تظاهرات ضخمة اندلعت في العاصكمة البوركينية “واجادوجو” وغيرها من مدن البلاد خلال الأسبوع الماضي، ازدادت وتيرتها يوم الخميس حيث قام المحتجون بإضرام النيران في مقر الجمعية الوطنية “البرلمان”، كما قام المتظاهرون بقطع الطرق وإشعال الإطارات، كما قام بعض المتظاهرين باقتحام تليفزيون بوركينا فاسو الأمر الذي تسبب في إيقاف البث، من جانبها قامت قوات الأمن بإطلاق قنابل الغاز وطلقات الرصاص في الهواء في محاولة لتفريق المتظاهرين، أسفرت المواجهات عن سقوط 30 قتيلًا خلال يومي الخميس والجمعة بسبب الانفلات الأمني، ولكن قوات الأمن اضطرت إلى الانسحاب في النهاية بسبب زيادة أعداد المتظاهرين وفقًا لوكالة رويترز.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“كوامي لوجي وزير الدفاع السابق المشارك في التظاهرات”

شارك في التظاهرات أكثر من 100 عسكري بوركيني سابق على رأسهم وزير الدفاع الأسبق كوامي لوجي، ووصفت المعارضة التظاهرات التي اندلعت في البلاد بكونها “مليونية” و”غير مسبوقة”.

1- بداية: أين تقع بوركينا فاسو؟

هي دولة تقع في غرب أفريقيا ضمن الصحراء الكبرى، تحيطها ست دول هي مالي من الشمال، النيجر من الشرق، بنين من الجنوب الشرقي، توگو وغانا من الجنوب وساحل العاج من الجنوب الغربي، تبلغ مساحتها حوالي 274 ألف كم مربع وعدد سكانها 17 مليون أكثر من نصفهم من الشباب دون سن الـ25 سنة، تعمد بوركينا فاسو في اقتصادها على الزراعة والإنتاج الحيواني ومن أهم منتجاتها الفول السوداني والقطن والذرة والأبقار والماعز والضأن.

تعد مدينة “واجادوجو” العاصمة أهم مدن البلاد، تأتي بعدها مدينة “بوبوديولاسو”، كنت تسمى في الماضي “جمهورية فولتا العليا”. وفي 4 أغسطس 1984 غير الرئيس توماس سانكارا اسم الدولة إلى “بوركينا فاسو” والتي تعني “أرض الناس الذين يصعب إفسادهم” باللغتان المحليتان الكبيرتان موسي وديولا، حصلت بوركينا فاسو على استقلالها رسميًا عام 1960.

2- متى اندلعت الأزمة السياسية في البلاد؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“كامباوري”

تشهد بوركينا فاسو اختناقًا سياسيًا كبيرًا بسبب تمسك الرئيس “بليز كامباوري” بالبقاء في السلطة منذ أكثر من 28 عامًا، بينما يستأثر حزبه الحاكم “المؤتمر من أجل الديمقراطية والتقدم” وحلفاؤه من “الجبهة الجمهورية” بأكثر من ثلثي مقاعد الجمعية الوطنية “البرلمان”.

في سبتمبر الماضي، تقدم الحزب الحاكم بمشروع جديد لتعديل الدستور وصفته المعارضة بأنه “استفزازي” ويسعى لتمديد بقاء الرئيس في الحكم “مدى الحياة” وذلك بسبب التعديلات المقترحة على المادة “37 من دستور البلاد”.

3- ما هى قضية المادة “37” ولماذا تشكل أزمة سياسية؟

تم إقرار الدستور البوركيني الحالي عام 1991 بعد 4 سنوات من الانقلاب العسكري عام 1987، عرف بدستور الجمهورية الرابعة، حيث حدد هذا الدستور في مادته رقم “37” فترة حكم رئيس الجمهورية بـ7 سنوات قابلة للتجديد لمدة واحدة فقط.

في 27 يناير 1997 وقبيل انتهاء المدة الرئاسية الثانية لكامباوي بعام واحد، نجح في تمرير تعديل دستوري يسمح بتجديد فترة الرئاسة لمدد “متجددة” بدلًا من مدة واحدة فقط رغم الاحتجاج الكبير للمعارضة.

في أبريل عام 2000 وعلى خلفية مقتل الصحفي البوركيني البارز “نوربرت زونغو”، راجت شكوك قوية حول تورط الرئيس “كمباوري” في الحادث، مما تسبب في اندلاع مظاهرات كبيرة في البلاد، وتحت الضغط الشعبي، قرر الرئيس البوركيني الشروع في إجراء تعديل دستوري يحد، مرة أخرى، من الولايات الرئاسية إلى اثنتين فقط كما تم تقليص مدة الرئاسة لتصبح 5 سنوات بدلًا من 7 سنوات، وفي مراوغة قانونية استفاد الرئيس من الأثر غير الرجعي للقانون الجديد حيث قام بالترشح للانتخابات الرئاسية عامي 2005 و2010.

عاد الرئيس البوركيني ليمارس عادته في الالتفاف على الدستور من جديد حين أعلن عن رغبته في إقامة تعديلات دستورية تتضمن إصلاحات سياسية مفاجئًا الجميع بإدراج المادة “37” على لائحة التعديلات، الأمر الذي وصفته المعارضة بكونه شرعنة للديكتاتورية ورغبة في البقاء في السلطة مدى الحياة.

4-ما أسباب التظاهرات في بوركينا فاسو؟


تزامنت التظاهرات في واجادوجو مع اليوم المحدد لمناقشة التعديلات الدستورية المقترحة من قبل الرئيس خلال جلسة للجمعية الوطنية، وعلى رأسها مشروع لتعديل المادة “37” من الدستور البوركيني بما يسمح للرئيس الحالي بليز كامباوري بالبقاء في السلطة.

ويحكم كانباوري البلاد منذ عام 1987 بانقلاب عسكري دموى على صديقه اليساري “توماس سانكارا” سقط خلاله سانكارا قتيلا في حادث وصف بكونه مدبرًا.

حكم كانباوري البلاد لمدة 4 سنوات بعد الانقلاب بغير انتخابات قبل أن يؤسس نظامًا ديمقراطيًا صوريًا حكم البلاد من خلاله لأربع فترات، استمرت أول فترتين منهما لمدة 7 سنوات لكل فترة “1991-2005″، بينما تمتد الفترتين الأخريتين لمدة 5 سنوات لكل فترة بحسب التعديل الدستوري الأخير “2005-2015″.

ويمتلك حزب الرئيس الحاكم 70 مقعدًا من عدد 123  مقعد هي إجمالي عدد مقاعد البرلمان البوركيني، بينما كان يحتاج حسم التعديلات الدستورية المقترحة إلى 82 صوتًا سعى إلى تأمينها عبر حلفائه من الجبهة الشعبية.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“متحدث باسم الجيش يعلن تنحي الرئيس”

من جانبه أعلن قائد الجيش الجنرال “أونوري تراوري” حل الجمعية الوطنية “البرلمان” مع السعي لتشكيل حكومة وطنية تتولى شؤون البلاد لفترة انتقالية “12 شهرًا”  قبل أن يخرج الرئيس في خطاب متلفز ليعلن تأييده لقرارات الجيش واستعداده لقيادة حكومة انتقالية مع التعهد بإيقاف التعديلات الدستورية المطروحة بما يعني عدم إمكانية استمراره كرئيس للبلاد بعد انتهاء الفترة الانتقالية، في خطاب وصفه الكثيرون بكونه أشبه ما يكون بخطاب الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي إبان أحداث ثورة الياسمين في تونس.

اعتبرت المعارضة أن ما قام به الجيش انقلابًا وتمسكت باستقالة الرئيس الذي وصفته بكونه يمارس الخداع على الشعب كما جاء في تصريحات أحد قادتها لوكالة فرانس برس، وتحت الضغوط الشعبية اضطر الرئيس إلى الاستقالة، حيث تم إعلان استقالة الرئيس بليز كومباوري وتولي هونوري تراوري “لاعب كرة مضرب سابق وخريج الأكاديمية الملكية في مدينة مكناس المغربية” مهام رئاسة البلاد بشكل مؤقت وفقًا لتصريحات ممثل الجيش أمام المتظاهرين المحتشدين في ساحة الأمة بالعاصمة واجادوجو.

5- كيف ترى المعارضة حركة الجيش؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“قادة المعارضة في بوركينا فاسو”

تنظر المعارضة في بوركينا فاسو بقدر كبير من التوجس إلى حركة الجيش، خاصة أن العلاقة بين الجيش والمعارضة ليست في أفضل حالاتها، وتفيد الأنباء أن عددًا من قيادات الجيش كان يرغب في إكمال الرئيس لمدته خوفًا من وصول المعارضة إلى الحكم، لكن المراقبين يتوقعون أن يضطر الجيش إلى التفاهم مع المعارضة على الأقل خلال المراحل الأولى لكونها لازالت تمتلك الشارع إلى الآن، وأنها من قامت بتحريض المتظاهرين للنزول ضد الرئيس كومباوري.

تاريخ الجيش في بوركينافاسو لا يبعث المعارضة على الثقة والتفاؤل، فالحقبة الأخيرة شهدت أكثر من أزمة كان الجيش طرفًا فيها أبرزها في عام 2011 حين شنت كتيبتين من الجنود إحداهما تعمل في نطاق الرئاسة تمردًا مسلحًا، تسبب في ترك الرئيس كامباوري لقصره الرئاسي والمغادرة إلى مسقط رأسه، حيث  نزل الجنود إلى الشوارع ونهبوا المحال وأحرقوا منزل قائد الأركان وغيره من القادة العسكريين وقتها قبل أن تجري محادثات مع المتمردين لإنهاء تمردهم انتهت بعودة الرئيس إلى قصره.

وشهدت بوركينا فاسو نهاية شهر مارس/آذار 2011 مظاهرات قام بها عسكريون احتجاجًا على محاكمة وسجن عدد من رفقائهم المتورطين في جرائم آداب واغتصاب، حيث قاموا بتحرير عدد منهم من السجون، هذه الاحتجاجات تم خلالها الاستيلاء على أسلحة حربية من حاميات عسكرية في عدة مدن ومن بينها واجادوجو.

6- ماذا عن الموقف الدولي؟

دوليًا، عبرت العديد من الأطراف الدولية عن قلقها بشأن ما يحدث في بوركينا فاسو وعلى رأسها فرنسا والاتحاد الأفريقي، والولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكنهم أجمعوا في تصريحاتهم على أهمية عودة الديمقراطية بشكل سريع وترك الحرية للشعب البوركيني في اختيار من يمثله.

يبقى الموقف الفرنسي هو الأهم بصفة فرنسا هي المستعمرة السابقة لبوركينا فاسو وصاحبة اليد الطولى في غرب أفريقيا، حيث يعد كامباوري أحد أبرز حلفائها في المنطقة حيث شاركت بوركينا بدور بارز في التحالف الذي قادته فرنسا للحرب في شمال مالي عام 2012، كما تضطلع بدور بارز في تجمع دول الساحل والصحراء.

وعليه يتوقع أن تقوم فرنسا بدور كبير في عملية الانتقال السياسي المنتظر في بوركينا فاسو وخاصة على صعيد محاولة التوفيق بين قيادات الجيش وقيادات المعارضة في ظل تاريخ متوتر من العلاقة بين الطرفين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد