دخلت مصر منذ زهاء 3 أعوام في أزمة كهرباء تشتد وطأتها عامًا بعد عام خاصة في فصل الصيف؛ نظرًا للتزايد السنوي في معدلات استهلاك الكهرباء من تناقص إمدادات الوقود اللازم لتشغيل المحطات وبخاصة الغاز الطبيعي، ومع دخول شهر رمضان الكريم وتزايد معدلات استهلاك الكهرباء إلى نحو ما يزيد عن 28 جيجاوات في ساعة الذروة، وهو ما يستلزم تشغيل المحطات بكامل كفاءتها، وبالتالي توفير كميات من الوقود “الغاز” تبدو الدولة المصرية عاجزة عن تلبيتها.

1- كم يبلغ إنتاج مصرالسنوي من الغاز ؟

المتر المكعب يساوى 35 قدمًا مكعبًا تقريبًا.

بالرجوع خطوة إلى الوراء وبالتحديد إلى عامي 2012 و2013، فإن إنتاج مصر من الغاز بلغ 2.2 تريلليون قدم مكعب سنويًا، قامت مصر بتصدير 0.4 تريلليون قدم منها في عام 2011 قبل أن تخفض إجمالي صادراتها إلى 0.2 تريلليون قدم فقط في 2012، وختامًا أوقفت مصر تصدير الغاز نهائيًا في عام 2013.

يمكننا اتخاذ ثبات كمية إنتاج الغاز في مصر بين عامي 2012 و2013 كمؤشر على بدء تراجعه في ٢٠١٣ وما بعدها؛ بسبب عزوف شركات البترول نظرًا لأجواء عدم الاستقرار السياسي، بينما في المتوسط ينقص إنتاج الآبار التي لا يتم صيانتها بمعدل ١٠٪ كل عام، بما يعني أن إنتاج مصر المتوقع من الغاز الطبيعي عام 2014 لن يزيد عن 1.8 تريليون قدم مكعب، وهو ما لا يكفي سوى لتوليد 19 جيجاوات من الكهرباء.

على صعيد الاستهلاك، في عام ٢٠١١ بلغ الاستهلاك المحلي من الغاز ١,٨ تريليون قدم مكعب، ولكنه بلغ في عام ٢٠١٢ حوالي ٢ تريليون قدم مكعب بزيادة تقريبية مقدارها 10% رغم ثبات الإنتاج في العامين، وبتطبيق نفس معدلات الزيادة السنوية في الاستهلاك “10%” فإن مصر ستكون بحاجة بين 2.4 إلى 2.6 تريليون قدم مكعب من أجل تغطية الاستهلاك المحلي، بينما ليس في إمكان مصر توفير أكثر من 1.8 تريلليون قدم مكعب كحد أقصى؛ مما يعنى عجز مقداره 30% في معدلات توليد الكهرباء في ساعات الذروة، وهو عجز مرشح للزيادة بشكل ملحوظ سنويًا مع تناقص كميات الغاز وزيادة استهلاك الكهرباء.

2- السؤال الأهم، كيف تحولت مصر فجأة من دولة مصدرة للغاز إلى “الأردن – لبنان – إسرائيل” إلى دولة عاجزة عن توفير احتياجاتها منه؟

حسنًا، الأمر هنا يتعلق بتوسع الحكومة في تصدير الغاز منذ عام 2004 بما لا يتناسب مع الطاقة الإنتاجية، وبعقود طويلة الأجل دون النظر إلى التزايد المضطرد في استهلاك الكهرباء المحلي وبالتبعية الحاجة إلى الغاز، وأهم هذه الصفقات وأكثرها تاثيرًا وجدلاً هي تصدير الغاز إلى إسرائيل.

تم توقيع الاتفاقية في 30 يونيو عام 2005 بين وزير البترول المصري سامح فهمي ممثلاً عن الحكومة المصرية وبنيامين بن ال عاذر وزير الإنشاءات الإسرائيلي آنذاك، وتقضي الاتفاقية بتقديم مصر ما لا يقل عن 1.7 مليار متر مكعب “حوالي 60 مليار قدم مكعب” لمدة 15 عامًا بسعر يتراوح بين 70 سنتًا و1.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما تبلغ سعر تكلفتها 2.7 دولار على الأقل، بينما يتراوح السعر العالمي بين 8-12 دولارًا.

إضافة إلى ذلك حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات من عام 2005 وحتى عام 2008.

3– إذن كيف تم توقيع هذه الصفقة المشبوهة؟

قبل أن نتعرض إلى أهم التفاصيل المتعلقة بصفقة منح الغاز المصري إلى إسرائيل، يجدر بنا أن نمر سريعًا على تاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية في مجال الطاقة.

يمكننا أن نؤرخ لبداية هذه العلاقة بعام 1967 حين احتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء، وفي هذا التوقيت كانت إسرائيل تؤمن ثلثي احتياجاتها من النفط والغاز من الأراضي التي احتلتها وبخاصة من سيناء – لم يتم تعويض مصر عن النفط والغاز المسروقين أثناء فترة احتلال إسرائيل لسيناء- ومع نهاية الحرب وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ألزمت الاتفاقية مصر ببيع النفط من سيناء إلى إسرايل بالسعر العالمي كما تكفلت الولايات المتحدة بالاحتياجات النفطية الإسرائيلية لمدة 5 أعوام.

جاء عام 1994 ليؤرخ لأول استثمار إسرائيلي مباشر داخل الأراضي المصرية في مجال الطاقة بمبلغ يتعدى مليار وربع المليار دولار، وذلك في تأسيس شركة مصفاة نفط الشرق الأوسط “Midor” التي تأسست بشراكة ضابط المخابرات – ورجل الأعمال فيما بعد- حسين سالم بينما رأس مجلس إدارتها سامح فهمي – ربيب حسين سالم- الذي صار فيما بعد وزيرًا للبترول، وكان دخول حسين سالم رسميًا إلى مجال الطاقة أحد المؤشرات لسيطرة دولة المخابرات على هذه الصناعة الحيوية في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد.

4- ما حقيقة دور حسين سالم وشركة EMG في إهدار حقوق الغاز المصري؟

تأسست شركة شرق المتوسط للغاز EMG عام 2000 برأس مال سوقي لا يتجاوز 200 مليون دولار، قبل أن ترتفع قيمتها فجأة إلى 2 مليار دولار بمجرد إعلان تعاقدها على شراء الغاز المصري، وقبل أن تبيع قطرة غاز واحدة، ويقتضي التعاقد بين EMG والحكومة المصرية أن تقوم الحكومة المصرية بتوريد الغاز إلى EMG المملوكة لحسين سالم بالمشاركة مع ضابط سابق في الموساد الإسرائيلي يدعى يوسي ميمون بمبلغ 1.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وتم رفعها إلى 3 دولارات فيما بعد على أن تبيع الشركة الغاز إلى شركة الغاز الإسرائيلية بمبلغ 4 دولارات، وتستفيد بفارق السعر الذي يذهب في جيوب حسين سالم وشركاه.

ويقدر إجمالي خسائر مصر في صفقة تصدير الغاز إلى إسرائيل بحوالي 1.8 مليار دولار فقط في الفترة بين عامي 2008-2010، بينما يقدر إجمالى الخسائر التي تكبدتها مصر عبر عمليات شركة EMG لإسرائيل وسائر البلدان الأخرى بأكثر من 11 مليار دولار، في حين جنى سالم مكاسب مادية تقدر بـ 4 – 5 مليار دولار على أقل تقدير، حيث أعلن حسين سالم خروجه من شركة شرق البحر
الأبيض المتوسط للغاز، وبيع حصته إلى شركة «أي جي أي» الأمريكية وصاحبها
سام زيل وشركة «بي تي تي» التايلاندية بمبلغ تجاوز 4.4 مليار دولار.

5- هل انتهت قضية تصدير الغاز و دور EMG عند هذا الحد؟

الجواب للأسف لا، فبعد قيام الثورة المصرية نجح حسين سالم في تهريب أمواله والهرب إلى أوروبا، بينما استمرت EMG في تصدير الغاز إلى إسرائيل، ومع تكرر تفجيرات خط الغاز “العريش- عسقلان” المملوك للشركة، ومع تزايد احتياجات مصر من الغاز اضطرت مصر لإيقاف تصدير الغاز عام 2012 تحت دعوى عدم القيام الشركة بسداد مستحقات الهيئة العامة للبترول، وهو ما يعتبر إخلالاً من الهيئة بتعاقدها مع EMG، الأمر الذي لم يسكت عليه يوسي ميمون – شريك سالم السابق- الذي قام برفع 4 قضايا تحكيم دولي ضد مصر يطالبها فيها بسداد مبلغ 8 مليارات دولار، وهي مقدار الأرباح التي كان ينتظر أن تحققها الشركة خلال السنوات المتبقية في التعاقد “8 سنوات”.

الأمر لا يقتصر فقط على EMG فمع العبء الذي شكلته صفقات الشركة على حمولة الطاقة في مصر، عجزت مصر عن الوفاء بالتزاماتها في تصدير الغاز مع الشركات الكبرى، وأبرزها شركة Union Fevosa وهي شركة متعددة الجنسيات، والتي يقع مقرها الرئيسي في إسبانيا وتدين مصر بمبلغ 6 مليار دولار، ويبلغ إجمالي المبالغ المستحقة التي ربما تكون مصر ملزمة بسدادها نتيجة عدم الوفاء بتعهداتها في مجال الطاقة بأكثر من 20 مليار دولار.

6- ماذا عن حقول غاز البحر المتوسط وحقوق مصر فيها؟

تبدأ الحكاية مع عام 2003 عند ترسيم المناطق الاقتصادية بين مصر وقبرص في البحر المتوسط، وهو الترسيم المثير للجدل بطبعه؛ حيث إن أيًّا من البلدين لم ترسم حدودها الشرقية مع إسرائيل، وفي أعقاب توقيع الاتفاقية تعاقدت مصر مع شركة شل العالمية للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، والتي أعلنت في فبراير عام 2004 عن اكتشافها لبئرين بتقدير 15 تريليون قدم مكعب من الغاز ومليار برميل من النفط.

وكما هو موضح بالخريطة فإن حقلي نافاثان “تحت السيادة الإسرائيلية” وأفروديت “تحت السيادة القبرصية” يقعان على بعد 235 كم من حيفا، بينما يقعان على بعد من 190 كم من دمياط ، أما حقل شمشون – الذي تسيطر عليه إسرائيل- فيقع على بعد 114 كم فقط من دمياط بينما يقع على بعد 237 كم من حيفا.

و في عام 2011 وبشكل مفاجئ قررت شركة شل انسحابها من مناطق التنقيب في جبل إيراتوستينس، والمتقاطع تمامًا مع حقل أفردوديت التي أعلنت قبرص اكتشافها له بعد انسحاب شل بأقل من شهرين باحتياطي تتجاوز قيمته 120 مليار دولار، وكانت إسرائيل قد أعلنت في عام 2010 عن اكتشافها لحقل ليفاثان بين مصر وقبرص – رسمت إسرائيل حدودها المائية بغرابة بين مصر وقبرص- بعد أقل من عام على استيلائها على حقل تامار اللبناني في عام 2009.

وفي ديسمبر 2013 وقع الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور اتفاقية مريبة فرض منطقة تنقيب بالتنسيق، على طول الحدود المصرية القبرصية، وبعمق 10 كم في المياه المصرية من خط المنتصف؛ وبذلك تم إخراج حقل أفردويت رسميًا إلى الحدود القبرصية كما أن هذا الموقف يعني أن قبرص ستواصل تطوير حقل يُتوقع أن يجلب لها 10 مليار دولار سنويًا، بينما مصر لن يسمح لها بالتنقيب في هذا الشريط بعرض 10 كم لأن ذلك ستراه قبرص والشركات الدولية العاملة فيها على أنه انتقاص من مخزونات قبرص.

7- ما الذي يعنيه الوضع الحالي؟

ببساطة ومع إغفال السلطات السياسية المصرية حقوق المصريين في المطالبة بترسيم حدود عادلة، ومع عدم وجود شركات تنقب على الجانب المصري فإن مصر تفقد تدرجيًا حقوقها في أكبر مناطق احتياطي الغاز في العالم بينما تغتصب إسرائيل من مصر ولبنان احتياطي غازي يقدر بـ 26 تريلليون قدم مكعب وبأكثر من 240 مليار دولار، مما يعني أن إسرائيل صارت على خريطة الدول المصدرة للغاز بينما تتجه مصر لاستيراد الغاز من إسرائيل.

8- هل يمكن أن تستورد مصر فعليًا الغاز من إسرائيل؟

استيراد الغاز من إسرائيل قد يكون أحد الخيارات المتاحة أمام مصر في ظل توتر علاقة مصر مع قطر أكبر مصدري الغاز في المنطقة، الأمر لا يتطلب أكثر من عكس اتجاه المضخات على خط أنابيب العريش – عسقلان الذي تملكه شركة EMG التي ربما تكون مع موعد لمزيد من الابتزاز للاقتصاد المصري، ورغم أن العملية مكلفة إلا أنها بالتأكيد ستكون أقل تكلفة من إنشاء خطوط جديدة.

بل إن مصر أصدرت بعض القرارات التي يمكن تفسيرها في إطار التمهيد لهذه الخطوة، أهمها ما نشرته رويترز في يناير 2014 عن قرار الحكومة المصرية منح الشركات العاملة في مجال الطاقة في مصر صلاحية شراء النفط والغاز من أي جهة دون الرجوع للحكومة المصرية.

الخيارات الأخرى لمصر على المدى القصير تشمل تأجير مرفأ لاستيراد الغاز، في حين تمتلك مصر خطين لتصدير الغاز الطبيعي، لا يوجد لديها أي خطوط لاستيراد الغاز، ولهذا قامت الحكومة بعمل مناقصة لتأجير مرفأ استيراد للغاز الطبيعي المسال في أكتوبر 2013. وقد فازت بالمناقصة في يناير 2014 شركة هوغ النيرويجية، ولكن الشركة رفضت العرض ﻷنها شكّت في قدرة الحكومة على دفع 250 مليون دولار، ويقول الكاتب إن هناك عدة وحدات أخرى قد تؤجرها الحكومة، ولكن حتى لو وقعت الحكومة الاتفاقية مع أحد الشركات فسوف تحتاج إلى عام لتدخل حيز التنفيذ.

تشمل الحلول طويلة المدى زيادة إنتاج مصر من الغاز حيث يقدر الاحتياطي المصري بأكثر من 70 تريلليون قدم مكعب ويحتاج الأمر إلى قدرة على اجتذاب الشركات العالمية، وهو أمر يتعلق بمناخ الاستثمار في البلاد.

9- ما الذي يمكن أن تستفيده إسرائيل من تصدير الغاز إلى مصر؟


بالإضافة إلى الثمن؛ حيث إن إسرائيل لن تقبل تمرير غازها إلى مصر بأقل من السعر العالمي، فإن تصدير الغاز إلى مصر سيضمن لإسرائيل التغلغل في أحد أكثر مرافق الاقتصاد المصري حيوية، والاستفادة الأهم تكمن في قدرة إسرائيل على الاستفادة من معملي تسييل النفط في مصر في دمياط “معمل سيجاس” وإدكو “معمل مصر للغاز المسال” حيث سيكون بإمكان إسرائيل حال إتمام الاتفاق القيام بتسييل غازها في مصر ونقله عبر الصوامع من خلال قناة السويس إلى دول آسيا دون الحاجة لتحمل تكلفة وعبء مد الأنابيب.

الأمر له مقدماته أيضًا فقد نشرت وسائل إعلام عالمية في منتصف مايو الماضي أنباء عن قيام سفينة التنقيب العملاقة كاسترونا مباشرة نشاط داخل المياه الإقليمية المصرية، وتحديدًا في كفر الشيخ “إدكو” الأمر الذي تكهن البعض أنه بداية فعلية لعمليات تسييل الغاز الإسرائيلي في مصر بقيمة يتوقع أن تتجاوز 20 مليار دولار سنويًا سيكون نصيب مصر منها 20%.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد