النفق المظلم الذي يتيه فيه الكثير من الشباب اليوم، وهو ما عرفه علميًّا الباحثان الأمريكيان «ألكسندرا روبينز وآبي ويلنر» باسم «أزمة ربع العمر»

«بالنسبة لي وحتى سن الخامسة والعشرين، كانت الحياة تسير في منحنى واحد، بذور كثيرة وثمرات قليلة، ولكن بدايةً من عيد ميلادي الخامس والعشرين بدأت أؤرِّخ لتحولات، وبدأ العمر يتحوَّل إلى شيءٍ ملموس وماديّ أخاف من التفريط فيه، كأني بدأت أنفق من مخزون يجب الحفاظ عليه».

هكذا عبَّر الكاتب المصري علاء خالد في كتابه «مسار الأزرق الحزين» عن النفق المظلم الذي يتيه فيه الكثير من الشباب اليوم، وهو ما عرفه علميًّا الباحثان الأمريكيان «ألكسندرا روبينز وآبي ويلنر» باسم «أزمة ربع العمر»، في دراسة نشرت في عام 2001 تحت عنوان: «أزمة ربع العمر: تحديات فريدة تواجهها في العشرينات من عمرك»، ويمكن تلخيص مفهوم الأزمة في عبارة وردت بالدراسة تقول: «كان الناس يفكرون في أنهم لا بد أن ينجزوا شيئًا ما عندما يصلون لسن الخامسة والأربعين، أما الآن فإنهم يفكرون بنفس الطريقة في سن الخامسة والعشرين».

ويمكننا أن نتحقق من صحة هذه العبارة عندما نرى حجم الضغوط التي يعيشها معظم الشباب في هذا العصر المختلف كثيرًا عن عصر الأجداد، فاليوم أصبحت الفرص الوظيفية قليلة ويكثر التصارع على الظفر بها، وأيضًا انتشرت الحروب والأمراض بصورةٍ ولَّدت الارتباك والقلق تجاه المستقبل، فكانت النتيجة أن الشاب يكافح بشكلٍ مستمرّ، وفي نفس الوقت يشعر بعدم الأمان، وأن الوقت يمر وهو لم يتقدم.

ثلاثة أرباع الشباب البريطاني غير راضين عن حياتهم

الكاتب البريطاني «داميان بار»

يصف الكاتب البريطاني «داميان بار» في كتابه «دليل النجاة من أزمة ربع العمر» حجم وجود الأزمة بقوله: «الكثير من الناس سوف يقولون إن الأزمة لا وجود لها، ولكن الحقيقة أن سن العشرينات اليوم ليس كما كان في زمان آبائنا، فأن تكون في العشرينات الآن شيءٌ مخيفٌ، لأنك ستقاتل الملايين من الخريجين للحصول على وظيفتك الأولى، وتكافح لشراء مسكنك، وفي نفس الوقت ينبغي عليك إيجاد الوقت الكافي للعناية بعلاقاتك الشخصية».

وفي دراسة أجرتها الدكتورة البريطانية «دونا داوسون» والمتخصصة في علم النفس السلوكي، وجدت أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الشباب البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و30 عامًا يعانون من «أزمة ربع العمر» ويشعرون بعدم الرضا عن حياتهم، وعلَّلت ذلك بأنهم يكونون تحت الكثير من الضغوط لإثبات أنفسهم، والنضال المستمر في سبيل الحفاظ على صورة معينة يجب أن يظهروا بها، مما يوصلهم إلى الإحساس بالفشل، بالإضافة إلى ربط نمط حياتهم بنمط حياة المشاهير، فتكون النتيجة توقعات غير متناسبة مع ما يمكن تحقيقه في سن الثلاثين.

وهناك أنماط معينة من الشخصيات لديها استعداد قوي للإصابة بـ«أزمة ربع العمر»، ويمكن التعرف إليها من خلال بعض الخصائص مثل: الرغبة في النجاح بشكل غير تقليدي، والتوقعات المثالية لما ستكون عليه حياتهم مستقبلًا، ووضعهم للأهداف الحياتية حسب مراحلهم السنية، مثل الزواج والإنجاب في سن معين.

أهم المسبِّبات: الأعباء المالية وضغوط الزواج

لا تحدث «أزمة ربع العمر» في ربع العمر حرفيًّا حسبما يرى الدكتور «أوليفر روبنسون»، الباحث في علم النفس بجامعة «جرينتش» البريطانية، ولكنها تحدث في ربع طريق تحمُّل المسئولية بشكلٍ عام، وغالبًا تكون في الفترة العمرية بين 25 و35 عامًا.

وقام «روبنسون» بتقديم بحث يدور حول الأزمة في المؤتمر السنوي لجمعية علم النفس البريطانية، عمل فيه من خلال التعاون مع باحثين من كلية «بيركبيك» التابعة لجامعة لندن، على التعامل مع «أزمة ربع العمر» من خلال زاويا تجريبية بناءً على احصائيَّات.

واتضح من نتائج البحث أن 86% من الشباب يشعرون بأنهم يعيشون دائمًا تحت ضغط النجاح في زواجهم، وأمورهم المالية، ووظائفهم قبل سن الـ30، وأن اثنين من كل خمسة شباب كانا قلقين بشأن الأمور المالية، معللين ذلك بأنهم لا يكسبون بشكل كافٍ، في حين رأى 32% أنهم يعانون من ضغط الزواج وإنجاب الأطفال، بينما كان 32% يرغبون في إجراء تغيير وظيفي كامل.

ولا تعني النسب السابقة أن المشهد سوداوي بشكلٍ كامل، فالدكتور «روبنسون» يؤكد أن «أزمة ربع العمر» -والتي تستمر في المتوسط حوالي سنتين- من الممكن أن تضيف إلى الشخص خبرة إيجابية، فهذه الأزمة تمر بمراحل متدرجة وهي: من الشعور بالحصار وعدم القدرة على التقدم، إلى وجود عامل محفز للتغيير، ثم بناء حياة جديدة، وفي نهاية المطاف ترسيخ التزامات تعكس اهتمامات وطموحات مختلفة.

8 علامات تؤكد إصابتك بـ«أزمة ربع العمر»

ربما يشعر الكثير من الشباب بأنهم يعيشون أزمة «ربع العمر» ولكنهم لا يستطيعون التأكد من ذلك، ومن خلال هذه العلامات الثمانية سيمكنهم التأكد ما إذا كان شعورهم صحيحًا أم لا:

1- تستهلك الكثير من وقتك في مقارنة نفسك بأصدقائك، من خلال متابعتهم بالعديد من الوسائل مثل: حساباتهم على موقع «فيس بوك»، والنظر إليهم على أنهم أكثر نجاحًا منك، وأن هناك فارقًا زمنيًّا كبيرًا بينك وبينهم.

2- تمر عليك أيام الإجازة دون أن تفعل فيها شيئًا مثيرًا للاهتمام، وفي نفس الوقت يذهب أصدقاؤك لزيارة أماكن جديدة، أو ممارسة أنشطة لكسر الروتين.

3- تطاردك معظم الوقت أحلام يقظة تصور لك الحياة التي كنت تطمح أن تعيشها اليوم، والمختلفة بشكل كبير في تفاصيلها عن حياتك الحالية.

4- لا تشعر بالسعادة رغم كل إنجازاتك، وتعتقد إن الكثير منها لم يكن تأثيره متناسبًا مع توقعاتك، وأن الأهداف التي وضعتها عندما حققتها اكتشفت أنها لا تستحق المجهود الذي بذلته من أجلها.

5- تشعر بالحنين إلى أيام المدرسة والجامعة؛ وذلك لنمط الحياة البسيطة الخالي من التعقيدات الذي كنت تعيشه في هذه المرحلة من حياتك.

6- ترعبك فكرة وضع ميزانيتك المالية، وتتجنب الاستثمار والمخاطرة بأموالك قدر الإمكان، وتشعر معظم الوقت بالخوف من أن ينفد مالك.

7- يسيطر عليك طول الوقت إحساس بالخوف من الفشل، وعلى عكس ما كنت تفعله في فترة الدراسة الجامعية من تغيير للتخصصات وتجربة أشياء جديدة، فأنت اليوم يصيبك الذعر لمجرد التفكير في تغيير مسارك المهني، وتعتبر أن ذلك يعني أخذ حياتك إلى مسارٍ سيئٍ بطريقة لا يمكن تعويضها.

8- أصبحت الوحدة نمط الحياة الجذاب بالنسبة إليك، وتحولت فكرة الخروج بصحبة أصدقائك إلى أمر ممل، وكثيرًا ما تشعر بالغربة أثناء وجودك معهم.

حسنًا.. ما هي الحلول الممكنة؟

بالطبع لن يحدث التغيير للأفضل بشكلٍ مفاجئ، ولكنه سيأخذ منك الكثير من التخطيط، والوقت، والجهد، حتى تنجح في النهاية أن تتجاوز أزمة «ربع العمر» بسلام، ولكن هناك بعض الإرشادات التي ستوفر عليك عناء الدخول في الكثير من التجارب الخاطئة مثل:

1- لا تتعامل مع الحياة على أنها سباق ينبغي عليك إحراز المزيد من الميداليات فيه، وأعمل على خفض سقف توقعاتك، وتعايش مع حقيقة أنك لست وحيدًا في هذه الأزمة.

2- انظر إلى من يحيطون بك فمن الممكن أن يكون بعضهم سببًا في تعقيد الأزمة، ولذلك احرص على أن تحيط نفسك بأشخاص يدعمونك، ويؤمنون بك وبأحلامك، فهذا سيخفف عنك الكثير من مصاعب الحياة.

3- تحلَّى بالشجاعة الكافية لإعادة بناء حياتك من جديد، وتشكيل شخصيتك الحقيقية، ففي المراحل التعليمية المختلفة تتكون شخصيتك نتاج البيئة المحيطة أو تأثير الآخرين؛ مما ينتج في كثير من الأحيان شخصية مزيفة ترهقك.

4- لا تعبأ بالأفكار القديمة عن مرحلتك السنية وما يجب عليك إنجازه فيها، ولا تهتم بما يحيط بك من ضغوط مثل أن يقول لك والدك أنه تزوج عندما كان عمره 22 عامًا، فالمهم أن تحدد أهدافك الخاصة، وتضع التزاماتك المنسجمة معها.

5- قم بالبحث عن شغفك، فالكثير من الشباب يقعون في «أزمة ربع العمر» لأنهم يتعاملون مع الوظيفة الأولى لهم بعد التخرج من الجامعة على أنها وظيفة العمر، والتي إن تركوها فلن يجدوا بديلًا، ولكن هذا غالبًا ما يكون خاطئًا، وهنا يكون الحل الوسط أن تأخذ إجازة من العمل، أو أن تستغل إجازة نهاية الأسبوع، وتقوم بإجراء بعض الاختبارات والتجارب التي تستطيع من خلالها الوصول للوظيفة التي تلبي شغفك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد