نُذرُ حربٍ تلوح بين أذربيجان وأرمينيا، بعد تصعيداتٍ عسكريّةٍ، واندلاعِ اشتباكاتٍ عنيفةٍ، في إقليم «ناجورني قرة باج» الحدودي المتنازع عليه، في 27 سبتمبر (أيلول) 2020، أدت إلى سقوطِ قتلى وجرحى مدنيين وعسكريين من البلدين، تبعها إعلان الأرمن حالة الحرب، وفرض الأحكام العرفية، والتعبئة العامة بالإقليم؛ ما يضع جنوب القوقاز على شفا حربٍ واسعةِ النطاقِ، قد يكون لها تداعيات لا يمكن توقعها.

نرصد في هذا التقرير أسباب اشتعال الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، ومدى تأثيراته على الصعيد الإقليمي، وما هي الأحداث المتوقعة بعد إعلان الحرب بين البلدين؟ وكيف يمكن أن ينتهي هذا الصراع.

1- ما هو أصل الصراع بين أذربيجان وأرمينيا؟

يعود أصل الصراع بين الجارتين أذربيجان وأرمينيا، اللتين تقعان عند مفترق طرق رئيسة بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية، إلى عشرينات القرن الماضي، حول منطقة انفصالية تُعرف باسم إقليم «ناجورني قرة باج»، وهي منطقة جبلية تبلغ مساحتها حوالي 4400 كيلومتر مربع (1700 ميل مربع).

ولفهم أبعاد الصراع، يجدر الانتباه بداية إلى أن هذا الإقليم من الناحية الجغرافية يقع في قلب أذربيجان، لكن من الناحية الديمجرافية تسكنه أغلبية أرمينية بنسبة 95%.

صورة تبين إقليم قرة باغ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان. المصدر: الجارديان

ظهرت الملامح الأولى للنزاع بين أذربيجان وأرمينيا، حول إقليم «ناجورني قره باج»، بعد انهيار الإمبراطورية الروسية عام 1917، أثناء تشكيل ثلاث جمهوريات عرقية في جنوب القوقاز، من أرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا.

لكن ثمَّة روايتين تكشف لنا إرث الكراهية التاريخي، وروح العداء المتواصل بين الأرمن والآذر، في منطقة القوقاز، عبر اتهام بعضهما بارتكاب المذابح وقتل المدنيين:

الرواية الأولى – يروّج لها الأرمن – أن أذربيجان بعد إعلان جمهورية أرمينيا شنَّت هجومًا عسكريًا في مايو (أيار) 1918، بدعمٍ من الوحدات العسكرية التركية، ونفذت مذابح ضد المدنيين، حتى أنها قتلت 40 ألف أرمينيًا في مارس (أذار) 1920.

الرواية الثانية يروَّج لها الجانب الآذريّ – أن التشكيلات الأرمينية المسلحة قتلت في أبريل (نيسان) 1918، بعد إعلان استقلالها، آلاف المدنيين بناء على انتماءاتهم العرقية والدينية، ودمرت المدن والقرى الأذربيجانية، وعدد من المعالم الثقافية، والمساجد، والمقابر، وعذَّبت وحداتٌ مسلحةٌ أرمينيةٌ متطرفة، 30 ألف مدنيًا في مدينة باكو (عاصمة أذربيجان)، بمن فيهم النساء، والأطفال، والمسنين.

وبالتالي كانت تلك المنطقة الجبلية لعنةً على سُكّانِها، لا سيَّما بعد قرار جوزيف ستالين المفوض الأعلى لشؤون القوميات، إِبَّان الثورة البلشفية عام 1921 الذي اعتمد على سياسة «فرِّق تسُد»، بضم إقليم قرة باغ (ذي الأغلبية الأرمينية) إلى أذربيجان الاشتراكية السوفيتية، ومنحه حكمًا ذاتيًا؛ كوسيلةٍ لتقسيم جنوب القوقاز، ولزرع نواة توتر وصراع بين الدولتين؛ لبث الفرقة بين الجماعات العرقية داخل جمهوريات الاتحاد المترامية الأطراف، بما يضمن للحكومة المركزية في موسكو نفوذًا دائمًا.

ومع تراجع قبضة الاتحاد السوفيتي سابقًا، على الدول التي تدور في فلكه، تفجَّر الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان، حول السيادة على هذا الإقليم، عام 1988، بعد تصويت برلمان المنطقة لصالح الانضمام لأرمينيا، ومع تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 أعلن إقليم «قرة باج» الاستقلال رسميًا، وهو ما تسبب في حرب بين البلدين مجددًا، راح ضحيتها 30 ألف قتيل، ونزوح الملايين من اللاجئين، وسيطرت أرمينيا آنذاك على الإقليم المتنازع عليه، واحتلت 20% من الأراضي الأذربيجانية المحيطة بالإقليم.

دولي

منذ شهر
أخبار عن نقل تركيا محاربين إلى أذربيجان.. ما علاقة تركيا بحرب أرمينيا وأذربيجان؟

وبعد عامين أصدر مجلس الأمن قراراته رقم 822، و853، و874، و884، في 1993، يطالب فيها القوات الأرمينية بالانسحاب من الأقاليم المحتلة في أذربيجان، لكن القوات الأرمينية لم تمتثل للقرار. غير أنَّ الاقتتال بين أذربيجان وأرمينيا توقَّف مؤقتًا على قره باج عام 1994، بعد توسط روسيا في اتفاقٍ لوقف إطلاق النار، بينما تشير تقارير تركية إلى أن موسكو كانت تدعم القوات الأرمينية عسكريًا وسياسيًا خلال الصراع.

وعلى الرغم من الاتفاق على وقف إطلاق النار في عام 1994، بعد مقتل آلاف الأشخاص ونزوح الملايين، استمر كلا البلدين في اتهام بعضهما البعض، بشنِّ هجماتٍ حول قرة باج، وعلى طول الحدود الأذرية الأرمينية المنفصلة.

بيْد أن مطلع أبريل (نيسان) 2016 شهد أعنف قتال منذ عام 1994؛ أسفر عن أكثر من 300 قتيل، وبعد أربعة أيام من القتال، أعلن الجانبان أنهما اتفقا على وقف إطلاق النار.

وظلت التوترات مرتفعة منذ انهيار المحادثات التي أعقبت أعمال العنف في 2016، وفشلت جهود التفاوض والوساطة، التي قادتها دولٍ عدة على رأسها الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا (مجموعة مينسك)، في التوصل إلى حلٍ دائمٍ للصراع، في ظل انتهاكاتٍ متكررةٍ لوقف إطلاق النار.

وعاد التصعيد من الجانب الأرميني بقصف مواقع للجيش الأذربيجاني في منطقة توفوز الحدودية في 12 يوليو (تموز) 2020، لتأخذ بعدًا آخر بعد توسيع الجيش الأرميني مناطق القصف لأبعد من مناطق خط وقف إطلاق النار، فضلًا عن الاشتباكات العنيفة التي اندلعت مؤخرًا في قرة باج. لكن إذا كان قد أُعلن وقف إطلاق النار عام 1994، فما الذي أجَّج الصراع بين البلدين مجددًا؟

2- ما هي أسباب اشتعال الصراع مجددًا بين أرمينيا وأذربيجان؟

لا يمكن الحديث عن تجدد المواجهات في جنوب القوقاز بعيدًا عن إطار إقليمي دولي تعيشه تلك المنطقة. وإذا أمعنا النظر في الاشتباكات، التي جرت في يوليو (تموز) الماضي، لوجدناها تقع في مدينة «توفوز» بالقرب من شريان النقل لتصدير الهيدروكربونات إلى أوروبا عبر جورجيا وتركيا، كما تقع بجوار طرق النقل والشحن والطاقة حيث يُنقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى تركيا عبر هذا الممر.

بالتالي يؤثر هذا النزاع تأثيرًا مباشرًا في هذه المنطقة التي تتربع في قلب الاقتصاد الأذربيجاني، على خط أنابيب النفط (باكو، تبليسي، جيهان)، وممر الغاز الجنوبي وخط السكك الحديدية.

ومن هنا يرى الباحث باسراد باشايف المتخصص في العلاقات الدولية وتجارة الطاقة، أن هدف أرمينيا هو السيطرة على طرق النفط، والغاز، والسكك الحديدية التي تمر عبر الإقليم، وتعطيل صادرات النفط والغاز من المنطقة، لا سيَّما أن أذربيجان هي واحدة من أقدم الدول المنتجة للنفط في العالم، ومورد مهم للنفط والغاز في منطقة بحر قزوين، إذ تمتلك احتياطات غاز تبلغ 2.1 تريليون متر مكعب، بما يعد أحد العوامل الرئيسة لاقتصاد أذربيجان.

وإذا كنا قد نظرنا إلى الجانب الاقتصادي، فهناك عقبة كؤود تقف أمام إحلال السلام بين البلدين، وتسهم في إشعال الصراع بينهما، وهي الجغرافيا السياسية (الجيوسياسي) وتأثيرها على إقليم «قرة باغ»؛ إذ تتحدث بعض الأطراف الأخرى عن إشكالية بالوساطة الروسية.

تقول وجهة النظر الأخرى أنّ موسكو تسعى لإثارة النزاع بين الطرفين من خلال ساسة، مثل قسطنطين زاتولين النائب الأول لرئيس لجنة الدوما لرابطة الدول المستقلة؛ حتى تتمكّن روسيا من التلاعب بالجانبين دائمًا، وحفظ نفوذها داخل أرمينيا وأذربيجان، بحسب سفير الولايات المتحدة السابق لدى أذربيجان ماثيو بريزا، خلال تصريحات تليفزيونية لشبكة «TRT World».

لكن من زاوية أخرى فإن الأمر لا يقتصر على أذربيجان وأرمينيا، بل ثمَّة رسالة إلى تركيا من وراء هذا الصراع، بحسب الكاتب إبراهيم كاراجول في صحيفة يني شفق التركية، هي أن جبهة عربية مضادة لأنقرة تقودها الإمارات، من شأنها إلهاء تركيا شرقًا وغربًا وعلى الحدود جنوبًا وعند البحر، بالتزامن مع تحريض المملكة العربية السعودية للانضمام لهذا المخطط، وكذلك فرنسا التي تحاول نقل المعركة التي خسرتها في ليبيا والمتوسط إلى القوقاز؛ لتضليل عقل أنقرة الجيوسياسي.

وهذا يجعلنا نتساءل إذا كانت هناك أطراف دولية، تلعب في الخفاء بالصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان، فما هو موقف الدول الأخرى من ذلك الصراع؟

صورة تشرح خريطة النزاع في إقليم قرة باج. المصدر: مركز أبحاث تحليل النزاعات

3- من هم حلفاء الطرفين؟

بالنظر لموقف الأطراف الدولية، نجد أنَّ باكستان تدعم أذربيجان، لا سيَّما أن هناك مصالح متبادلة بين البلدين، ظهرت في دعم باكو لإسلام آباد في قضية إقليم كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان.

وتدعم أنقرة حكومة أذربيجان في حربها ضد أرمينيا استنادًا للشرعية الدولية التي طالبت بانسحاب القوات الأرمينية من الأراضي الآذرية المحتلة، كما لتركيا دورًا كبيرًا في الصراع، مع تاريخ طويل من العلاقات المتوترة مع أرمينيا؛ بسبب رفض أنقرة الاعتذار عن الإبادة الجماعية – كما تسميها الرواية الأرمينية – التي وقعت عام 1915 لحوالي 1.5 مليون أرميني.

كذلك فإن روسيا تدعم أرمينيا عسكريًا، ولديها قاعدة عسكرية، على الرغم من أنها وسيط دولي لحل الأزمة ضمن مجموعة مينسك لحل أزمة إقليم قرة باج، لكنّها تزوّد كلًا من الطرفين بأسلحة بمليارات الدولارات، وكان لها روابط متنامية مع النخب الأذربيجانية في السنوات الماضية، وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم أرمينيا ماليًا.

وأما إيران فهي تدعم أرمينيا ضد أذربيجان لأسباب عدة، أبرزها أن أذربيجان هي أحد الحلفاء الرئيسيين لإسرائيل في المنطقة، لا سيَّما أنها ثالث أكبر مشترٍ للأسلحة الإسرائيلية في عام 2017؛ إذ بلغت مشترياتها 137 مليون دولار، كذلك لا يبدو أن إيران تتفق مع أفكار تركيا، على الرغم من علاقاتهما الوثيقة، إلا أن سلوك الرئيس رجب طيب أردوغان في النزاعات الإقليمية مثل سوريا في السنوات الأخيرة يظهر أنه لا يتردد في التدخل ضد المصالح الإيرانية.

وهنا يمكننا القول إنَّ هذا النزاع شأنه شأن أغلب النزاعات التي تدور في العالم، إذ للتدخلات الأجنبية دور كبير في تغذية وتأجيج الصراع، لكن كيف يمكن أن يؤثر ذلك على الصراع إقليميًا في المنطقة؟

4- كيف يمكن أن يؤثر الصراع إقليميًا في المنطقة؟

بدون جهود وساطة ناجحة، فإن انتهاكات وقف إطلاق النار وتجدد التوترات تهدد بإعادة إشعال صراع عسكري بين الدول وزعزعة استقرار منطقة جنوب القوقاز؛ ما يؤدي أيضًا إلى تعطيل صادرات النفط والغاز من المنطقة؛ لأن أذربيجان التي تنتج حوالي 800 ألف برميل من النفط يوميًا، تعد مصدرًا مهمًا للنفط والغاز إلى أوروبا وآسيا الوسطى؛ مما قد يؤدي إلى تصعيد الأزمة، وإشراك الجهات الفاعلة المعنية، في حربٍ لا يمكن لأحد أن يتوقع نتائجها.

5- كيف يمكن أن ينتهي هذا الصراع؟

إذا نظرنا إلى التاريخ الطويل للنزاع بين البلدين، فلا يمكن أن يحسم هذا الصراع زعيمان في غرفة واحدة؛ لأنه صراع متجذر في عمق الوعي الوطني العام؛ ما يتطلب التخلص أولًا من الارتياب وانعدام الثقة وإرث العداء التاريخي بين الأرمن والأذربيجانيين.

غير أن هناك سيناريو حال تفعيله سيسهم في حل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، وهي خطة مينسك؛ إذ يتعين وفق هذا السيناريو على الأطراف الثلاثة؛ أرمينيا، وأذربيجان، وقره باج، الاتفاق على ضرورة الاعتراف بوحدة أراضي أذربيجان مقرونًا بنظام حكم ذاتي لقرة باج من قبل الأرمن المحليين.

المصادر

تحميل المزيد