقط على رأسه أثناء الخروج والدخول أحد البلوكات الحجرية من الجبل فقط لا غير! – هكذا يعبر أحد عمال المحاجر مُداعبًا زملاءه وساخرًا-.

أثناء العمل لا يمكن لأحد أن يسمع صوت أحد، فالصوت الأعلى ها هنا هو للآلات الثلاث، ولا يمكن أن يرى أحد وجه أحد، حيث يُخفي الغبار الأبيض معالم المكان بالكامل وملامح الوجوه، وهو ما يجعل من الصعب اكتشاف سقوط أحدهم، إلا من خلال صراخ الباقين الذين يعملون معه على نفس الآلة وتحركهم المفاجئ.

يضع العمال على وجوههم كمامات، ليست طبية بالطبع وإنما يصنعونها من ملابسهم القديمة لتقيهم شر الغبار الأبيض الذي يصيبهم بالأمراض الصدرية، التي تتطلب الأطباء والأدوية وهو الأمر الذي لا يستطيعون إليه سبيلًا بطبيعة الحال، تقول دراسة أعدتها جامعة أسيوط عن مخاطر الإصابة بالتحجر الرئوي في محاجر شمال المنيا: إن نسبة تركيز الغبار الذي يحتوي على السيليكا أعلى من المعدلات المسموح بها، وهو ما قد يسهم بشكل كبير في إصابة العمال بالتحجر الرئوي.

الجبل الأبيض في صعيد مصر.. المصدر: behance.net

يقول رضا سمير (30 عامًا) وهو أحد عمال المحاجر: «كل هذا الشقاء اليومي والمخاطر التي نتعرض لها نظير 2000 جنيه في الشهر، حيث يتراوح أجرنا اليومي ما بين السبعين والمائة جنيهًا، ونعمل لمدة ثلاث أسابيع فقط، حيث يكون هناك أسبوع لصيانة الآلات، وهناك بعض أصحاب العمل الذين يزيدون من أيام العمل حينما يعانون من العجز المادي وهو الأمر الذي أصبح الجميع يُعاني منه بشكل دائم ومستمر».

المحاجر دومًا «في وجه المدفع»

يعمل رضا في المحاجر منذ سنوات عشر، وهو يعرف جيدًا كيف يؤثر الحال السياسي العام على عملهم بشكل مباشر، فمنذ عام 2011 وتحديدًا بعد الثورة، كان مجالهم من المجالات التي تأثرت بشكل مباشر بكل التغييرات التي تلتها، فعندما اختفى البنزين أُغلقت المحاجر في وجوههم، ولم يتبق لهم من باب رزقهم شيئًا، وقتها كان عمال المحاجر من المتضررين بشكل مباشر مثل سائقي النقل الثقيل والسائقين عمومًا، حيث أدت أزمة اختفاء البنزين إلى توقف أغلب المحاجر التي تحرق ماكينتها كمًا لا بأس به من السولار.

يقص رضا عمّا رآه وقتها أنه أمام محجره، كانت شكائر البودرة القليلة متراصة تجسد قلة الإنتاج والعمل، وكان يتفق على حمولة واحدة كل عدة أسابيع ثم يجلس بعدها هو وزملاؤه لا يجدون شيئًا يفعلونه، كانوا ينتظرون توفر البنزين بالأسابيع، وحاولوا أن يقدموا للمسئولين اقتراحًا بأن يوفروا لهم الكهرباء لكي يحاولوا تشغيل آلاتهم بالكهرباء بدلًا من البنزين ولكن دون جدوى بالطبع، وبحسب رضا، عاد وقتها أغلب العمال إلى بيوتهم وجلسوا بلا عمل ولا مصدر رزق.

أما في ظل الغلاء الحالي للبنزين فقد أثر الأمر على يومياتهم بشكل مباشر أيضًا، حيث إن المحجر الواحد يستهلك ما يقارب 400 لتر من السولار يوميًا، وهو ما يجعل غلاء البنزين له تأثير مباشر على دائرة العمل، فبعد أن كانت تصل يومية العمال إلى 100 جنيه أصبحت تصل إلى السبعين وربما أقل، وهو ما يجعل العمال يعانون لتوفير الطعام لأطفالهم، لأن كل السلع قد ارتفعت قيمتها في الوقت الذي قلّت فيه يومياتهم.

هناك العديد من المواد الخام التي تستخرج من المحاجر، ومنها الطوب الحجرى الذى يتم استخدامه في بناء المنازل، ويتم نقله إلى جميع محافظات مصر، وهذا يوفر آلافًا من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، من خلال التحميل والنقل، وهناك أيضًا البوردة التى تستخدم فى صناعة البلاط، ولها عدة استخدامات أخرى، حيث تدخل فى صناعات الزجاج وعلف الدواجن، وهو ما يجعل للمحاجر أهمية خاصة، ويجعل الحرص على تشغيلها يجب أن يزداد، ولكن ما يحدث أن المحاجر تكون من أكثر المتأثرين بأي أزمة سياسية أو اقتصادية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد