شهد الصراع في مدينة عين العرب (كوباني)، والواقعة شمال غرب سوريا على الحدود السورية التركية، تطورات لافتة للنظر بدخول قوات البشمركة الكردية من الجهة الغربية للمدينة من منطقة تل شعير؛ لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بعد أن سمحت لها تركيا بالمرور عبر حدودها.

فما الذي دفع قوات البشمركة إلى التدخل؟ ولماذا سمحت لها تركيا بالمرور؟ وما موقف المعارضة السورية والنظام السوري من هذا التدخل؟ ماذا عن الولايات المتحدة ودورها الحالي في صراع عين العرب؟

1- لماذا تدخلت قوات البشمركة في عين العرب (كوباني)؟

قوات البشمركة أثناء مرورهم من الأراضي التركية، وترحيب الأكراد بهم

 

جاءت تصريحات كردستان الرسمية تصف التدخل العسكري في عين العرب بـ “الضرورة” لأمن إقليم كردستان وللأكراد؛ وذلك “لاعتبارات قومية وإنسانية استثنائية لمنع تكرار ما حدث للإيزيديين على يد مسحلي داعش”.
وقد قام رئيس الإقليم مسعود برزاني بإرسال قوات البشمركة بعد تفويض من البرلمان الذي وافق على ذلك بموجب قوانين محلية تسمح بإرسال قوات عسكرية إلى خارج البلاد إذا استدعى الأمر ذلك، أو في حال طلب المساعدة.

تعتبر قوات البشمركة من أهم القوات العسكرية التي تواجه تنظيم داعش في العراق، والتي تقاتل ضمن قوات التحالف الدولي التي تشكلت لمواجهة التنظيم، وقد توجهت البشمركة لعين العرب كـ “قوة إسناد”، وذلك بعد مفاوضات مع قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذين أبلغوا حاجتهم لقوات البشمركة ليس من أجل القتال، إنما كقوة دعم، إلا أن إقليم كردستان قد أكد أن هذا الأمر قد يتغير في حال تغيرت الظروف، وتوفرت الموافقة اللازمة، فقد نرسل المزيد من القوات.

جاء تدخل قوات البشمركة في معركة عين العرب بدعم كبير من كل من الولايات المتحدة وتركيا، وأكّد على ذلك برزاني في تصريح له بأن: “لولا موافقة ومساعدة تركيا، ودعم الولايات المتحدة الأميركية؛ لما كان من الممكن أن تذهب قوات البشمركة إلى كوباني”.

يرى محللون أن من الأسباب التي دفعت قوات البشمركة للمشاركة في صراع عين العرب، بعض التطلعات الذاتية أبرزها استرضاء الولايات المتحدة ومحاولة الحصول على مكافأة أمريكية، بالإضافة إلى الحفاظ على وحدة واستقلال إقليم كردستان وحمايته من توغل تنظيم الدولة إلى أراضيه وثرواته النفطية.

من جهة أخرى، ظهرت بعض الأصوات الكردية التي ترفض هذا التدخل، وتعتبره “خطأ جسيمًا”، وإن لم يكن إلا لتنفيذ سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حتى لا يتدخل في عين العرب، ويفوّض قوات البشمركة للتدخل بدلاً منه، فيما يرى سياسيون عراقيون أن هذا التدخل يعتبر “استهانة بالدولة العراقية”، فكردستان جزء لا يتدخل من العراق ولا يحق للإقليم أن يتخذ قرارات استراتيجية مثل التدخل العسكري في كوباني بغير الرجوع إلى الحكومة العراقية.

 

2- رفضت تركيا الإذعان للضغوط الدولية للتدخل العسكري في عين العرب، واعتبرت حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) جماعة إرهابية؟ فلماذا غيرت موقفها؟ ولماذا سمحت بدخول قوات البشمركة عبر أراضيها؟

لتركيا مصالحها وتطلعاتها الخاصة التي تعمل على تحقيقها، وتقف أمام أي ضغوط تعمل على تهديد هذه المصالح.
من بداية الصراع في عين العرب تعاملت تركيا مع الأزمة على أكثر من مستوى، المستوى الإنساني في استقبال النازحين، والمستوى الأمني بعد أن صارت حدودها معرضة للخطر، بعد أن صارت في تماس مباشر مع دولة الخلافة، إلا أنها رفضت التدخل العسكري رفضًا تامًا، ودفعت بمشروع إقامة منطقة عازلة في شمال سوريا لتأمين مساحة خارجة عن سيطرة النظام السوري وتنظيم داعش، يمكن أن يلجأ إليها النازحون السوريون من أعمال العنف، ويمكن لمقاتلي المعارضة أن يجمعوا فيها قواتهم.

المصدر: The Guardian

جاءت تصريحات الحكومة التركية تجاه أزمة كوباتي تؤكد موقف تركيا من عدم إرسال قوات عسكرية إلى عين العرب، رافضة الضغوط الدولية عليها، مشيرة إلى أنه إن لم ترسل قوات التحالف الدولي قوات برية، فلن ترسل تركيا جنودها هي الأخرى هناك، إلا أنه وعلى الجانب الآخر كانت تصريحات مؤكدة أن أن تركيا ستسعى بكل ما يمكن لعدم سقوط مدينة عين العرب في يد داعش.

وقد تعرضت تركيا للعديد من الضغوط الدولية للتدخل العسكري في عين العرب، والضغوط المحلية من الأكراد في تركيا، فقد انطلقت الاحتجاجات الكردية الغاضبة في البلاد، مطالبة الحكومة التركية بالتدخل لإنقاذ أكراد عين العرب، هذا فضلاً عن تهديدات عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، بأن سقوط كوباني يعني نهاية السلام الكردي مع الحكومة التركية.

في وقت سابق، قام رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)، والذي يقود الصراع في عين العرب، وهو نفسه الذي وصفه أردوغان بالحزب الإرهابي، بزيارة أنقرة لطلب المساعدة التركية، إلا أن تركيا قد اشترطت ثلاثة شروط كانت حائلاً أمام هذا التعاون، وهي: فك العلاقة مع النظام السوري والعمل على إسقاطه، والانضمام إلى الجيش السوري الحر والائتلاف الوطني السوري، والتخلي عن مشروع الإدارة الذاتية التي أعلنها الحزب قبل أكثر من سنة.

إلا أنه وبعد ذلك، وعدت تركيا بإرسال مقاتلين من الجيش الحر لمساعدة وحدات الشعب الكردي، ووافقت على مرور قوات البشمركة والسماح لها بالتدخل في عين العرب.

يرى محللون أن التغير في موقف تركيا يرجع إلى الضغوط التي تعرضت لها، والتي بدورها دفعتها إلى خيار المشاركة غير المباشرة، وفي نفس الوقت سيقوم بتعزيز دورها الدولي في الأزمة، ويقوم بحفظ مصالحها، ومجابهة التهديدات والمخاطر التي تعرضت لها من هذه الأزمة.

 

3- ماذا عن المعارضة السورية؟ وما موقفها من تدخل قوات البشمركة في عين العرب؟

تشير تصريحات حزب الاتحاد الديمقراطي أن هناك اتفاقية سابقة مع الجيش الحر ومع أكراد سوريا للقتال في عين العرب، إلا أنه جاءت بعض التصريحات من قياديين عسكريين في المجلس العسكري الثوري في حلب التابع للجيش الحر تنفي إرسال مقاتلين لمقاتلة تنظيم داعش في عين العرب، مؤكدة أن المعارضة تركز على جبهات المعارك في حلب.

إلا أنه في بيان لقيادات الجيش الحر في حلب جاء فيه دعوة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة دعم مقاتلي الجيش الحر المتوجهين إلى عين العرب، وحمل البيان توقيع كل من جيش الإسلام، وفيلق الشام، وجبهة ثوار سوريا، والفيلق الخامس، وحركة حم، وجيش المجاهدين.

لا يعتبر موقف الجيش الحر من التدخل في عين العرب وحده هو الغامض ها هُنا، فإضافة إلى تعارض التصريحات، وإشارة بعض المصادر لرفض فصائل من الجيش الحر للقتال تحت غمرة الأتراك، والعمل مع الأكراد، جاءت التصريحات الرسمية رافضة تدخل البشمركة في عين العرب، وهو ما ظهر في تصريح العقيد رياض الأسعد على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، وصف فيه التدخل بـ”انتهاك سافر لسيادة الجمهورية العربية السورية والشعب السوري وضرب وحدة أرضها”.

[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=” https://twitter.com/riyadhalasaad/status/528476279348408320  ” ]

 

4- ما موقف النظام السوري من التطورات الأخيرة في أحداث عين العرب وتدخل قوات البشمركة والجيش الحر؟

يرى النظام السوري أن تدخل قوات البشمركة هو تدخل سافر من تركيا في الشأن السوري، وفي بيان لقوات الخارجية السورية أشارت فيه أن تركيا خرقت الحدود السورية وسمحت لقوات أجنبية وعناصر إرهابية بدخول سوريا.

وقالت في بيان لها صادر عن وزارة الخارجية أن تركيا “كشفت عن نواياها العدوانية ضد وحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية بمحاولة استغلالها لصمود أهلنا في عين العرب لتمرير مخططاتها التوسعية من خلال إدخالها عناصر إرهابية تأتمر بأمرها، وسعيها لإقامة منطقة عازلة على الأراضي السورية”.

في هذا الصدد ينبغي الإشارة إلى أن النظام السوري كان يعتبر من أكبر المستفيدين من الأحداث الأخيرة في كوباني، بحكم غياب الوجود العسكري لقوات النظام عن الصراع الجاري في عين العرب، لم يكن معنيًا بالأمر، فضلاً عن الاهتمام الكبير الذي حظت به كوباني، وجذبت إليها الأنظار، فانشغل العالم عما يحدث في سوريا وجرائم النظام فيها، وهو ما سنح لقوات النظام أن تحقق انتصارات في هذه الفترة في بعض المناطق.
هذا فضلاً عن الاتهام التي تتعرض له الأحزاب الكردية المقاتلة في عين العرب بتواطئها مع نظام الأسد، وهو ما يجعل البعض يراها حليفة له.

 

5- وما موقف الولايات المتحدة من قوات البشمركة؟ ولماذا سمحت لها بالتدخل؟

المعركة في عين العرب

 

وفقًا لمحللين، إذا أرادت الولايات المتحدة أن تخوض حرب برية دون أن تدخل مباشرة في عين العرب يمكنها الاعتماد على أربع قوى عسكرية أساسية، الجيش العراقي النظامي بعد تأهيله، والمعارضة السورية المعتدلة، وبعض الفصائل الكردية السورية، وقوات البشمركة، إلا أن البعض كان يرى أن البشمركة هي صاحبة الحظ الأوفر في هذا الدور.

فإضافة لما يُرى من تطلعات البشمركة من التدخل العسكري في عين العرب، باسترضاء الحليف الأميركي وحصول كردستان العراق على مكافآت وعطايا أميركية، بعد مساعدته في التدخلات العسكرية في المنطقة، ومشاركته في التحالف الدولي، تعتبر البشمركة حليفًا للولايات المتحدة منذ اتفاقية واشنطن عام 1998. حيث نشرت الولايات المتحدة قوات خاصة من وكالة الاستخبارات المركزية “CIA“، ومنذ ذلك الوقت عُرفت قوات البشمركة بكونها حليفًا للولايات المتحدّة، وتولت أمن المنطقة الكردية بأكلمها في شمال العراق.

بالرغم من ذلك، يوصف موقف الولايات المتحدة من القضية الكردية بـ “الغموض والتناقض”، فأمام تحالفها مع أكراد العراق، تجاهلت أكراد تركيا وسوريا وإيران، بل وضعت حزب العمال الكردستاني ذا النفوذ الكبير في تركيا على لائحة الإرهاب.
واليوم، تغيرت سياسة الولايات المتحدة تجاه حزب العمال الكردستاني وحليفه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، وتنامت العلاقات الأميريكية مع الأخير.

في أزمة عين العرب ظهر الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا، حين أعلنت الأخيرة أنها غير مستعدة لتقديم خدمات مجانية استراتيجية أميركية، ورفضت التوقيع على البيان الختامي في مؤتمر جدة، فيما تهربت الولايات المتحدة من الشروط التركية للمشاركة في التحالف الدولي، ورأت أن موقف تركيا ما هو إلا شكل من أشكال الابتزاز السياسي، وقامت بدورها بالضغط على تركيا للتدخل العسكري.

هذا جعل محللين يرون أن معركة كوباني قد نقلت السجال الأميركي– التركي إلى مرحلة مختلفة من اضطراب العلاقات وتضارب الأولويات ضد داعش، إلا أن موقف تركيا والولايات المتحدة من التدخل الأخير لقوات البشمركة وقوات الجيش الحر، قد يكون بداية جديدة لتحالفات أمريكية كردية تركية جديدة، قد تخف من حدّة الأزمة، وتكون في صالح جميع الأطراف.
إلا أنه ما زال هناك بعض التخوفات والغموض الذي يحيط بالمشهد، يجعل من الصعب الجزم بما يمكن أن تؤول إليه الأمور، فربما نشهد الأيام القادمة أحداث وتحالفات جديدة تعمل على تغيير المشهد الحالي.

لمعرفة المزيد عن قوات البشمركة افرأ 6 أسئلة حول قوات البشمركة ودورها في الصراع العراقي

المصادر

تحميل المزيد