لم تتوقف حدّة الصراعات بعد في العراق، بل زادت، لم يخفت الصراع، بل اشتد، وما زال الموقف في العراق معقدًّا حتى على المراقبين والمحللين.

ساسة بوست حاولت الاقتراب من الصراع عن كثب، بسؤال مصادرنا في العراق عن أهم الأسئلة الخاصة بالصراع وأطرافه وأسبابه، والتي قد تساعد في فهم المشهد.

 

تتضارب الأقوال حول حجم القوى المقاتلة على الأرض وتأثيرها، وخصوصًا داعش ما بين مضخّم لتأثيرها أومهمل له، فما حقيقة الأمر؟ وهل ثمّة تحالف أيديولوجي سنّي بين داعش والعشائر؟

 

داعش فصيل من عدّة فصائل وجيوش وثوار ومجالس عسكرية أخرى، ولا يمكن اعتبارها صاحبة التأثير الأكبر والوحيد على الأرض، لكن الخطاب الإعلامي استطاع أن يصدّر الرأي القائل بأن راية داعش هي الراية الوحيدة على الأرض.

وبالرغم من أن الشعب العراقي بجميع طوائفه وقومياته يعتبر داعش تنظيمًا إرهابيًا، وخاصة بعد ما رأى من جرائم التنظيم في سوريا، إلا أن داعش استغلّت ملكتها الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي، ونفوذها الإلكتروني الكبير، من خلال بيانات وخطابات مؤثرة، استطاعت فيها استغلال أخطاء الحكومة تجاه المحافظات السنيّة، واستلهام القلوب المضطهدة المسلوبة حقوقهم من العراقيين السنّة والمناهضين لحكومة وسياسات المالكي الطائفية، وخاصة بعد مجزرة الحويجة، ومجزرة جامع سارية في ديالي، وقتل المتظاهرين في الموصل، وإحراق ساحة العزّة والكرامة في الأنبار.

 

أمّا عن التحالف بين داعش والعشائر، فثمة تحالف ضمني وليس أيديولوجي قائم على المقاتلة من أجل هدف واحد، لكن إيمان العشائر بالخيار السلمي والحكومة العادلة التي تبتعد عن التمييز الطائفي، وإيمانها بقوتها وسلاحها ورجالها على الأرض، يجعلها تعرف جيدًا أنه لا يمكن الإيمان بأفكار داعش أو الانصياع لها.

ساعد في ذلك تاريخ العراق في مواجهة القاعدة عام 2007م، بعد أن عجزت القوات الأميريكية والحكومة العراقية عن مواجهتهم، وهو ما يجعل العشائر وأغلب العراقيين يرون أنّه من الصعب على داعش أن يكون لها وجود وتأثير في العراق كما هو في سوريا.

 

لماذا كان انسحاب الجيش العراقي بهذا الشكل؟ وهل يمكن اعتبار الاتهامات التي وُجهّت له بالعمالة، أو بأن الانسحاب كان متعمدًا صحيحة؟

تأسس الجيش العراقي الحالي على أيدي قوات الاحتلال الأميركي، والتي من الصعب أن تشكل جيشًا ذا عقيدة قتالية صلبة يمكن أن يهددها مستقبلاً، فعُرِف الجيش العراقي بضعفه وفشل قياداته، وهذا ما أكد عليه الرئيس باراك أوباما في خطابه الأخير عن الأحداث في العراق.

 

تمكنت القوى المسلحة من مهاجمة المقرات العسكرية معتمدة على ساعة صفر واحدة، وبقوة قتالية كبيرة لا يمكن إنكارها، فالقوات المهاجمة لها خبرة وباع طويل في حرب الشوارع، مما منحهم القدرة على خوض حرب استنزافية طويلة المدى، على عكس القوات النظامية، وهو ما يجعلنا نُرجح أن استسلام الجيش بهذا الشكل وانهيار أغلب المعسكرات واستيلاء المسلحين عليها دون أي مقاومة تُذكر، كان لضعف الجيش، فضلاً عن فشل قياداته وهروبهم إلى إقليم كردستان العراق، أمثال قائد القوات البرية الفريق أول الركن علي غيدان، ونائب رئيس أركان الجيش العراقي الركن عبود فنبر، واللواء الركن مهدي الغراوي قائد الشرطة الاتحادية، وهو ما أدى لهروب الجنود الذين لا يستطيعون القتال دون أوامر وقيادات وخطط عسكرية.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يفشل فيها الجيش، ففي الأنبار لم يستطع الجيش السيطرة على مدينة الفلوجة، والتي يحاصرها منذ شهور، وأجزاء كبيرة من الرمادي، ومراكز محافظة الأنبار، وهو ما يؤكد ضعف الجيش، وعدم قدرته على مواجهة الفصائل المقاتلة.

يُذكر أن أحداث الأنبار تختلف عن الموصل حيث إن الأنبار بدأت بانتفاضة في غياب تام للجيش، فقط الشرطة المحلية من أهل الأنبار، ولم يتدخل الجيش إلا بعد انهيار الشرطة.

 

ماذا عن النفط في المحافظات التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة؟ من يسيطر عليه؟ وهل يمكن أن يحدث اقتتال بين داعش والعشائر من أجل السيطرة على النفط؟

قامت الفصائل المسلحة بالسيطرة على أهم معامل البترول في العراق، وهو مصفى بيجي في محافظة صلاح الدين، والذي ينتج 300 ألف برميل يوميًا، أي ما يعادل إنتاج سوريا من النفط كليًا.

والذين يسيطرون على النفط الآن في المحافظات التي خرجت عن سيطرة قوات المالكي، هم كافة الفصائل المسلحة، وليست داعش وحدها، مما يصعب الأمر على داعش أن تفرض سيطرتها على النفط، لأنها لا تمتلك جميع زمام الأمور، فلا يمكنها بيع النفط أو تهريبه.

 

ماذا عن فرص التدخل العسكري الإيراني أو الأميركي في العراق؟

بالنسبة للولايات المتحدة، فقد أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه: “إذا كانت القوات العراقية لا تريد أن تدافع عن مواقعها .. فدافع الضرائب الأمريكي غير مستعد للدفاع عنهم”، واستبعدت هيلاري كلينتون في مقابلة تليفزيونية أجرتها مع محطة BBC التدخل العسكري الأمريكي في العراق، وحمّلت المالكي مسؤولية الانهيار الأمني في العراق لكونه المسيطر الوحيد على كافة المؤسسات الأمنية، كما استبعد الأمين العام لحلف الناتو التدخل في العراق.

فيما يرى محللون أن أمريكا قد أعطت الضوء الأخضر لإيران بالتدخل العلني.

 

أمّا إيران، قد نقلت بعض الصحف ووسائل الإعلام عن تدخلها العسكري والعلني، وخاصة بعد أن أعلن روحاني تعهده بمحاربة الإرهاب في العراق، فيما أفادت الـ CNN وجود وحدات قتالية من الحرس الثوري الإيراني في العراق، وقالت صحيفة الجارديان البريطانية أن إيران أرسلت 2000 عنصر من قواتها الخاصة في سامراء، وأفادت تقارير أخرى أن إيران تنوي إرسال المزيد من قواتها لدعم المالكي.

يُعتبر الحاكم الفعلي للعراق هو السفير الإيراني في بغداد، أمّا الحرس الثوري الإيراني فهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في إدارة شؤون العراق منذ عام 2003م، لإيران اليد الطولى في العراق، وقد اعترف بذلك الجنرال جون كيسي القائد العام للقوات الأمريكية من قبل، حينما قال أن إيران هي من فجرت مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، وهو ما أدى لاندلاع الفتنة بين السنة والشيعة.

على الصعيد الأمني، تمتلك إيران قاعدة كبيرة ذات نفوذ في العراق، وعلى الصعيد الاقتصادي تعتمد إيران على نفط العراق بصورة كبيرة، ولولاه لما صمدت أمام العقوبات الأمنية المفروضة عليها دوليًا في أزمة النووي، ولما تمكنت من دعم النظام السوري.

يلمس العراقيون التدخل الإيراني في العراق بكل تفاصيله، بداية من كونها تحتل العراق فعليًا منذ عام 2003 إلى التدخل العسكري الرسمي في الأزمة الأخيرة.

 

ما هو موقف الشيعة في العراق باختلاف فصائلهم من الأحداث الأخيرة؟

اتحد الجانب الشيعي في العراق على الصعيدين السياسي والشعبي بصورة غير مسبوقة، فقد أطلق المرجع الشيعي الأعلى علي السياستاني فتوى دعا فيها العراقيين إلى “حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين”.
وبحسب مصادر موثوقة فقد انسحبت كتائب أبي الفضل العباس وميليشيات أهل الحق من سوريا متجهة إلى بغداد، لحماية النظام العراقي بعد أن دافعوا عن النظام السوري لأكثر من سنتين.
كما دعا رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عمّار الحكيم، إلى التطوع للقتال ضد من وصفهم بـ “الإرهابيين”، وأعلن أنه “سيكون أول المتطوعين” لقتالهم.
أمّا مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري أعلن رسميًا تشكيل قوة شعبية باسم “سرايا السلام” لحماية المقدسات بالتنسيق مع الجهات الحكومية، كما أعلن إلغاء تجميد جيش المهدي الذي خاض الحرب الطائفية في العراق، والتي حصدت مئات الآلاف من العراقيين.

على المستوى الشيعي الشعبي، ففي بغداد والمدن الوسطى والجنوبية كانت تظاهرات تطالب الجهات الأمنية بالتدخل ضد “داعش”، وفتحت العشرات من مراكز التطوع أبوابها لأبناء الشيعة للقتال ضد داعش.

إذن.. هل يستغل المالكي الموقف لبسط سيطرته وحسم الخلافات على البيت الشيعي؟

المواقف السياسية لأركان البيت الشيعي تختلف عن المواقف الميدانية، فالسياسيون الشيعة باختلاف توجهاتهم وتسمياتهم قد اتفقوا جميعًا على محاربة المسلحين، إلا أنهم لم يتفقوا على أن يمثلهم المالكي في رئاسة الحكم أو رئاسة البيت الشيعي الممثل بالتحالف الوطني العراقي، وهو ما برز من قبل الأزمة في موقف البيت الشيعي من الانتخابات، وبعد فرط عقد التحالف، خاصة بعد إقصاء المالكي لهم، وتفردّه بقرارات ديكتاتورية في الوقت الذي منحه البيت الشيعي ثقته في ولايتين سابقتين ولمدة ثماني سنوات.

كما لم ينس بعض الشيعة دور المالكي في تأزم الوضع، واشتعال فتيل الصراع، لا سيما أن ما حدث قد جاء بعد نتائج الانتخابات، والتي ثبت فيها التزوير بنسبة 90%، وعدم نزاهة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، بما أدى لتدهور الوضع الأمني في عموم العراق، وليس في الموصل وتكريت والأنبار وديالي فقط.
فبعد فوز المالكي أصبح الشارع العراقي بشقيه الشيعي والسني يائس من التغيير، ولم يجد أمامه سوى المسار المسلّح.

 

وما هو موقف الأكراد من الصراع الجاري؟

هم الأكراد الوحيد هو الحفاظ على مصالح وأمن إقليم كردستان العراق ذي الحكم الذاتي، خاصة أن المدن التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة وخرجت عن سيطرة قوات الأمن العراقي مثل الموصل وكركوك وديالي، هي مناطق متنازع عليها، حيث تتواجد قوات حرس الإقليم، البيشمركة، منذ عام 2003م، لحماية الأكراد المتواجدين في المنطقة.

كما أن الخلافات بين الإقليم والحكومة خاصة على مسألة النفط، وتصدير الإقليم للنفط دوليًا، تجعل من الصعب على مسعود البارزاني، رئيس الإقليم أن يتفق مع المالكي، فقد قطع المالكي مرتبات موظفي الإقليم منذ أربعة أشهر، وهو ما لا يتوافق مع الدستور.

كما أن البارزاني لا يبالي بأي ضعوط عليه لأنه يعتبر أن من حقه تصدير النفط، والذي بدأ من شهر تقريبًا عبر الأراضي التركية.

 

ثمة تشككات حول الاختراق المخابرتي لداعش، أو كونها صناعة إيرانية أو سعودية .. فما هي مصادر تمويل داعش؟

من الصعب معرفة الأرقام والمصادر الحقيقة لتمويل داعش، لكن ما هو معروف أن مصادر تمويل داعش في العراق هي الغنائم التي يحصلونها من المعارك، وقد استولت داعش على أكتر من 200 مليون دولار أمريكي من المصارف الحكومية في الموصل، كما استولت على سلاح جيش المالكي بعد السيطرة على مخازن كبيرة للسلاح في مطار الموصل.

وفي سوريا، يعرف التنظيم بموارده المالية الكبيرة، إما من تبرعات تأتيه من شبكات منظمة من دول عديدة، أو من خلال سيطرته على النفط في سوريا في معظم المنطقة الشرقية في الرقة والحسكة ودير الزور، وعلى قطاع الزارعة، فاستولى على صوامع الحبوب في الحسكة، حيث يتحكم بإدراة المننتجات الزراعية واستثمارها، فضلاً عن الفديات المالية من اعتقال سوريين وأجانب، والإفراج عنهم بعد أخد الفدية.

 

نحو أي اتجاه يميل الصراع على الأرض؟ هل يحقق العراق التوقعات ويتجه نحو التقسيم؟ أم ستهدأ حدّة الصراع قريبًا؟

يتجه الوضع في العراق نحو التأزم، وثمّة بوادر للحرب الأهلية، لا سيما بعد ما أعلنت داعش نيتها دخول العاصمة بغداد والمحافظتين كربلاء والنجف، مع الاستنفار الشيعي لمواجهة المسلحين ولقتل داعش، فيما اعتبرت هيئة علماء المسلمين بقيادة حارث الضاري أن دعوات داعش بدخول النجف وكربلاء أمر مرفوض.
وهو ما يؤكد حدس التوقعات باتجاه العراق نحو التقسيم، ونهاية حدود ساسيكس بيكو، بتقسيم طائفي جديد، وهو ما يراهن عليه جو بايدن نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
يرى الخبير في مركز “الدرسات الاستراتيجية والدولية” أنطوني كوردسمان أن الأزمة في العراق ستزعزع أمن المنطقة بأسرها، وأن السيناريو السوري سيتكرر في العراق المقبل –على حسب قوله- على التقسيم أو الحرب الأهلية.

يُذكر أن فكرة تقسيم العراق ليست جديدة على العقل الأمريكي، فقد تناولها بعض الساسة والباحثين منذ سنين، فقد دعا وزير الخارجية الأسبق والمفكر الاستراتيجي هنري كيسنجر في 2006 إلى تقسيم العراق إلى ثلاث كيانات، كردية في الشمال، وسنيّة في الوسط، وشيعية في الجنوب.

وهو ما أشارت إليه صحيفة الغارديات البريطانية في تقرير لها بعنوان “لماذا يجب فصل المناطق الشيعية عن المناطق السنية؟”، قالت فيه بن اقتراح تقسيم العراق طائفيًا هو اقتراح قديم، وأن تجربة الحكم الذاتي قد أثبتت نجاحها في إقليم كردستان.
كما أن فكرة المطالبة بإقليم سنّي مستقل تلقى قبولاً في الأوساط السنيّة، وهو ما رفضه المالكي، خشية من تقليل القبضة المركزية على العراق.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد