أثارت الأحداث الأخيرة في اليمن تساؤلات عدّة حول الصراع والفاعل الأكبر فيه.

الحوثيون، من هم الحوثيون؟ وما طبيعة صراعهم مع السلطة الحاكمة؟ كيف بدأ وإلام وصل؟ وما حقيقة علاقتهم بإيران؟

 

  • من هم الحوثيون؟

لمعرفة من هم الحوثيون ينبغي علينا الرجوع إلى بداية الحركة “كفكرة” قبل أن تصير تنظيمًا مسلحًا، أو حركة سياسية كما تُعرَف اليوم، وفي حقيقة الأمر أن بداية الحركة لم تكن نواة لمشروع سياسي أو حزبي، إنما “اتحاد شباب” أنشئ عام 1986 على يد صلاح أحمد فليتة، والذي كان من مدرسيه مجد الدين المؤيدي وبدر الدين الحوثي.
جاءت المدرسة كمشروع ديني لتدريس الطائفة الزيدية للشباب، والطائفة الزيدية هي إحدى طوائف الشيعة، معظم أتباعها يتواجدون في اليمن، ويشكلون نسبة 30-40% من تعداد المواطنين في محافظات صعدة وصنعاء وعمران وذمار والجوف وحجة، فيما يشكل السنة الشافعية حوالي 60-70% من السكان.

إذن بدأت الحركة في اليمن كمؤسسة تعليمية دينية للطائفة الزيدية، ثم تطورت تدريجيًّا حتى وصلت إلى ما وصلت عليه اليوم؛ ففي عام 1990، وبعد الوحدة اليمنية، بدأ الاتحاد يبلور مشروعًا سياسيًّا بدأ من حزب الحق، وذلك بعد فتح المجال أمام التعددية السياسية، ثم في عام 1992 أسس محمد بدر الدين الحوثي منتدى الشباب المؤمن كمنتدى للأنشطة الثقافية، وتطورت المنتدى هو الآخر وتحوّل إلى حركة سياسية عام 1997، باسم “تنظيم الشباب المؤمن” على يد حسين بدر الدين الحوثي.

الشيخ بدر الدين الحوثي مع ابنيه حسين ويحيى

في عام 2004، ظهرت حركة الحوثيين فعليًّا في أول مواجهة لها مع الحكومة، وهو ما جعل البعض يعتبر أن البداية الحقيقية لجماعة الحوثيين كانت في هذا العام، وأطلق عليها اسم “حركة الحوثية”، وهو الاسم الذي أطلقته السلطات عليها، وتسمّى الحركة أيضًا بحركة أنصار الله.

جاءت المواجهة مع النظام كنقطة محورية في تاريخ الحوثية، حيث توسعت الحركة، وازداد نفوذها، وتبنت من النهج العسكري نهجًا رئيسًا لها عن النهج الديني الثقافي، فخاضت الحروب الداخلية في اليمن، والخارجية مع دول مثل السعودية، وكلها جاءت في نطاق “الدفاع عن النفس” كما بررت الحركة تلك المواجهات.

 

  • هل ساهم التوجه العقائدي للحركة الحوثية كحركة شيعية في توطيد العلاقة مع إيران؟ وتحقيق أهدافها في اليمن؟

قبل الحديث عن علاقة الحركة الحوثية بإيران، ينبغي الحديث ها هنا عن الطائفة الزيدية كمذهب للحركة الحوثية.

يرى محللون أن نهج حركة الحوثية الحالي يتعارض مع المذهب الزيدي؛ فالمذهب الزيدي يعتبر الأقرب إلى أهل السنة، ومن أكثر المذاهب الشيعية اعتدالاً، حيث يتعمد أتباع المذهب على كتب أهل السنة الحديثية، وقد وصل الأمر إلى اتهام الحوثية بأنهم قد تخلّوا عن المذهب الزيدي على حساب الاثني عشرية، إلا أن الحوثيين قد نفوا ذلك بالرغم من تأكيدهم أنهم يتفقون مع الاثني عشرية في بعض المسائل.
يرجع المحللون سبب هذا إلى علاقة الحركة الحوثية بإيران، ودعم إيران لها.

منذ عام 2002، اتخذت الحوثية شعارًا لها في المساجد “الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”، يرددونه بعد كل صلاة، وهو شبيه بالشعارات الرنّانة التي كانت تطلقها إيران، الموت لأمريكا، الشيطان الأكبر، الموت لإسرائيل، والتي خفت صداها اليوم بعد تغير في السياسات الخارجية الإيرانية.

أما بالنسبة لإيران، فوفقًا لمراقبين الحركة الحوثية هي ذراع إيران في اليمن ودول الخليج، وربما تكون الشوكة في حلق جارة اليمن المملكة العربية السعودية، وتحرّكات الحركة الأخيرة، وتأثرهم بالاثني عشرية، ومشروعاتها التوسعية هي دليل على ذلك.

مظاهرة للحوثيين يظهر فيها الشعار

 

يذكر ها هنا أن هذا الشعار وترديده بعد كل صلاة قد لاقى اعتراضًا ما من بعض علماء الزيدية غير المنتمين للحركة الحوثية، وكان اعتراضهم أنه من غير المناسب ترديد الشعار بشكل دائم في بيوت الله.
أما بالنسبة للسلطة الحاكمة فلم تكن منزعجة في البداية من الشعار، إلا أن البعض يرى أن هذا الشعار ذاته الذي لم تنزعج منه السلطات الحاكمة كان بداية مواجهتها مع السلطة الحاكمة.

 

  • ولماذا كانت المواجهة مع السلطة الحاكمة؟

من أهم الأسباب التي أدت لتطور حركة الحوثيين إلى صورتها السياسية العسكرية الحالية هو الصراع مع السلطة الحاكمة، فالحوثيون يرون أنهم طائفة مهمشة في اليمن، تقوم السلطات الحاكمة بالتضييق عليها، ومنعها من حقوقها وحريتها الدينية.

بناءً على ذلك كان لحركة الحوثيين بصورتها التنظيمية مطالب واضحة للسلطة الحاكمة منها: أن يكون المذهب الزيدي مذهبًا رئيسًا في اليمن، ضمان حق الزيديين في الالتحاق بالجامعات والكليات الشرعية، إلا أن السلطة الحاكمة كانت تقابل مثل هذه المطالب بالرفض وباتهام الزيديين أنهم يسعون لإقامة دولة دينية تتفق مع مذهبهم الشيعي، وإعادة الإمامة الزيدية التي كانت في اليمن قبل ذلك، مستعينة بخطاب مظلومية آل البيت، وحقهم في الإمامة، وتحقيق ذلك – بالنسبة لهم- هو جهاد في سبيل الله.

من جانب آخر حاولت الحركة أن تثبت أنها حركة ذات عدّة أذرع، فهي حركة سياسية اجتماعية، لها مشروعها الخاص، وتلجأ للقوة العسكرية إن اضطرت لذلك للدفاع عن نفسها، ولتحقيق أهدافها، لكن ما خفي وراء “تحقيق الأهداف” كان أعظم، فالمقصد ها هنا كان التوسَع والانتشار وإعادة الحكم الإمامي بالسيطرة على اليمن.

يذكر ها هنا أن الحوثيين لم يكن لديهم اعتراض على النظام الجهموري، ودولة المؤسسات، حتى في سعيهم لإعادة الحكم الإمامي، وفي إحدى تصريحات لحسين الحوثي قال فيه: “إنه لو خرج الإمام زيد بن علي من غير مجلس النواب المنتخب ما قبلنا به”.
إذن كان مشروعًا متصالحًا مع نظام الدولة، وربما يتوافق هذا مع سعيهم الدؤوب للموافقة الرسمية على حزب سياسي مدني، لكن في رأي البعض معنى هذا أن تهمة السعي لإعادة حكم الإمامية هي تهمة باطلة من تهم النظام الحاكم، بالرغم من أنها لا تنفي وجود مساعٍ للوصول إلى السلطة لدى الحوثيين.

استمرت الصراعات بين الحوثيين والحكومة، فضلاً عن الحملات الإعلامية التي شنتها السلطات ضد الحوثيين، مثل الاتهامات التي وجهتها لبدر الدين الحوثي بأنه مدّعٍ للنبوة، وعميل لإيران، تابع للاثني عشرية.
ست حروب متتالية بين الطرفين، أحدها في 2004 وانتهت بمقتل حسين بدر الدين الحوثي، والثانية في 2005 قُتِل فيها والده بدر الدين الحوثي.

 

  • ماذا عن الربيع العربي؟ وموقف الحوثيين من الاحتجاجات الشبابية في اليمن عام 2011؟

لم يكن هناك أي مانع للحوثيين من المشاركة في الاحتجاجات ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وإعلان دعمهم لهم، فكيف يمكن ألا تشارك حركة من أكبر حركات المعارضة للنظام الحاكم في الثورة ضده؟

بل يمكن القول أن الحركة استطاعت أن تستغل الثورة في تعزيز وجودها على الأرض، والتأكيد على مطالبها بالدولة المدنية، وكسر حالة الانعزال عن بقية الحركات غير الفاعلة والفاعلة في اليمن.

إلا أن الأمر قد اختلف بعد أن برز وجود كل من حزب الإصلاح “الإخوان المسلمون”، وأبناء الشيخ الأحمر، وإعلان اللواء علي محسن قائد الفرقة الأولى المدرعة – الذي يعتبرونه المسؤول الأول عن الهجمات ضدهم- في صفوف المعارضة.
فكانت المخاوف من سيطرة القوى الأخرى على النظام الحاكم بعد رحيل علي عبد الله صالح، وبالرغم من مشاركة الحوثيين في مؤتمر الحوار الوطني، إلا أنهم أعلنوا رفضهم لمخرجات المؤتمر، التي كان من ضمن نصوصها نزع السلاح من الجماعات المسلحة جميعًا، ومن بينها هم أنفسهم، وكان سبب رفضهم المُعلن لها أنها تمثل خيانة لدماء الشهداء، ولم تحقق أهداف الثورة.

ثم كانت الحركات والتوسعات العسكرية من الحوثيين في عدة محافظات، والتي كانت بمثابة مصدر القلق الأكبر لدى المعارضة والنظام الحاكم برئاسة عبد ربه منصور هادي، فهي تمثل تهديدًا صريحًا لمخرجات المؤتمر الوطني، والأمل بـ “اليمن الجديد”.

بدأت هذه التوسعات من صعدة في بداية الثورة، ثم مدينة عمران، وانتهت بصنعاء.

 

  • ما هي المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين من بداية الحركات العسكرية التوسعية وحتى اليوم؟

المصدر: BBC

صعدة:

سيطر الحوثيون على صعدة في الأيام الأولى من الثورة، وأقاموا فيها ما يشبه الحكم الذاتي، وخنقوا الحصار على السلفيين في دماج وأخرجوهم منها بمقتضى اتفاق صلح أقرته الدولة، ثم أعلنوا السيطرة الكاملة على صعدة، فيما وصل الأمر إلى تغيير المقررات في المدارس الحكمية.

 

الجوف:

اتجهت أنظار الحوثيين بعد ذلك إلى الجوف، وقاموا ببعض المواجهات مع الجيش اليمني الذي تدعمه اللجان الشعبية، حاول الحوثيون السيطرة على الجوف، لأنها تضم مخرزونًا كبيرًا من الطاقة، فضلاً عن رغبيتهم في الحصول على مدينة بحرية والسيطرة على مينائها.
جاء ذلك بعد التقسيم الفيدرالي الجديد لليمن إلى 6 أقاليم كمخرج من مخرجات الحوار الوطني، والذي رفضه الحوثيون أيضًا لما رأوا فيه من ظلم لهم، ولرغبتهم في الحصول على مدينة بحرية.

 

عمران:

في يوليو 2014، أعلن الحوثيون سيطرتهم على عمران، فيما يمكن القول أن السيطرة على عمران هي ما أشعل فتيل الصراع في المواجهات مع السلطات الحاكمة، واستمرت بعدها سلسلة من التوسعات والصراعات المستمرة.
واجهوا في عمران بني الأحمر، ووفقًا لمتابعين فإنهم قد تحالفوا مع اتباع الرئيس السابق علي عبد الله صالح لمواجهتهم.

يتواجد الحوثيون أيضًا في مناطق حجة، والمحويت، وإب، وتعز، وذمار، وإقليم آزال الذي تشكل بعد إعلان اليمن دولة فيدرالية.

 

استطاع الحوثيون بهذه الصراعات أن يفتحوا جبهات مواجهة مع أكثر من طرف وفاعل رئيس في المشهد، فضلاً عن السلفيين وبني آل الأحمر، بعد أن وصلوا إلى مسقط رأسهم في حوث والخمري ودمروا منازلهم هنالك، كان هناك مواجهات أخرى مع حزب الإصلاح “الإخوان المسلون” والقبائل الموالية له، ودمروا عددًا من المنازل، ومراكز تحفيظ القرآن المحسوبة على الحزب.

 

صنعاء:

في 21 سبتمبر من هذا العام، أي منذ أيام، أعلن الحوثيون سيطرتهم على العاصمة صنعاء، وقاموا بالاستيلاء على مقرات الحكومة، ووزارة الدفاع، والقيادة العامة للجيش، ومقر البنك المركزي، فضلاً عن إذاعة صنعاء، والتليفزيون الرسمي، ووزارتي الإعلام والصحة.

على أثر ذلك كان هناك عدّة تصريحات ومحاولات للمصالحة انتهت باتفاق بوقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، فيما رفض الحوثيون توقيع الاتفاق، وتستمر المعارك حتى اليوم، فيما ظهرت القاعدة بدور كبير في معادلة أطراف الصراع اليوم، حيث قامت بمواجهة الحوثيين.

 

 

  • مع رفض الحوثيين التوقيع على اتفاق المصالحة، وقيامهم بفتح جبهات جديدة وصراعات لا تنتهي.. كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟

     

مع تسارع الأحداث وتطورها المستمر لا يمكن معرفة ذلك، كما لا يمكن الجزم بحقيقة أهداف أطراف الصراع مع تعددهم، ووجود أكثر من فاعل استراتيجي في المشهد، وإن كانت الأسباب التي دفعت الحوثيين لخوض هذه الحرب ليست إلا محاولة لبسط سيطرتهم على الأرض، وإثبات أنهم القوة الفاعلة الأكبر، ومنها إحكام السيطرة على معظم البلاد، فلا ينبغي أن نغض الطرف ها هنا عن الأسباب الخارجية، والحالة السياسية الإقليمية في سوريا، والعراق، وإعلان الحرب ضد داعش، وموقف دول الخليج من الثورات والثورات المضادة، والنفوذ الإيراني، ومشروعها التوسعي.

ربما سيزداد المشهد تعقيدًا محطمًا كل الطموحات بتحقيق أهداف الثورة وبناء “يمن جديد”، وربمّا سيكون للفاعلين الأكبر في مشهد الصراع رأيًا آخر.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد