حين يتعلق الأمر بسوريا، تبقى “داعش” من أكثر المسائل إثارة للجدل فى المسألة السورية، فمن ناحية تستغل ممارسة الدولة الإسلامية من قبل النظام لأجل تشويه صورة المعارضة الصورية وتبرير جرائم النظام الأسدي، ومن ناحية أخرى تمثل الدولة الإسلامية عائقا أمام الدول الداعمة للمعارضة السورية حيث يخشى الجميع من زيادة نفوذها.

وحين يتعلق الأمر بداعش فإن مساحات الجدل تفتح على مصراعيها، ولا أحد يستطيع أن يدعي أنه قادر على حسمها، تبقى عوامل الواقع والتاريخ والمنهج والأفكار جميعها مؤثرة، كما لايمكننا أن نفصل الشائعات التي تختلط بشكل كبير بالحقائق فيما يتعلق بالداخل السوري.

1- كيف تأسست الدولة الإسلامية فى العراق؟؟

بداية تعرف الدولة الإسلامية فى العراق نفسها على أنها تنظيم سلفي جهادي يهدف إلى تطبيق الشريعة وإحياء الخلافة الإسلامية، تأسست رسميا فى 15 أكتوبر عام 2006 إثر اجتماع مجموعة من الفصائل المسلحة ضمن معاهدة حلف المطيبين وتم اختيار “أبي عمر” زعيما لها وبعدها تبنت العديد من العمليات النوعية داخل العراق آنذاك، وبعد مقتل أبو عمر البغدادي في يوم الاثنين 19/4/2010 أصبح أبو بكر البغدادي زعيمًا لهذا التنظيم.

بالعودة إلى حلف المطيين، وهوحلف تأسس بقرار مما عرف وقتها بـ”مجلس شورى المجاهدين فى العراق”، وقد تم بين مجلس شورى المجاهدين في العراق و جيش الفاتحين و جند الصحابة وكتائب أنصار التوحيد و السنة، وجاء الحلف كرد فعل عن عدم رضا تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين عن اختيار أبوأيوب المصري خليفة زعيم تنظيم «القاعدة» في العراق أبو مصعب الزرقاوي والمعروف ايضا باسم أبو حمزة المهاجر. ودعا الشيخ ابو أسامة العراقي الذي تصفه مواقع الأصوليين بأنه أحد قادة الجهاد في بلاد الرافدين، زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن في شريط فيديو بث على شبكة الإنترنت الى خلعه من قيادة التنظيم في العراق. وعدد أبو أسامة سقطات أبي أيوب في العراق في الشريط الذي بثته مؤسسة تدعى «كلمة حق» على الإنترنت.

وفى عام 2007 وبعد أشهر قليلة، قام أبو حمزة المهاجر زعيم تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين بمبايعة أبي عمر البغدادي ليندمج بذلك تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مع الدولة الإسلامية تحت اسم الدولة الإسلامية فى العراق.

2- كيف مدت الدولة الإسلامية نشاطها من العراق إلى الشام؟

في إبريل الماضى “2013” أعلن أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، مد نشاطه إلى الشام وإعلان ضمه لجبهة النصرة ليصبح اسمه الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وهو الأمر الذي رفضه أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة، وأعلن تبعيته المباشرة لتنظيم القاعدة الرئيسي بقيادة الظواهري.

وتمتد العلاقة بين الجولاني والبغدادي إلى ما قبل اندلاع الأحداث فى سوريا، حيث سبق للجولاني مبايعة تنظيم البغدادي والقتال تحت إمرته فى العراق قبل أن ينتقل إلى سوريا ويشكل جبهة النصرة بدعم مالي وعسكري من الدولة الإسلامية “كما أقر الجولانى نفسه”، حيث بدا أن البغدادي لا يرى النصرة أكثر من فرع من فروعه أسسها أحد جنوده بدعم منه شخصيا ، لكن يبدو أن الجولاني كان يرى غير ذلك حين رفض إعلان البغدادي -سالف الذكر- وأعلن تبعيته المباشرة للقاعدة وزعيمها أيمن الظواهري.

3- ما موقف تنظيم القاعدة وزعيمه أيمن الظواهري من خلافات البغدادي والجولاني؟؟

في رسالة صوتية مسجلة للظواهري في مايو الماضي طالب البغدادي بحل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، واعتماد الفصل النطاقي؛ بحيث يكون تنظيم الدولة الإسلامية مركزًا في العراق بزعامة البغدادي، بينما يُعتمد نشاط جبهة النصرة في سوريا بقيادة الجولاني، وهو ما رفضه البغدادي بل واتهم الظواهري بارتكاب مخالفات شرعية ومنهجية، قبل أن يعلق البغدادي بقوله “الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية ما دام فينا عرق ينبض أو عين تطرف لن نساوم علىها أو نتنازل عنها حتى يظهرها الله أو نهلك دونه””.

تطور خلاف الجولاني والبغدادي إلى خلاف بين البغدادي والظواهري في أعقاب هجوم أبي إبراهيم الموصلي – القيادي البارز في الدولة الإسلامية – في تسجيل صوتي نشر في “منتدى المنبر الإعلامي الجهادي” في 8 أبريل الحالي بعنوان “رسالة الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى تنظيم قاعدة الجهاد، قولنا الصاعق الحارق إلى المتشنج المارق إلى أيمن الظواهري”.

وتحدث الموصلي قائلاً: “وما الأحداث التي تشهدها ساحة الجهاد في العراق والشام، وما الزوابع العاصفة التي تهز كيان الدولة (الدولة الإسلامية في العراق والشام) إلا من مكر المتسلقين على إنجازات قادة الجهاد المتمكنين المسيطرين، النافخين بكير الفرقة المقيتة من أمثال أبي خالد السوري (القيادي البارز في تنظيم القاعدة الذي قُتِلَ في حلب شمال سوريا) وأعيان الجهاد الورعين من صنيع عصبة المتشيخ أيمن الظواهري وغلو جريرته المتنطعين”.

و يأتي الهجوم الأخير لتنظيم الدولة الإسلامية بزعامة أبو بكر البغدادي على أيمن الظواهري على خلفية تسجيل صوتي نُشر مؤخرًا للظواهري نعى فيه أبا خالد السوري، القيادى الجهادي البارز، وأدان بشدة عملية اغتياله والتي تنسب إلى الدولة الإسلامية.

4- الخلاف إذن تطور من خلاف بين داعش والنصرة إلى الخلاف بين داعش وتنظيم القاعدة، هل هذا الأمر مألوف داخل القاعدة؟؟

يبدو الخلاف مألوفا بشكل كبير بين تنظيم القاعدة وفرعه فى العراق منذ عهد أبى مصعب الزرقاوى ، حتى إن بعض المحللين لا يرون تبعية قاعدة العراق – على مدار تاريخها- لتنظيم القاعدة المركزى أكثر من تبعية اسمية ليس إلا.

ويدور الخلاف حول عدة نقاط رئيسية أولها تتعلق بـ”الاختيارات الجهادية للزرقاوي”، ويقصد بذلك العمليات الجهادية والقتالية التي تخوضها جماعة الزرقاوي، والمسألة المحورية هي ضرورة “التحرز في سفك دماء المسلمين”، وعدم الاستخفاف بقتل المدنيين والعزل والناس الأبرياء تحت ضغط وطأة الصراع مع العدو الأميركي؛ كوضع العبوات المتفجرة والناسفة والعمليات التي تتم في تجمعات عامة كالأسواق والمدن والتى تذهب بأرواح الأبرياء والمدنيين إضافة إلى عمليات الاختطاف والإعدامات الجماعية.

النقطة الثانية تتعلق بتحديد العدو، حيث لا ترى القاعدة الشيعة العدو الأول لها ولا تكفر جماعة الظواهري عموم الشيعة، وتفضل أن توجه عملياتها ناحية القوات الغربية فى البلاد التى تتمركز فيها بعكس جماعة الزرقاوي التي اتخذت موقفا عدائيًا من الشيعة -وصفه البعض بأنه تكفير عملى- ربما أكثر من القوات الأمريكية نفسها بما جعلها تخوض الحرب على الجميع.

وتبدو امتدادات خيارات الزرقاوى حاضرة بقوة فى فكر داعش، فالمواجهات التى تخوضها فى كل من سوريا والعراق تغلب عليها الصبغة الطائفية، كما يبدو أن الدولة الإسلامية لاتزال تتورط بأعمال مشبوهة على شاكلة أعمال جماعة الزرقاوي كاستهداف الأبرياء والمدنيين وتوجيه سلاحها نحو الفصائل المختلفة و عمليات الاختطاف والإعدام الجماعي.

5- لماذا يبدو الخلاف بين كل من داعش وجبهة النصرة واضحا رغم انتماء كل منهما نظريا إلى القاعدة؟؟

على المستوى النظري، تبدو الأسس السابق الإشارة إليها أساسا يمكن البناء عليه لتفسير الخلاف بين جماعة البغدادي وجماعة الجولاني، حيث تتبنى النصرة خيارات أقل تطرفا في موقفها من عموم الشيعة، كما أنها لا تمانع في التعاون مع غيرها من الفصائل التي تصنف بكونها غير إسلامية لأجل إسقاط نظام الأسد، كما لا يبدو أن النصرة تتورط في أعمال عنف مباشر ضد المدنيين كما يفعل مقاتلو الدولة.

تبدو فكرة الدولة أساسًا نظريًا آخر للخلاف، فجماعة البغدادي تتعامل فعليا على أساس كونها دولة، فتعلن الإمارات وتطبق الحدود والأحكام -وفقا لرؤيتها- بين ترى جماعة الجولاني نفسها كفصيل مجاهد مقاوم وبالتالي فإنها ليست مخولة بفرض رؤيتها على غيرها من الفصائل، فضلا عن تطبيق أحكامها على المدنيين السوريين.

يكمن الفارق بين التنظيمين في قربهم من الواقع السوري ومراعاتهم لهذه الخصوصية، فالنصرة قامت مع المرحلة الأولى من الأزمة السورية في نهاية العام 2011، واكتسبت خبرة و دراية بواقع المجتمع السوري الذي يعيش في كنف دولة علمانية، و عليه تخرج جبهة النصرة الى العلن بخيارات أكثر واقعية من تلك التي تنتهجها داعش في علاقتها مع المجتمع السوري، خاصة و أن داعش حديثة الدخول على الأزمة السورية، ولم تنتهج مسارًا لتكون مقبولة، بل فرضت بالقوة نفوذها و القبول بها في المناطق المسيطر عليها من قبلها.

أسست النصرة من زعماء سوريين بينهم من كان معتقلا في السجون السورية واستفاد من العفو العام”على رأسهم الجولاني” ، وبينهم من كان يمارس الدعوة سرًا في سوريا قبيل اندلاع الأزمة، وآخرين كانوا منضمين تحت لواء القاعدة و قاتلو في بلدان أخرى كالعراق و أفغانستان و الشيشان وعادوا مع بداية الأزمة في سوريا للقتال فيها، كما هو حال أمير جبهة النصرة أبو محمد الفاتح “الجولاني” وهو جامعي سوري الأصل قاتل في العراق والشيشان وبلدان أخرى سوري الأصل، مع وجود عدد لا بأس به من الأجانب في صفوفها. أما من ناحية داعش فهي تعتمد بشكل كبير على العنصر الأجنبي المقاتل الذي يغلب عدديًا على العنصر السوري إن كان في مواقع القيادة أو بين المقاتلين، وهذا ما قد يفسرمراعاة النصرة لخصوصيات المجتمع السوري، بينما لا تقر الدولة بمبدأ أن كل من شارك في الثورة له الحق في تقرير مستقبل سوريا، وترى أن الدولة قائمة فعلا من خلالها.

فى أواخر مارس الماضي، أعلن أبو محمد الجولاني مبادرة لتوحيد داعش والنصرة في فصيل واحد، يقوم بموجبها هو والبغدادي بالتنازل عن موقعيهما على أن يتم اختيار قائد جديد للتنظيم الموحد، ويبدو أن المبادرة لم تلق قبولا لدى البغدادي حيث لم يصدر ردا واضحا بشأنها .

6- ماذا عن علاقة الدولة “داعش” بالجيش الحر؟؟

تتبنى داعش رؤية تكفيرية تنعكس بشكل واضح على خياراتها، ففى يناير الماضى أصدرت الدولة بيانًا صريحًا قامت خلاله بتكفير عناصر الجيش الحر وتوعدتها بنقل جنودها فى العراق إلى سوريا، وقد دارت بين الطرفين معارك طويلة مع جميع الكتائب التابعة للحر المنتشرة على الأراضي القريبة من مناطق نفوذ داعش أو التي تقع على الخط الذي رسمته داعش لدولتها. وفي حين اتهمت داعش الجيش الحر بالارتداد عن الدين الإسلامي وتعاملهم مع النظام السوري، واتخذتها ذريعة لمهاجمة الحر وضرب كتائبه، تتحدث تقارير عن أهداف مادية خلف الصراع الذي يدور بين داعش و الحر، خاصة حول النفط و المعابر الحدودية، و هذا ما بدا جليًا في أماكن الصراع الذى دار بينهما خلال شهري ديسمبر ويناير السابقين.
ومنذ أن أعلنت داعش حملتها العسكرية على الجيش الحر بعنوان “نفي الخبيث” تستهدف “عملاء النظام، ومن قام بالاعتداء السافر على الدولة الإسلامية في العراق والشام” ، خاضت معارك عديدة مع الجيش الحر ساهمت خلالها في إضعاف هذا الجيش حيث استهدفت معظم كتائبه، حيث قامت في وقت سابق باعتقال سرية تابعة لـ«كتائب الفاروق» في مدينة حلب بسبب مشكلة قديمة عند معركة معبر تل أبيض. كما قامت داعش في وقت سابق أيضًا بإرسال سيارة مفخخة إلى مقر جماعة “أحفاد الرسول” في منطقة سكة القطار في الرقة، وقتل ما يقارب 40 عنصرًا من “أحفاد الرسول”. كما قامت “داعش” بتفجير سيارة في مركز تابع «للواء الله اكبر» في منطقة البوكمال وأدت الى مقتل شقيق قائد اللواء.

7- لحساب من تعمل داعش؟؟ ومن الذى يدعمها؟

يعد هذا السؤال أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل، فسياسات الدولة الإسلامية تجعل الجميع يتبرأ من دعمها بما في ذلك دول الخليج الداعمة للمعارضة السورية، بينما يرى العديد من المتابعين أن داعش لم تضف جديدا يذكر على مستوى المواجهات مع النظام السوري وأنها منذ قررت أن تعمل في أرض الشام وسلاحها موجه لمعارضى الأسد أكثر مما هو موجه لجيوش النظام ذاتها، الأمر الذى جعل فصائل المعارضة السورية تتهم داعش بالعمل لصالح نظام الأسد خاصة مع عدم استهداف القصف الأسدي المتواصل لمقراتها بشكل ثابت.

في فبراير الماضى نشرت جريدة التليجراف البريطانية تقريرًا عن تلقي بعض فصائل المعارضة دعمًا من جهات موالية للأسد لأجل استمرار القتال داخل سوريا، وهو أمر لم يثبت بالقطع إلى الآن بينما تشير الشواهد إلى احتمال أن تكون بعض الفصائل موظفة بالفعل لهذا الغرض – ربما عبر اختراق – فقوات النظام تحقق مكاسب فعلية على الأرض وتستعيد مناطق نفوذها من جديد منذ بدء القتال بين داعش والجيش الحر فى يناير الماضي.

مؤخرا نشرت جريدة التايمز البريطانية تقريرا يشير إلى نجاح الرئيس السورى بشار الأسد فى اختراق تنظيم الدولة الإسلامية عير السماح بمرور مقاتلين شيعة للقتال بين صفوفها.

وكشف تقرير سوري رسمي سربته إحدى جماعات المعارضة على موقعها يقول إن الأمن قام بتزويد مقاتلين شيعة من العراق بأوراق ثبوتية شخصية مزورة لتمكينهم من الانضمام إلى داعش، بحسب الصحيفة.

وتدعي الوثيقة التي كتبت عن اللواء علي مملوك، مسؤول أمني كبير، ووقعها العقيد حيدر حيدر، رئيس اللجنة الأمنية في بلدة نبل في حلب، أن حوالي 2500 مقاتل عراقي شيعي سينضمون إلى داعش.

وأضافت الوثيقة أن هناك 150 عراقي شيعي مدربون جيدا قد انضموا إلى التنظيم بالإضافة إلى 600 آخرين ذوي اختصاصات مختلفة، ويقول عمر أبو ليلى، المتحدث باسم الجيش الحر والذي شارك في نشر العديد من وثائق النظام المسربة “لا شك لدي بصحة هذه الوثائق .. وقد تم الحصول عليها من مكاتب النظام وأخذنا الأمر سنتين ونصف للحصول عليها”.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد