«هناك مكان خاص في الجحيم للنساء، اللائي لا يساعدن بعضهن بعضًا» *مادلين أولبرايت 

في دراسة أجرتها شركة «ديلويت»، إحدى كبرى شركات الخدمات المهنية في العالم، تبيّن أن المرأة التي تصل إلى مواقع قيادية، تصبح قدوة لغيرها من النساء والفتيات، وداعمة لهن. ولكن ماذا لو حدث العكس؟ فبدلًا من أن تدعم النساء القياديات غيرهن من بنات جنسهن، تُعرقل هؤلاء النساء صعود غيرهن، ولا يسمحن لهن بالدخول معهن في منافسة؟

هذا ما يُطلق عليه نظرية «متلازمة ملكة النحل»، فما علامات هذه المتلازمة؟ وكيف تؤثر في بيئة العمل؟ وهل هي حقيقة علمية أم مجرد تحيز آخر وشكل جديد من أشكال التمييز ضد المرأة في مكان العمل؟

من السياسة إلى الطب.. هذا ما تفعله «ملكة النحل»!

تنتشر في الأوساط الاجتماعية والعملية فكرتان شائعتان عن الدور الذي تلعبه النساء في حياة بعضهن بعضًا. ويبدو كلٌّ منهما مناقضًا تمامًا للآخر. فهناك المرأة الصالحة التي تدعم غيرها من النساء في التقدم في العمل، وهناك على الجانب الآخر «ملكة النحل».

Embed from Getty Images

يصف مصطلح ملكة النحل المرأة التي حققت نجاحًا في وظيفتها، ولكنّها ترفض مساعدة غيرها من النساء لتحقيق ما سبق وأن حققته. ويفترض بعض الباحثين أن السبب في ذلك يرجع لكون أولئك النساء اللواتي يشغلن مناصب قيادية، قد يشعرن بأنه يتوجب على غيرهن من النساء أن يسلكن الطريق الصعب نفسه، الذي اضطُررن للخوض فيه ليصلن إلى القمة، مرورًا بعديد من السنوات من العمل الشاق والتوتر الشديد. وبتعبير آخر، يعتقدن أن غيرهن من النساء يجب أن يُعانين مثلما عانين في بداية رحلتهن.

وقد ظهر مصطلح «متلازمة ملكة النحل» لأول مرة عام 1973، عندما عرّف عالما نفس بجامعة ميتشيجان هذه المتلازمة، التي تظهر لدى المرأة التي تشغل منصبًا قياديًّا، وتُعامل موظفاتها من النساء معاملةً أسوأ من موظفيها الرجال، وتنظر إليهن نظرةً دونية. ومن بين النساء اللاتي وصفن بهذه المتلازمة، مارجرت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية، التي لم تدعم دور المرأة في حكومتها. 

كذلك، استخدمت سالي ديفيز، أول امرأة ترأس قسمًا طبيًّا في إنجلترا، هذا المصطلح عام 2014، لتصف تجربتها الخاصة في قطاع الصحة. وقالت: «شهدت هذه الحالة في مجال الطب تحديدًا، حيث تستمتع «ملكة النحل» بأنها المرأة الوحيدة في مكان العمل». فهل يعيق سلوك «ملكة النحل» تقدم زميلاتها في العمل؟

كيف تؤثر «ملكة النحل» في زميلاتها في العمل؟

وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة «التنمية والتعليم في المنظمات»، صرحت 70% من النساء التنفيذيات بأنهن تعرضن للتنمر من قبل نساء أخريات في مكتبهن، وأن ذلك أدى إلى توقف تقدمهن المهني. ووصفت الدراسة، التي كتبتها المستشارة سيسيليا هارفي، مؤسسة ورئيسة منصة العرض العالمي «تك وومان توداي»، سلوك «ملكة النحل» بأنه أكبر عائق أمام تقدم المرأة في بيئة العمل.

Embed from Getty Images

تحمست سيسيليا لإجراء الدراسة، بعد أن تعرضت نفسها للتنمر سابقًا، واعتقادها بأن متلازمة «ملكة النحل» قد يكون لها تأثير سلبي في الشركات ككل؛ مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية والربحية ومعدلات رضا الموظفين. وتضيف سيسيليا أن الضرر الذي تتسبب به «ملكة النحل» على زميلاتها، قد يصاحبه آثار سلبية دائمة في الوظائف الفردية، والمؤسسات بأكملها. وتقول إنهن غالبًا ما يمنعن النساء الموهوبات الأخريات من التقدم في مكان العمل بسبب الخوف من متلازمة «ملكة النحل». 

وتُظهر الأبحاث التي أجراها معهد «التنمر في مكان العمل»، أن 58% من المتنمرين في مكان العمل من الإناث، وأن هؤلاء الإناث يخترن غيرهن من النساء ضحايا لهن في حوالي 90% من الوقت. فضلًا عن ذلك، وجدت إحدى الدراسات أنه عند حدوث نزاع بين زميلات العمل، يتوقع الناس أن تكون النتائج سلبية وطويلة الأمد. في المقابل، عند حدوث النزاع نفسه بين رجلين، أو رجل وامرأة، يُتوقع إمكانية إصلاح العلاقة بسهولة أكبر. 

«المرأة عدو المرأة».. حقيقة أم خرافة؟

للإجابة عن السؤال السابق، سننتقل إلى جامعة إيمانويل الأمريكية، حيث أجرت البروفيسورة جويس بيننسون، المتخصصة النفسية، دراسة طُلب فيها من المتطوعين اقتسام مالهم مع شريك وهمي من الجنس نفسه، مع إمكانية احتفاظ القائد بأي قدر من المال. ووجدت جويس أن الرجال القياديين كانوا أكثر استعدادًا لمكافأة زملائهم في المراتب الأدنى، أكثر مما فعلت النساء القياديات. وقالت إن النتائج تدل على وجود «متلازمة ملكة النحل»، وأن المرأة تهدر الوقت في التنافس مع أخريات.

على الجانب الآخر، ترفض شيرل ساندبيرج، وآدم جرانت هذا المبدأ المنتشر انتشار النار في الهشيم بين أفراد المجتمع. ويناقشان في مقال نُشر في صحيفة «نيويورك تايمز»، التعقيدات الخاصة باعتقاد البعضِ بأن عدوّ المرأة الأول هو امرأة تشغل منصبًا ذا سلطة. ويقولان إنه رغم وجود ملكات النحل حولنا، فإنهنّ يمثلن نسبةً أقل مما نعتقد. 

وتؤكد شيريل، التي شغلت منصب رئيس قسم العمليات في «فيسبوك»، أن النساء لا يُعامِلن بعضهن بلؤمٍ أكثر من الرجال. ولكن ما يُتوقع من المرأة، هو أن تكون أكثر لطفًا. وهنا يظهر تأثير القوالب النمطية التي تصف الرجال بأنهم عدوانِيين، والنساء بأنهن رقيقات؛ وبذلك عندما تتحرر امرأة ما من هذه القيود النمطية، نبدأ بإطلاق أحكام اعتباطية عليها بصورة أشد قسوة.

وتُضيف مارلو توماس، معلقةً على هذا الموضوع: «يُعد الرجل قاسيًا إن تطرف في سلوكياته، مثل الإرهابي المعادي للثقافة، بينما تُعد المرأة قاسية إن تصرفت تصرفًا بسيطًا، مثل وضع مكالمتك على قائمة الانتظار»؛ الأمر الذي تجده معيارًا مزدوجًا يُطّبقه الناس في سياقٍ مختلف.

ورغم الدراسات التي تُشير إلى انخراط الرجال في سلوكيات عدوانية غير مباشرة، مثل النميمة، والإقصاء الاجتماعي، بمعدلات مماثلة أو أعلى من النساء، فإنه ما زال يُعتقد على نطاق واسع أن النساء أكثر لؤمًا بعضهن تجاه بعض. وتنتشر مثل هذه المعتقدات لدرجة تجعل حتى الأطفال في سن ما قبل المدرسة، يعتقدون أن الفتيات أكثر عرضة من الأولاد للانخراط في سلوكيات عدوانية رغم وجود أدلة تُناقض ذلك.

وتعد متلازمة «ملكة النحل» قضية جدلية؛ إذ تسعى النظرية لإثبات علاقة بين سمات سلوك الإناث القياديات، وغياب تمثيل المرأة من المناصب العليا. لكن تلك النظرية ستخلق تعميمًا جارفًا حول سلوك المرأة، وتهمل أي دور يمكن أن يلعبه الرجال في هذا المجال. وقد يكون وجود هذا المصطلح بحد ذاته، تمييزًا عنصريًّا ضد جنس النساء، إذ لا يوجد مصطلح مُقابل للرجال الذين يسلكون السلوك نفسه ضد زملائهم الذكور.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«شماعة» التشخيص الخاطئ.. كيف تفضح «الهستيريا» تحيز الطب ضد النساء؟

المصادر

تحميل المزيد