أضحى العالم في عصرنا اليوم سريعًا ومشغولًا بشكل دائم، ولم يعد هناك وقت لقضاء الساعات أمام التلفاز، لذا فإن منصة «كويبي -Quibi» جاءت في مستهل هذا العام لتلبي حاجة الناس إلى المحتوى السريع والقصير، والذي يمكن الاستمتاع بمشاهدته على الهواتف.

لكن بعد أشهر من انطلاق منصة «Quibi» وتعليق كثير من الآمال، تبيَّن أن النسخة المصغرة من «نتفليكس» تحتاج إلى مزيد من الوقت والعمل لتنجح.

في البداية.. الصعود السريع لشبكة «Quibi»!

«كويبي – Quibi» هي خدمة بث للفيديوهات السينمائية القصيرة، انطلقت هذا العام في أوائل شهر أبريل (نيسان) خلال موجة الوباء، تَعِد الجمهور بمحتوى مرئي سريع ومتميز، مصمَّم خصيصًا لمشاهدته على الهواتف المحمولة، وهي منصة مشابهة لخدمة «نتفليكس»، لكن ما يميزها هو أن كل واحدة من حلقاتها السينمائية لا تتجاوز 10 دقائق.

يقف وراء هذه الخدمة الجديدة عملاقان مؤسسان، وهما جيفري كاتزنبرج، وهو رجل معروف في عالم هوليوود وعمل في العديد من الاستوديوهات والإنتاجات السينمائية، وميج وينتمان وهي الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة «eBay»، والتي تخرَّج فيها العديد من عباقرة أعمال التكنولوجيا بما فيهم إلون ماسك.

قبل أن تخرج الخدمة إلى الوجود، جمعت الشركة حوالي ملياري دولار من المستثمرين، وأمضى فريقها عامًا ونصفًا في العمل مع أفضل رواة القصص والنجوم في هوليوود، بمعية مجموعة من الفنيين التقنيين لجعل المحتوى يظهر رائعًا على الهواتف المحمولة. وعندما افتتحت المنصة عرضت عشرات الإنتاجات السينمائية القصيرة من أفلام ومسلسلات ووثائقيات.

على غرار «نتفليكس»، اختارت «كويبي» تقديم محتواها البصري مقابل الدفع؛ إذ تمنح الخدمة المستخدمين الجدد مدة ثلاثة أشهر مجانًا، وبعد ذلك يمكنهم دفع خمسة دولارات شهريًّا مع الإعلانات، أو ثمانية دولارات شهريًّا بدون إعلانات.

راهنت «كويبي» على فكرة المحتوى السينمائي القصير والمتقن، والذي يستهدف تحديدًا جمهور مستخدمي الهواتف، خاصة من الشباب، كما أنها جلبت ميزة جديدة تتمثل في توفير تجربة مشاهدة مثالية على الهاتف؛ إذ يمكن مشاهدة الحلقات بمرونة، بغض النظر عن وضعية الهاتف رأسيًّا أو أفقيًّا أو حتى جانبيًّا.

في المقابل.. هبوط مدوٍّ للشبكة

وعلى الرغم من أن عروض الخدمة شهدت إقبالًا كبيرًا في بدايتها، واحتل تطبيقها خلال الأيام الأولى المرتبة الثالثة على متجر «آبل» من حيث أكثر التطبيقات تحميلًا، فإنه سرعان ما بدأت الخدمة بعد ذلك تتعثر في طريقها، وتُخيب الآمال الكبيرة التي وضعها مؤسسوها وتوقعوا تحقيقها في ظرف قصير.

أنتجت الشركة أكثر من 100 مسلسل سينمائي أصلي، يقودها نجوم هوليوود الكبار، وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه بعد أسبوع فقط من إطلاق الخدمة، حمَّل التطبيق حوالي 3.5 مليون شخص، لكن عندما جاء وقت الدفع، بعد الأشهر الثلاثة المجانية، فتح القليل من المستهلكين محافظهم، مما كبَّد الشركة خسائر مالية.

لتقرِّر الشبكة إنهاء خدماتها، بعد ستة أشهر فقط من انطلاقها، وأعلنت أنها ستنهي عملياتها وتبدأ في بيع أصولها، بعد أن واجهت صعوبة في الحصول على جمهور عريض مستعد للدفع، لتبدأ البحث عن مشترٍ للشركة، لكنها لم تعثر على أي مشترٍ حتى الساعة.

وقال مؤسسها كاتزنبرج في بيان له: «لقد تغير العالم بشكل كبير منذ إطلاق «كويبي»، ونموذج أعمالنا القائم بذاته لم يعد قابلًا للتطبيق»، وأضاف أن سبب إغلاقنا المشروع «يعود على الأرجح لكون الفكرة نفسها لم تكن قوية بما يكفي لتبرير خدمة بث قائمة بذاتها، أو بسبب توقيتنا السيئ بإطلاق خدمتنا في خضم وباء كورونا».

فيما قالت السيدة ويتمان، الشريكة في تأسيس الخدمة، بأنه على الرغم من أن الشركة «لديها رأس مال كافٍ لمواصلة العمل لفترة طويلة من الوقت، فقد اتخذنا القرار الصعب بإنهاء العمل، وإعادة الأموال إلى مساهمينا، وتوديع زملائنا الموهوبين بشرف».

لكن.. لماذا فشلت «Quibi»؟

مع وجود الكثير من الأموال ومؤسسين عظماء في مجالهم، بالإضافة إلى تغطية إعلامية واسعة، كان من المفترض أن تزاحم «كويبي» تطبيقات «جوجل» و«فيسبوك» على هواتف الناس، خاصة وأنها جاءت بفكرة قاتلة بمراهنتها على السينما القصيرة، بحيث يمكن الاستمتاع بمشاهدتها على الهواتف بسهولة. مع ذلك، لم يُكتب النجاح للخدمة وانتهت مبكرًا بسبب عدة عوامل.

أولًا، فشلت الخدمة إلى حد كبير في تمييز نفسها بوضوح عن خدمات البث الأخرى، على الرغم من أنها تبيع نفسها على أن خدمتها «ثورية»، لكن في الحقيقة معظم ابتكاراتها متوفرة في خدمات أخرى، إنها مثل موقع «يوتيوب بالدفع» في أحسن الأحوال، باستثناء أن محتوى «كويبي» أكثر تنسيقًا ونقاء.

و«يوتيوب»، على الأقل في شكله الأساسي، مجاني، كما أنه محبوب على نطاق واسع من قبل المراهقين والشباب، وهو الجمهور نفسه الذي تستهدفه «كويبي». ثم هناك تطبيق «سنابشات»، الذي ما يزال يتمتع بشعبية كبيرة بين المراهقين، وهو يقدم أيضًا مسلسلات أصلية وقصيرة في جزء من محتواه، والتي صُمِّمت بشكل أفضل لتعمل على الهاتف.

على جانب آخر، يعتقد بعض المراقبين أن إدارة عمل إعلامي بالطريقة القديمة والممثلة في تكليف مهنيين بصنع محتوى ما، والدفع لهم مقابل ذلك، ثم محاولة إعادة بيع هذا العمل للجمهور لم تعد مجدية، نظرًا إلى وجود نماذج أعمال إعلامية جديدة بظهور «فيسبوك» و«يوتيوب» و«تيك توك».

وتستند الشبكات الاجتماعية عمومًا إلى فكرة استيعاب أكبر قدر ممكن من المحتوى المجاني، ثم توزيعه على نطاق واسع وبأسرع ما يمكن، مع أقل قدر ممكن من التدخل في صناعة المحتوى من قبل إدارة الشركة، وهو ما يكسبها جاذبية شعبية، تجعل الناس يرغبون في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة على هواتفهم، ما دامت مجانية ومن صنع أصدقائهم.

علاوة على ذلك، جاءت منصة «كويبي» في وقت أجبر فيه الوباء الناس على القعود في المنازل، في حين أن الخدمة مصممة لمشاهدتها على الهواتف أثناء التنقل أو الانشغال، كما اشتكى المستهلكون من غياب إمكانية مشاركة الإنتاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم إمكانية ربط الخدمة بأجهزة التلفزيون على غرار «نتفليكس».

تكنولوجيا

منذ 3 أسابيع
«The Social Dilemma».. هكذا تستغلنا السوشيال ميديا لتحقيق الربح

تبين من خلال تجربة خدمة «كويبي» أنه من الصعب العثور على سوق كبير للمحتوى السينمائي القصير والمدفوع؛ إذ إن الجمهور يميل لمشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة في الغالب إذا كانت مرتبطة بالأخبار والرياضة والجمال، أما عندما يتعلق الأمر بالسينما فيبدو أن الناس ما يزالون حتى الآن مستعدين لتخصيص ساعة أو أكثر من وقتهم أمام شاشة التلفاز أو الحاسوب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد