حادث تفجير سيارة مفخخة صار اعتياديًا في الآونة الأخيرة، ربما المفزع هو عدد الضحايا، مقتل أكثر من 30 جنديًا وإصابة عدد مماثل نتيجة انفجار في كمين بمنطقة كرم القواديس في منطقة الخروبة، قرب مدينة العريش في شمال سيناء، الحادث يفتح من جديد ملف العنف في سيناء طارحًا العديد من الأسئلة في وجه السياسة التي تتبعها السلطة الحالية في هذا الملف.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“ضحايا تفجيرات رفح الثانية”

اقرأ أيضا إنفوجرافيك : العمليات المسلحة والخسائر البشرية فى سيناء منذ ثورة يناير.

ما هو تاريخ العنف في سيناء؟ وكيف نشأت الجماعات المسلحة؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“أحد الحافلات المدمرة في سيناء، فبراير 2014”

(1) لم تظهر الجماعات الإسلامية في سيناء إلا خلال فترة حشد المتطوعين إبان حرب 1948 قبل أن تظهر الصوفية في الخمسينيات، ثم الجماعة الإسلامية في عام 1979 في الجامع العباسي على يد الشيخ صلاح شحادة القائد البارز في كتائب القسام فيما بعد وكان دورها يقتصر على التوعية في مواجهة الاحتلال.

(2) يعتبر توقيع اتفاقية كامب ديفيد نقطة مفصلية في تاريخ مصر بشكل عام وسيناء بشكل خاص، فقد شمل الملحق الأمني للاتفاقية تقسيم المناطق الحدودية بين مصر والكيان الصهيوني إلى 4 مناطق تقع 3 منها داخل الحدود المصرية هي المناطق “أ” و”ب” و”ج”،حيث لا يسمح في المنطقة ج سوى بتواجد قوات الشرطة المدنية إضافة إلى قوات حفظ السلام الدولية، بينما يسمح بتواجد أكثر من 4000 جندي إسرائيلي و180 مركبة في المنطقة “د” المواجهة للمنطقة “ج” على الجانب الصهيوني.

بينما يقتصر التواجد في المنطقة “ب” على 4000 جندي مسلحين بأسلحة خفيفة فقط، الأمر الذي أحدث فراغًا أمنيًا كبيرًا في سيناء استغلته إسرائيل في تنفيذ خروقات متعددة للمعاهدة على الجانب المصري كان أولها في 5 أكتوبر 1985 وهي الحادثة التي تعرف إعلاميًا باسم حادثة “سليمان خاطر” حيث كان الجندي سليمان خاطر يؤدي نوبة حراسته بمنطقة رأس برقة حيث فوجئ بمجموعة من الجنود الإسرائيليين يحاولون تسلق الهضبة التي تقع عليها نقطة حراسته، فأطلق رصاصات تحذيرية ثم أطلق النار عليهم فقتل وأصاب 7 منهم.

(3) عوامل عدة أسهم تفاعلها في ظهور خريطة الجماعات المسلحة الحالية في سيناء والتي تستهدف منشآت الدولة والقوات الحكومية بوصفهم جنودًا للطاغوت، أتى على رأس هذه العوامل النشاط القمعي لجهاز أمن الدولة في سيناء منذ بداية الثمانينيات والتي شملت الاعتقال التعسفي للإسلاميين في سيناء وإرسالهم إلى القاهرة حيث اختلطوا بالجهاديين والتكفيريين في السجون المصرية ليثمر هذا الاختلاط أولى ثماره في صورة “جماعة التوحيد والجهاد” التي أسسها طبيب الأسنان خالد مساعد في نهاية التسعينيات قبل أن تتوسع هذه التنظيمات وتتفرع استجابة للبطش الأمني المتزايد بعد تفجيرات المنتجعات السياسية في جنوب سيناء أعوام 2004 و2005 و2006.

(4) في أغسطس عام 2009 قامت حركة حماس بقصف مسجد ابن تيمية على رؤوس جماعة عبد اللطيف موسى بعد إعلانهم إمارة إسلامية في رفح الفلسطينية، وبسبب الحملة الشرسة التي شنتها الحركة ضد السلفية الجهادية هاجر عدد كبير منهم إلى رفح المصرية والشيخ زويد ليلتحقوا بذلك بنظرائهم في مصر ليعز بذلك نفوذ تيار السلفية الجهادية في سيناء.

(5) ظلت التنظيمات السلفية الجهادية تكفر الدولة “غير الحاكمة بالشرع” ولا تتوسع إلى تكفير جنودها باعتبارهم مغلوبًا على أمرهم – باستثناء تيارات محدودة -، كما ظلت أنشطة هذه الجماعات خاملة بشكل كبير حتى نشوب ثورة 25 يناير حيث بدأت في توجيه عملياتها تجاه خط الغاز المصري المتجه إلى إسرائيل والذي تم تفجيره “13 مرة” كما بدأت بعض هذه الجماعات في استهداف جيش الاحتلال داخل الأراضي الفلسطينية باستخدام بعض الصواريخ البدائية.

(6) وفقًا لدراسة الباحث إسماعيل الإسكندراني بعنوان “الحرب في سيناء: محاربة إرهاب أم تحولات استراتيجية في التعاون والعداء” والتي نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فقد أسفر انقلاب 3 يوليو عن تحول مفاجئ في توجه هذه التيارات نحو استهداف جنود وقوات الجيش بشكل مباشر وصريح وعبر بيانات رسمية وتسجيلات مصورة للعمليات ودخلت في دائرة الضوء جماعات على رأسها أنصار بيت المقدس ومجلس شورى المجاهدين إضافة إلى السلفية الجهادية.

ما هي العملية “نسر”؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“أحد البيوت المدمرة بسبب قصف الجيش في سيناء”

هي حملة عسكرية مصرية في شبه جزيرة سيناء بدأت في 12 أغسطس 2011 وتم الإعلان عنها بواسطة قيادات في الجيش المصري بهدف ملاحقة المسلحين في سيناء في أعقاب قصف قسم شرطة العريش وإعلان تنظيم يدعى “جيش تحرير الإسلام” عن إقامة إمارة إسلامية في سيناء، ولم تأخذ العملية زخمًا إعلاميًا إلا بعد مذبحة رفح الأولى في 5 أغسطس عام 2012 والتي راح ضحيتها 16 جنديًا وضابطًا مصريًا في إطلاق نار قرب معبر كرم أبو سالم، حيث تم تدشين العملية “نسر 2” بعدها قامت مصر بنشر جنود ومعدات مصرية في المنطقة منزوعة السلاح من شبه جزيرة سيناء بعد الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي.


“شهادات بعض أهالي سيناء حول اعتداءات الجيش”

شملت العملية نسر عشرات الهجمات ضد المسلحين في سيناء أسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير منهم، وقد وثقت مصادر صحفية سقوط عدد كبير من المدنيين قتلى برصاص قوات الجيش خلال عمليات استهداف المسلحين – قدرهم المرصد المصري للحقوق والحريات بـ 500 قتيل على الأقل – كما تم تهجير عدد من أهالي رفح والشيخ زويد من قبل قوات الجيش بعد هدم منازلهم واستهدافها بالطائرات والدبابات، كما تم توثيق استهداف بعض المساجد وسقوط قتلى من الأطفال والنساء وإحراق السيارات والعشش، الأمر الذي وصفه العديد من المراقبين بكونه عملية تهجير قسري لأهل سيناء.

ما هي دلالات تعامل الإعلام المصري مع ما يحدث في سيناء؟

المتابع للإعلام المصري يجده محملًا بنبرة من العداء والتحريض ضد أهل سيناء لا تكاد تخطئها أذن، حيث أجمع الإعلاميون والناشطون المعروفون بتأييدهم للسلطة الحالية على الدعوة للضرب بيد من حديد وحث الجيش المصري على تهجيرهم من المنطقة، بدعوى ضرب الإرهاب، والقضاء على الجماعات المتطرفة.

جاء على رأس قائمة هؤلاء المحرضين الناشط الشهير حازم عبد العظيم إضافة إلى الناشطة سارة بدوي والممثل نبيل الحلفاوي الذين دعوا عبر حساباتهم على تويتر إلى إخلاء الشريط الحدودي وفرض قوانين استثنائية وتشديد القبضة الأمنية على الجامعات، أما مواقع الأخبار المصرية فكانت تقود موجة التحريض لدرجة بلغت ادعاء أحد الصحف المصرية أن أهالي سيناء هم من يطالبون الرئيس السيسي بتهجيرهم عن منازلهم لحمايتهم من المسلحين!

برامج التوك شو المصرية كعادتها لم تغفل عن دورها في تأجيج النار، فمن ناحية دعا الإعلامي المعروف محمود سعد إلى مكافحة الإرهاب وصرح متقمصًا دور المفتي “مقاومة الإرهاب أهم من الصلاة لأنه جهاد”، أما الإعلامي أحمد موسى المعروف بقربه من الأجهزة السيادية المصرية فقد طالب بإعلان حالة الحرب والنفير على الإرهاب، واتخاذ إجراءات حاسمة، وقتلهم جميعًا، وعزز موسى دعوته بالمطالبة بتعيين حاكم عسكري لمحافظة سيناء يفرض سيطرته على المنطقة على حد قوله.

من ناحية، كشف عدد من الصحف نقلًا عن مصادر في القوات المسلحة عن الشروع في إقامة منطقة حدودية عازلة على الشريط الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة بعمق يتراوح بين 1.5 إلى 3 كيلومترات بطول 14 كيلو في المثلث بين رفح مارًا بخط الحدود الدولية وحتى العوجة، وشمالًا من غرب العريش مارًا بساحل البحر وحتى خط الحدود الدولية في رفح، وهي المنطقة التي توجد فيها الأنفاق مع غزة، وفقًا لوكالة رويترز.

وكشف المصدر أن السلطات المصرية سوف تشرع في بناء مدينة جديدة للسكان المهجرين على الطراز البدوي مشيرًا إلى أن مصر تعتقد أن المسلحين الذين قاموا بالعملية الأخيرة قد قدموا من خلال الأنفاق في قطاع غزة رغم قيام مصر بتدمير أكثر من 1500 نفق خلال الأشهر الماضية.

تهجير أهل سيناء وإخلاء الشريط الحدودي: من المستفيد؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]
“معبر رفح”

تبدو إسرائيل هي المستفيد الأكبر من انشغال الجماعات المسلحة في سيناء في مواجهاتها مع الجيش المصري، إضافة إلى أنها ربما تضمن تأمينًا لحدودها بمنطقة عازلة يقيمها الجيش المصري قسرًا على حساب المواطنين تبدأ بالشريط الحدودي مع قطاع غزة “14 كم” وفقًا لما أعلنته المصادر العسكرية، وربما تشهد امتدادًا تدريجيًا إلى طول الحدود المصرية مع الأرض المحتلة البالغة “200 كم”.

وسبق أن أعلن محلل الشؤون المخابراتية والاستراتيجية في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، يوسي ميلمان في منتصف يوليو 2013 – وعقب أيام من انقلاب مصر – عن تأسيس الشاباك وحدة خاصة باسم “وحدة سيناء”، يقودها عميد، وتعمل في إطار المنطقة الجنوبية، وتركز عملها في شبه جزيرة سيناء بهدف إحباط ما وصفه بـ “العمليات الإرهابية” التي كانت إسرائيل تتوقع زيادة وتيرتها في أعقاب عزل مرسي.

قيام إسرائيل بتنفيذ عمليات داخل الحدود المصرية هو أمر يدور الجدل حوله منذ عامين بداية من قيام الاستخبارات الإسرائيلية باغتيال القيادي في تنظيم بيت المقدس إبراهيم عويضة بركات “أحد منفذي عملية أم الرشراش” في أغسطس 2012، كما جرى اختطاف وائل أبو ريدة القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أثناء زيارة علاجية لابنه إضافة إلى حادثة استهداف 5 جهاديين في سيناء عبر قذيفة من طائرة إسرائيلية بدون طيار وهو الاختراق الذي أكدته الصحف الإسرائيلية والعالمية دون تعليق من الجانب المصري، كما أكده البيان الصادر عن جماعة أنصار بيت المقدس ينعي خلاله مقاتليه ويتهم الجيش المصري بـ “العمالة” للاحتلال، الأمر الذي يطرح سؤالًا جوهريًا بشأن مقدرة إسرائيل على القيام بعمليات في العمق المصري خاصة مع الاتجاه نحو إخلاء الشريط الحدودي في الوقت الذى تستنزف فيه قوة كل من الجيش المصري والجماعات المسلحة في سيناء في الحرب المتبادلة.

من ناحية أخرى يبدو الجيش المصري مستفيدًا أيضًا من قيامه بنشر قواته في المنطقة “ج” على الشريط الحدودي إضافة إلى السماح بتحليق طائرات مروحية في هذه المنطقة لأول مرة منذ عام 1967 كما يجري تمشيط المنطقة أرضًا وجوًا وهو ما يعد تعديلًا عمليًا للملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد برضا إسرائيلي حيث يبدو أن الطرفين المصري والإسرائيلي يحملان توجهات مشتركة بشأن محاربة الجماعات المسلحة في سيناء.

من ناحية أخرى يبدو أن أهل سيناء المعرضون للتهجير القسري عن ديارهم بغير حقوق، إضافة إلى قطاع غزة، أبرز الخاسرين حيث يخسر الغزيون الشريان الرئيسي لحياتهم في ظل الإغلاق المتكرر لمعبر رفح.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد