تمتلئ قصص التاريخ بالكثير من النساء اللاتي جلسن على كرسي الملك، وتبوأن مناصب سياسية رفيعة، بعضهن كن يحركن الجيوش ويفتحن البلدان، لكن القليلات منهن كن يترجلن عن العرش، ليحملن السيف ويخضن غمار الحروب في مقدمة الجند. من بين هؤلاء كانت الملكة أمينة، الملكة الأفريقية المسلمة التي عاشت في القرن السادس عشر، وسطرت بمعاركها ملاحم لا يزال يذكرها شعب الهوسا (نيجيريا الحالية) حتى اليوم.

محارِبة «من المهد إلى اللحد»

ولدت أمينة عام 1533 في مدينة زاريا (التي تقع اليوم في ولاية كادونا شمال دولة نيجيريا الحالية)، وكانت زاريا عاصمة لمملكة تُدعى زازاو، وهي إحدى ممالك سبع شكلتها قبائل الهوسا، والتي تعد من أكثر العرقيات انتشارًا على مستوى القارة الأفريقية، ويتجاوز تعدادها اليوم 200 مليون نسمة، كما أن لغة الهوسا من أكثر اللغات الأفرو- أسيوية انتشارًا.

كانت دويلات الهوسا ذات أهمية كبرى في النظام السياسي والتجاري لمنطقة غرب أفريقيا في ذلك الوقت، حيث كان لكل مدينة حكومة وجيش ونظام اقتصادي مستقل، وكان الفلاحون فيها يدفعون الضرائب لحكام المدن، كما كان لكل مدينة سوق يتبادل فيه التجار السلع المصنوعة وبخاصة الجلود والمعادن.

في ذلك الوقت، كانت زاريا قد احتلت موقع الصدارة بين ممالك الهوسا السبع، حيث سيطرت لبعض الوقت على ممالك النوبة وجوكون بالجنوب، وكان والد أمينة الملك نياكاتاو، وأمها الملكة باكاو تورونكو يحكمان مملكة زاريا، وبرغم أن عهدهما كان يمتاز بالرخاء والازدهار، إلا أن أمينة قد أبدت منذ الصغر اهتمامًا استثنائيًا بالأسلحة والتدريبات العسكرية، ويُروى أن جدتها قد أمسكت بها يومًا وهي طفلة عند النهر، فكانت تحمل بيدها خنجرًا، وأثار ذلك دهشتها لأن طريقة إمساكها بالخنجر كانت مثل المحاربين المخضرمين تمامًا.

شُغفت أمينة منذ الصغر بالسياسة والحرب، وانكبت على التدريبات العسكرية والتمرن على فنون القتال، ولم تلق بالًا لذلك العدد الكبير من الرجال الذين أخذوا يتوافدون على خطبتها، وردت هداياهم الثمينة من المال والجواهر والعبيد. لم يكن اهتمام النساء بالسياسة والعسكر أمرًا مألوفًا في ذلك الوقت، ومع ذلك فإن تطلعات أمينة كانت محل تقدير وترحيب من الأسرة، فشجعها والدها على تعلم فنون الحرب، وحين توفي والداها عام 1566، تولى شقيقها الأصغر كرامة حكم المملكة.

 وعندما هربت الشقيقة الثالثة زاريا (والتي سميت عاصمة المملكة على اسمها) ولم يستدل لها على أثر، اختارت أمينة البقاء بجوار أخيها ومساندته، وخلال فترة حكم كرامة التي امتدت لعشر سنوات، سيّر أربع حملات عسكرية على الممالك المجاورة، وكانت أمينة في طليعة المقاتلين في جيش أخيها، إذ تولت قيادة سلاح الفرسان، وتمتعت بسمعة طيبة بين صفوف المحاربين الذين تغاضوا عن كونها أنثى، واعتبروا أنها «أكثر كفاءة وقدرة من أي رجل على قيادة صفوف الرجال في ساحة القتال».

زاريا «تنتعش» تحت حكم أمينة

توفى الملك كرامة ملك زاريا عام 1576، ولم يكن هناك في الأسرة الحاكمة ذكورًا قادرين على وراثة المملكة، كما أن أعراف الهوسا لم تكن ترفض أن تصعد امرأة إلى سدة الحكم، ولما كانت أمينة تتمتع بقبول واحترام الجنود وكبار رجال الدولة، فقد تم لها الأمر بسلاسة، واختيرت لحكم البلاد بعد شقيقها المتوفى.

لم تمضِ سوى ثلاثة أشهر على حكمها، حتى طالبت أمينة رجالها بتجهيز أسلحتهم، وصقل سيوفهم استعدادًا للحرب، وجهزت أمينة جيشًا كبيرًا قوامه 20 ألف جندي، وألف فارس، وقامت بتزويد الجنود بالدروع المعدنية والخوذات الحديدية والبريد السريع، في تحديثات جديدة على الجيش في تلك المرحلة، وكانت هذه بداية حروب أمينة التي لن تنتهي على الممالك المجاورة. 

إلى جانب الصراع على الزعامة، والرغبة في التخلص من تهديدات الجيران، كانت حروب الملكة أمينة تهدف بشكل كبير إلى توسيع النفوذ التجاري لمملكتها، وبعد أن نجحت في ضم العديد من المدن الأخرى، لتتسع من نهر النيجر العظيم في الجنوب وحتى منطقة كانو شمالًا، تحولت مملكة الملكة أمينة إلى مركز تجاري يتحكم في الطرق التي تربط غرب السودان بمصر في الشرق ومالي في الشمال، كما صارت قوافل الهوسا تقطع الصحراء الكبرى ثلاثة أشهر في العام، لتشكل شريانًا للتجارة يصل بين بلاد السودان جنوبًا، ومدن شمال أفريقيا مثل تونس وطرابلس وغيرهما.

الملكة أمينة، التي كانت تقود المعارك بنفسها، متصدرة صفوف المحاربين، نجحت في تعزيز ثروة مملكتها، إذ كانت تفرض على المدن التي تستولي عليها جزية من المحاصيل والمعادن والعبيد الرجال، وكونت ثروة من تجارة المعادن الجلود والقماش والمنسوجات ونبات الكولا والخيول والملح، وتوري وثائق «تاريخ كانو» -الذي يعد أحد المصادر المهمة التي توثق تلك الفترة وتستشهد بها المصادر الأجنبية- كيف أن وفدًا من مملكة سونجي القريبة يضم زوجة الملك وابنته قد جاؤوا إلى زاريا بالهدايا والعبيد استرضاءً للملكة أمينة، وكيف انتابهم الفزع وتملكتهم الهيبة من مجرد ظهورها، إذ كانت ترتدي غطاء للرأس مثقلًا بالجواهر.

جدير بالذكر أن التجارة لعبت دورًا في انتشار الإسلام في بلاد الهوسا، الذي بدأ التعرف عليه في تلك المنطقة خلال القرن الثاني، لكنه انتشر بشكل كبير خلال القرن الرابع عشر، ليدين به حكام تلك الإمارات، وساهمت القوافل التجارية للهوسا في نشر الإسلام في كثير من المناطق الأفريقية، كما كثرت وفود العلماء المسلمين إلى تلك المناطق وزادت حركة الترجمة من العربية إلى الهوسية.

الملكة أمينة.. صاحبة واحد من أهم الآثار النيجيرية

إلى جانب سيرتها بوصفها محاربة لا يشق لها غبار، تركت الملكة أمينة أيضًا إرثًا معماريًا لا يزال باقيًا حتى اليوم، وهي «جدران أمينة»، وهي عبارة عن أسوار شيدتها الملكة حول مدينة زاريا أولاً، ثم أمرت ببناء أسوار مماثلة حول المدن التي كانت تحتلها، ولا يزال العديد من هذه الجدران باقيًا حتى يومنا هذا.

كانت تلك الجدران علامة بارزة على حكم الملكة أمينة، وتأكيدًا لجدراتها، فقد حمت أسواق الهوسا من التهديدات الخارجية القادمة من الجنوب، ووفرت الأمان الجسدي والنفسي للسكان، وحمتهم من السرقة والنهب والتدمير، كما منعت الزحف العشوائي، وظلت تلك الأسوار علامة بارزة عبر الزمن وشاهدًا على قدرة عمال الهوسا على تشييد صرح معماري ضخم يبقى أثره لمئات السنين.

مثل الكثير من مراحل حياتها، لا يزال الغموض يحيط بتفاصيل موت أمينة، وتشير الروايات إلى أنها ماتت على ظهر جوادها، حيث كانت تقود بنفسها إحدى المعارك في مدينة أتاجارا بالقرب من بيدا (في نيجيريا الحالية)، ليشكل ذلك نهاية لحكمها الذي دام قرابة 34 سنة، لم تكل فيها أو تمل في سبيل توسيع رقعة مملكتها وتثبيتها.

وقد استمر الصراع بين دويلات الهوسا بعد مقتل أمينة نحو مائتي عام، حتى جاءت هجمات شعب الفولاني (وسط وغرب أفريقيا) في بدايات القرن التاسع عشر، ثم سقطت آخر الممالك بيد عثمان دان فودي الذي ضم إمارات الفوجا لدولته التي أطلق عليها «خلافة سوكوتو»، والتي أقام فيها حُكمًا إسلاميًا على المذهب المالكي، حتى سقطت تلك المنطقة بيد الإنجليز بعد الغزو البريطاني لغرب أفريقيا عام 1903.

تحظى أمينة اليوم بتقدير شعبي كبير في نيجيريا، وبين قبائل الهوسا، الذين يحتفظون بأغنية فلكلورية شهيرة تحمل اسمها، كما أطلق اسمها على إحدى المدارس الثانوية الحكومية في ولاية كادونا، ويحمل نزل الطلاب في «جامعة أحمدو بيلو» اسم الملكة أمينة التي سطرت بشجاعتها سطورًا لا تنسى من تاريخ نيجيريا.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
تناستها كتب التاريخ.. هكذا ضمت أفريقيا أكبر الممالك الإسلامية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد