قمة «الكالاماتا» الثلاثية، جمعت بين الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، ورئيس وزراء اليونان «أنتونيس ساماراس»، والرئيس القبرص «نيكوس أناستاسيادس» ، دارت مجريات القمة بشكل رئيسي حول ترسيم الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط ، حيث نص إعلان القاهرة الصادر عن القمة على مسكونية “Ecumenicality” تطبيق قانون البحار، بمعنى انطباقه على كل الحالات وهو الاتفاق الذي يعطي اليونان حقاً في شريط مائي يمتد بين مصر وتركيا ويقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر، الأمر الذي وصفه مراقبون بأنه تنازل جديد تقدمه مصر في حقوقها البحرية لأهداف سياسية.

في هذا التقرير نطرح أهم الأسئلة المتعلقة بقضية ترسيم الحدود في البحر المتوسط بما في ذلك احتياطيات الغاز الكبيرة الواقعة في منطقة نزاع بين كل من مصر وقبرص وإسرائيل.

1- ماذا يعني الاعتراف ب«مسكونية» قانون البحار؟ ولماذا ترفض تركيا التوقيع عليه؟؟

قبل أن نلج إلى المضمون يجدر بنا أن نلقي الضوء على مفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة «EZZ» والتي تعرف بكونها المنطقة التي يحق للدولة أن تمارس بشأنها حقوق الاستغلال والتنقيب عن الموارد البحرية ويحددها القانون الدولي بـ«ـ200 ميل بحري» من خط الأساس البري للدولة، وهو الخط الذي يحدد رسمياً الفاصل بين اليابسة والبحر الخارجي، وتودع كل دولة من دول العالم لدى الأمم المتحدة مجموعة إحداثيات نقاط تحدد خط الأساس لتلك الدولة.

تمتد المنطقة البحرية بين كل من تركيا واليونان ومصر وقبرص على شكل خطين متقاطعين، الأول يصل بين مصر وتركيا ، أما الخط الآخر فيصل بين قبرص واليونان، ووفقاً للدكتور نائل الشافعي «المحاضر بمعهد ماساشوستش» ومؤسس موسوعة المعرفة فإن القانون الدولي ينص على أن الدولتين اللتين تتمتعان بمساحة أقصر بينهما يكونان أحق بالحدود المشتركة من الدولتين اللتين تفصلهما مسافة أبعد، في هذه الحالة فإن أقصر مسافة بين مصر وتركيا هي « 274 ميل بحري» ، في حين أن أقصر مسافة بين قبرص واليونان هي «297 ميل بحري» بما يعني أن مصر وتركيا أحق بالحدود المشتركة من قبرص واليونان.

من ناحيتهما ترغب كل من قبرص واليونان في إثبات أحقيتهما بالحدود المشتركة ، وتستند اليونان في ادعاء أحقيتها على قانون البحار الثالث والأخير الصادر عام 1982، والذي ينص على أن أي جزيرة يحق لها منطقة اقتصادية خالصة مثل أي بر آخر، أي بعرض « 200 ميل بحري» وهو ما يرفض العالم تطبيقه على حالات مماثلة ، وفي حال تطبيق هذا القانون على الحالة المصرية اليونانية فإن خط الأساس البري اليوناني سوف يمتد ليتضمن جزيرة «كاستلوريزو» هي الواقعة على بعد 160 ميل بحري من قبرص، وهي مسافة أقصر من المسافة بين تركيا ومصر، وبذلك يحق التلامس الحدودي من حق اليونان مع قبرص، وليس مصر مع تركيا.

جدير بالذكر أن خط الأساس البري اليوناني المعترف به لدى الأمم المتحدة من الجانب الشرقي هو لساحل الشرقي لجزيرة رودس، وبذلك تكون المسافة بين اليونان وقبرص هي المسافة بين جزيرة «رودس» اليونانية ومدينة «بافوس» القبرصية، وتبلغ 275 ميل بحري كما سبق أن أسلفنا، وهو ما تسعى اليونان إلى تجاوزه بمحاولة إقناع مصر بتضمين جزيرة «كاستلوزيرو» كأساس لترسيم حدودها.

2- ما الذي يمكن أن يعنيه دخول «كاستلوزيرو» ضمن أي اتفاق لترسيم الحدود؟؟


يعني دخول جزيرة «كاستلوزيرو» بالتأكيد حرمان تركيا من أي مياه إقليمية أو اقتصادية في هذه المنطقة ، لذا فإن تركيا لم توقع من الأساس على اتفاقية البحار الثالثة وتتمسك بكون المناطق الاقتصادية الكاملة تختص بحدود الدول وحدها وليس الجزر ، يذكر أن العديد من دول العالم ترفض التوقيع على اتفاقية البحار ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل.

يعني هذا الاتفاق أيضا –حال توقيعه- رسمياً أن المياه الإقليمية اليونانية سوف تمتد بين مصر وتركيا بشريط تبلغ مساحته ضعف مساحة دلتا مصر على حد وصف بعض الصحف اليونانية وفي منطقة قد تكون غنية بحقول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط والتي تعد أحد مناجم الثروة الواعدة.

بدوره حذَّر البيان الصادر عن القمة من إجراء أعمال التنقيب في شرق المتوسط ، بدورها تستغل تركيا نفوذها الكبير في شمال قبرص “لا تعترف تركيا بقبرص كدولة مستقلة” ، وتقول تركيا أن أي تفاوض بين قبرص و مصر و إسرائيل على الحدود البحرية هو تفاوض لا يعتد به لأن شمال قبرص غير ممثلة في التفاوض.

هذا وقد قامت تركيا أواخر أكتوبر الماضي ببدأ أعمال تنقيب في ما تعتبره المناطق الاقتصادية لدولة قبرص الشمالية، كما حذرت تركيا أيًا من شركات النفط العالمية من مغبة قبول عقود تنقيب لصالح قبرص في هذه المنطقة، بدورها ردت قبرص بإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا في المنطقة، قبل أن ترد تركيا من خلال تفويض قواتها البحرية بتطبيق قواعد الاشتباك حال واجهت سفنًا حربية يونانية أو إسرائيلية في المناطق التي تسيطر عليها تركيا شرق المتوسط.

3-لماذا قد تُقْدِم الحكومة المصرية على هذا الاتفاق؟؟ ومن هم أبرز المستفيدين منه؟؟

يرى بعض المراقبين أن السلطة العسكرية الحاكمة في مصر ترغب في معاقبة تركيا بسبب مواقفها التي يراها النظام المصري تجاوزاً في حقه وتدخلاً سافراً في شئونه، عبر اتفاق ثلاثي يضم مصر وقبرص واليونان متجاهلاً تركيا حتى وإن جاء ذلك على حساب تنازلات تقدمها مصر في ترسيم حدودها تضمن الالتزام بقوانين قد تضر بالمصلحة المصرية.

تبدو اليونان أكبر المستفيدين من هذا الاتفاق حيث ستحصل بموجبه على شريط حدودي كبير في منطقة غنية بالثروات النفطية، الأمر الذي قد يسهم في تنشيط الاقتصاد اليوناني المتعثر، في ذات السياق، يرى العديد من المحللين أن إسرائيل ربما تكون بدورها أحد أكبر المستفيدين من هذا الاتفاق، ويستدلون على ذلك بكون الكاتب الصهيوني دانييل بايبس هو أول من لفت النظر إلى أهمية دخول كاستلوريزو في خط الأساس اليوناني لتسهيل مرور أنبوب الغاز الإسرائيلي في مياه قبرصية ويونانية بدلاً من مروره في مياه مصرية، وهو ذات الطلب الذي أكدت عليه إليانا روس-لتينن، رئيسة لجنة الشرق الأوسط بالكونجرس الأمريكي بخريف العام الماضي.

4- عودة إلى الماضي، كيف بدأت مشروعات التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط؟ وما قصة الحدود المصرية القبرصية؟

مناطق امتياز نيميد.

(1) في عام 1999 أرست الهيئة العامة للبترول المصرية أكبر امتياز تنقيب بحري (41,500 كم²) تحت اسم نيميد “NEMED” لصالح شركة رويال دتش شل في شمال شرق البحر المتوسط، وذلك بالاشتراك مع پتروناس كاريگالي من ماليزيا والشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي. ويمتد الامتياز شمال الدلتا حتى السفح الجنوبي لجبل «إراتوستينس»، ويقع جبل «إراتوستينس» تحت السيادة المصرية منذ أكثر من مائتي عام قبل الميلاد.

(2) في بداية عام 2001 قدرت شل الاحتياطيات المبدئية في منطقة نيميد بحوالي تريلليون قدم مكعب من الغاز. وبناء على ذلك قامت شل بأول برنامج استكشاف في نيميد وأسفر عن حفرتين جافتين: شروق-1 في 2000 و ليل-1 في 2001.

(3 )وفي فبراير عام 2004، أعلنت شركة شل مصر اكتشاف احتياطيات للغاز الطبيعي في بئرين، أحدهما« La-52»
، على عمق مياه 2,480م ، إضافة إلى بئر «« Kg49-1 K ، وأوضح البيان أن الشركة ستبدأ المرحلة الثانية من عملية الاستكشاف وتستمر أربعة أعوام وتهدف إلى تحويل المشاريع المكتشفة إلى حقول منتجة. وإثر ذلك رفعت شل توقعاتها للاحتياطيات المحتملة نيميد إلى 15 تريليون قدم مكعب من الغاز و 1 بليون برميل من النفط، قبل أن تتوقف عمليات التنقيب لأسباب غير مفهومة حتى عام 2007 حين أخرجت الشركة تصريحات مقتضبة تشير إلى تعطل أعمالها في مصر قبل أن تعلن الشركة في عام 2011 انسحابها تماماً من التنقيب في الأراضي المصرية بدعوى ارتفاع عمق المياه، رغم أن الشركة صاحبة الرقم القياسي أعمق حقل نفطي تحت الماء في العالم وهو حقل پرديدو الأمريكي في خليج المكسيك تحت مياه عمقها 2,400 متر وبدأ تشغيله في 2007 وبالمخافة إلى تصريحات الشركة عام 2004 والتي أبدت خلالها استعدادها للتنقيب على عمق أكثر من 2400 متر كما أوردنا سلفاً.

(4)وقعت مصر أول اتفاقية لترسيم حدودها مع قبرص في عام 2003 في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ترتب عليها اقتسام المياة الإقليمية بين البلدين بالتساوي، ، حيث نصت الاتفاقية على تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الطرفين، على أساس خط المنتصف، الذي تكون كل نقطة على طول امتداده متساوية الأبعاد من أقرب نقطة على خطوط الأساس لكلا الطرفين، وأن يُظهر خط المنتصف الحدود على الخريطة البحرية الدولية الصادرة عن «الأدميرالية البريطانية» برقم 183 ( رأس التين إلى الإسكندرونة ) بمقياس رسم 1: 100000، وأن يتم الاتفاق بين الطرفين – بناء على طلب أي منهما – على إجراء أية تحسينات إضافية لزيادة ودقة توقيع خط المنتصف عند توافر البيانات الأكثر دقة، وذلك استنادًا لذات المبادئ المتبعة.

ونصت الاتفاقية على أنه في حال وجود موارد تمتد بين المنطقة الاقتصادية الخالصة لأحد الأطراف وبين المنطقة الاقتصادية الخالصة للطرف الآخر، يتعاون الطرفان من أجل التوصل إلى اتفاق حول سبل استغلال تلك الموارد، كما جاء في نص المادة الثانية للاتفاقية، كما ألزمت الاتفاقية أيًا من الدولتين بالتشاور مع الدولة الأخرى حال إقدامها على القيام بترسيم حدودها مع دولة ثالثة.

“حدود بحرية غير مستقرة بين مصر وقبرص وإسرائيل”
(5) في عام 2010 وقعت قبرص اتفاقية لترسيم حدودها البحرية مع إسرائيل دون الرجوع إلى مصر بالمخالفة لاتفاق عام 2004، وحصلت مصر بموجب هذا الاتفاق على امتدادات لمياهها الإقليمية بين مصر وقبرص ، الأمر الذي دفع قبرص نفسها للتشكك في التزام الجانب المصري باتفاقية 2003 بعد خطوتها أحادية الجانب، حيث جاء وزير الخارجية اليوناني إلى قبرص للتأكد من التزام مصر باتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص.

(6) في يناير عام 2011، أعلنت قبرص عن اكتشافها لأحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم بمخزون مبدئي تم تقديره بنحو 27 تريليون قدم مكعب بقيمة 120 مليار دولار، فيما يسمى البلوك-12 من امتيازات التنقيب القبرصية، والمعطاة لشركة نوبل إنرجي، وقرر تسميته حقل «أفروديت«.

تداخل بلوك 12 القبرصي مع امتياز نيميد في مصر.

 

ورغم تأكيد وزير البترول المصري وقتها عبد الله غراب، أن «الاكتشافات القبرصية للغاز (حقل أفروديت في جبل إراتوستينس) لا تقع ضمن الحدود البحرية المشتركة». وأنها قريبة للغاية من المنطقة التي كانت تعمل فيها شركة «شل» العالمية وليست متقاطعة معها، إلا أن الخرائط القبرصية تشير إلى وجود حقل أفروديت ضمن امتياز نيميد الذي سبق أن منحته مصر لشركة شل ، الأمر الذي يثير تساؤلات وشبهات عدة حول الدور الذي لعبته شركة شل بالتواطؤ مع مسئولين مصريين في تفويت فرصة الاستفادة من امتيازات التنقيب في منطقة نيميد لصالح قبرص وإسرائيل.

وفي ديسمبر 2013 وقع الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور اتفاقية مريبة فرض منطقة تنقيب بالتنسيق، على طول الحدود المصرية القبرصية، وبعمق 10 كم في المياه المصرية من خط المنتصف؛ وبذلك تم إخراج حقل أفردويت رسميًا إلى الحدود القبرصية كما أن هذا الموقف يعني أن قبرص ستواصل تطوير حقل يُتوقع أن يجلب لها 10 مليار دولار سنويًا، بينما لن يسمح لمصر بالتنقيب في هذا الشريط بعرض 10 كم نظراً للمعارضة المتوقعة لا من قبرص والشركات الدولية العاملة فيها حيث سترى الأمر على أنه انتقاص من مخزونات قبرص.

5- ماذا عن إسرائيل؟

حقل تامار في منطقة نزاع بين لبنان والأرض المحتلة “إسرائيل”.

يعود اهتمام إسرائيل بمنطقة جبل «إراتوستينس» إلى ما قبل ثمانينات القرن الماضي على مستوى الأبحاث والدراسات إلا أن التواجد الإسرائيلي في هذه المنطقة بدأ في عام 2009 حين أعلنت شركة نوبل إنرجي بالاشتراك مع إسرائيل عن اكتشاف حقل تمار للغاز في الحوض المشرقي، في المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية في منطقة نزاع بين لبنان وإسرائيل، قبل أن تعود إسرائيل في عام 2010 ممثلة في شركتي أڤنير ودلك الإسرائيليتيْن بالاشتراك مع نوبل إنرجي لتعلن عن اكتشاف حقل لڤياثان للغاز العملاق في جبل إراتوستينس، باحتياطي 450 بليون متر مكعب.

وكما هو موضح بالخريطة فإن حقلي نافاثان “تحت السيادة الإسرائيلية” وأفروديت “تحت السيادة القبرصية” يقعان على بعد 235 كم من حيفا، بينما يقعان على بعد من 190 كم من دمياط ، أما حقل شمشون – الذي تسيطر عليه إسرائيل- فيقع على بعد 114 كم فقط من دمياط بينما يقع على بعد 237 كم من حيفا، وتبلغ إجمالي الاحتياطيات المقدرة للحقول الثلاثة 26 تريلليون قدم مكعب  بقيمة تتجاوز 240 مليار دولار ، تتوزع بين إسرائيل وقبرص بينما تعاني مصر أزمة طاحنة في مصادر الطاقة وتتجه لاستيراد الغاز من إسرائيل بعد أن كانت إسرائيل تعتمد على مصر في توفير نسبة تفوق 43% من احتياجاتها الغازية.

اقرأ أيضا : لماذا أظلمت مصر فجأة؟أسئلة حول أزمة الغاز وإمبراطورية المخابرات ودور إسرائيل.

ويعتقد المراقبون أن تواطؤاً بينًا قد تم بين كل من قبرص وإسرائيل خلال اتفاق ترسيم الحدود بينهما عام 2010 على حساب مصر يتضمن اقتسام التنقيب عن الغاز في المنطقة بين البلدين حيث لا تتعدى المسافة بين حقل “ليفياثان” الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية وحقل “أفروديت” الواقع تحت السيطرة القبرصية أكثر من 2 كم .

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد